المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء العاشر
الصفحة 3238 · ص. المطبوع 292 · الشرح
( وَيَحْلِفُ أَهْلُ الذِّمَّةِ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُعَظِّمُونَهَا ) لِأَنَّ الْيَمِينَ تُغَلَّظُ فِي حَقِّهِمْ زَمَانًا ، فَكَذَا مَكَانًا . قَالَ الشَّعْبِيُّ لِنَصْرَانِيٍّ : اذْهَبْ إِلَى الْبِيعَةِ . قَالَ كَعْبُ بْنُ سَوْرٍ فِي نَصْرَانِيٍّ : اذْهَبُوا بِهِ إِلَى الْمَذْبَحِ . ( وَلَا تُغَلَّظُ الْيَمِينُ إِلَّا فِيمَا لَهُ خَطَرٌ ، كَالْجِنَايَاتِ وَالْعَتَاقِ وَالطَّلَاقِ ، وَمَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ مِنَ الْمَالِ ) قَدَّمَهُ السَّامَرِّيُّ ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْكَافِي " وَغَيْرِهِ ; لِأَنَّ التَّغْلِيظَ لِلتَّأْكِيدِ ، وَمَا لَا خَطَرَ فِيهِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَأْكِيدٍ . ( وَقِيلَ : مَا يُقْطَعُ بِهِ السَّارِقُ ) لِأَنَّ قَطْعَهُ يَدُلُّ عَلَى الِاهْتِمَامِ بِهِ ، وَالتَّأْكِيدُ يُنَاسِبُهُ . وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ : وَتُغَلَّظُ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ . ( وَإِنْ رَأَى الْحَاكِمُ تَرْكَ التَّغْلِيظِ فَتَرَكَهُ كَانَ مُصِيبًا ) لِمُوَافَقَتِهِ مُطْلَقَ النَّصِّ . وَقَالَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " : جَازَ ، وَلَمْ يَكُنْ تَارِكًا لِلسُّنَّةِ . وَتَرْكُ التَّغْلِيظِ أَوْلَى ، اخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ 292 وَنَصَرَهُ لِظَوَاهِرِ النُّصُوصِ ، إِلَّا فِي مَوْضِعٍ وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ وَصَحَّ ؛ ۝ لِتَحْلِيفِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَهُودَ بِقَوْلِهِ : نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ . وَمَنْ بَذَلَ الْيَمِينَ دُونَ التَّغْلِيظِ لَمْ يَكُنْ نَاكِلًا . جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ " .
وَعُلِمَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّهُ لَا يُحَلِّفُ بِطَلَاقٍ ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وِفَاقًا ، وَابْنُ عَبْدُ الْبَرِّ إِجْمَاعًا .
وَفِي " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ " : لِلْوَالِي إِحْلَافُ الْمُتَّهَمِ بِطَلَاقٍ وَعِتْقٍ وَصَدَقَةٍ ؛ اسْتِبْرَاءً وَتَغْلِيظًا فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقِّ آدَمِيٍّ .
فَرْعٌ : إِذَا ادَّعَى حَقًّا عَلَى مُعْسِرٍ عَاجِزٍ عَنْهُ وَعَنْ بَعْضِهِ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ شَيْئًا ، وَلَوْ نَوَى السَّاعَةَ . نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ . وَسَوَاءٌ خَافَ حَبْسًا أَوْ لَا . وَجَوَّزَهُ صَاحِبُ " الرِّعَايَةِ " بِالنِّيَّةِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْكَرَابِيسِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ . قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " : وَهُوَ مُتَّجِهٌ .
فَإِنْ عَلِمَ صَاحِبُ الْحَقِّ بِعُسْرَتِهِ لَزِمَهُ إِنْظَارُهُ . قَالَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " : وَلَا يَحِلُّ لِمَنْ عَلَيْهِ حَقٌّ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ مَنْعُهُ ، إِذَا الْتَمَسَهُ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْمُطَالَبَةَ بِهِ . مَسَائِلُ : الْأُولَى : إِذَا ادَّعَى جَمَاعَةٌ مَالًا لَهُمْ بِشَاهِدٍ ، أَوْ أَقَامَ الْوَرَثَةُ شَاهِدًا بِدَيْنٍ لِلْمَيِّتِ ، وَغَيْرِهِ ، وَحَلَفُوا اسْتَحَقُّوا . وَمَنْ نَكَلَ عَنْهَا لَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا . وَإِذَا مَاتَ لَمْ يَحْلِفْ وَرَثَتُهُ . وَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يَنْكُلْ حَلَفُوا . وَلَوْ كَانَ فِي الْوَرَثَةِ غَائِبٌ فَحَضَرَ ، أَوْ مَجْنُونٌ فَأَفَاقَ ، حَلَفَ وَأَخَذَ حَقَّهُ ، وَلَا يُحْتَاجُ إِلَى إِعَادَةِ الشَّهَادَةِ . وَقِيلَ : إِنْ كَانَ 293 الْمُخَلَّفُ دَارًا فَحَلَفَ أَحَدُهُمْ ، اشْتَرَكُوا فِيمَا أَخَذَهُ . فَلَوْ وَصَّى لِاثْنَيْنِ مَعَ شَاهِدٍ ، وَالْآخَرُ مَجْنُونٌ أَوْ غَائِبٌ ثُمَّ زَالَ الْمَانِعُ ، أُعِيدَتِ الشَّهَادَةُ مَعَ يَمِينِهِ ، وَلَا تُجْزِئُ يَمِينٌ قَبْلَ الشَّهَادَةِ وَالتَّزْكِيَةِ . الثَّانِيَةُ : إِذَا كَانَ لِمَيِّتٍ دَيْنٌ بِشَاهِدٍ ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ ، فَلَمْ يَحْلِفِ الْوَارِثُ مَعَ الشَّاهِدِ ، فَهَلْ لِلْغَرِيمِ أَنْ يَحْلِفَ ؛ قَالَ ابْنُ حِمْدَانَ : يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ . وَالْأَصَحُّ ـ إِنْ قُلْنَا التَّرِكَةُ لِلْوَارِثِ وَتُوَفَّى مِنْ حَيْثُ شَاءَ ـ : لَمْ يَحْلِفِ الْغَرِيمُ . وَإِنْ قُلْنَا لَا تَنْتَقِلُ التَّرِكَةُ إِلَيْهِ قَبْلَ الْوَفَاءِ ، حَلَفَ الْغَرِيمُ أَنِّي أَسْتَحِقُّ مِنْ دَيْنِي عَلَى الْمَيِّتِ ، أَوْ أَنَّ عَلَيْهِ دَيْنَ كَذَا . الثَّالِثَةُ : إِذَا ادَّعَى الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ حَقًّا لِبَيْتِ الْمَالِ ، وَادَّعَى وَكِيلُ الْفُقَرَاءِ حَقًّا لَهُمْ مِنْ وَصِيَّةٍ وَنَحْوِهَا ، أَوِ ادَّعَى نَاظِرُ وَقْفٍ أَوْ قَيِّمُ مَسْجِدٍ حَقًّا لَهُمَا ، فَأَنْكَرَهُمَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَمْ يَحْلِفْ ، قُضِيَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ وَأُخِذَ مِنْهُ الْمُدَّعَى بِهِ . وَقِيلَ : يُحْبَسُ حَتَّى يُقِرَّ أَوْ يَحْلِفَ . وَقِيلَ : بَلْ يَحْلِفُ الْمُدَّعِي وَيَأْخُذُ مَا ادَّعَاهُ .
وَقَالَ ابْنُ حِمْدَانَ : وَلَا يَحْلِفُ إِمَامٌ وَلَا حَاكِمٌ . وَإِنْ قُلْنَا بِحَلِفِ أَحَدِهِمْ فَأَقَامَ شَاهِدًا بِمَا ادَّعَاهُ ، حَلَفَ لِإِتْمَامِ الْبَيِّنَةِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث