المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء الأول
page 363 · printed p. 430 · commentary
( وَ ) يُسْتَحَبُّ أَنْ ( يَجْهَرَ الْإِمَامُ بِالتَّكْبِيرِ كُلِّهِ ) بِحَيْثُ يُسْمِعُ مَنْ خَلْفَهُ ، وَأَدْنَاهُ سَمَاعُ غَيْرِهِ ، وَذَلِكَ مَطْلُوبٌ لِمَا فِيهِ مِنْ مُتَابَعَةِ الْمَأْمُومِينَ لِإِمَامِهِمْ ، وَكَذَا جَهْرُهُ بِتَسْمِيعٍ وَسَلَامٍ ، وَقِرَاءَةٍ فِي جَهْرِيَّةٍ ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ إِسْمَاعُهُمْ ، جَهَرَ بِهِ بَعْضُهُمْ لِيُسْمِعَهُمْ ، لِمَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ : ۝ صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ خَلْفَهُ ، فَإِذَا كَبَّرَ 430 رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَبَّرَ أَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُنَا وَكَذَا حُكْمُ جَهْرِهِ بِتَحْمِيدٍ ، وَسَلَامٍ لِحَاجَةٍ فَيُسَنُّ ( وَيُسَرُّ غَيْرُهُ بِهِ ) أَيْ : بِالتَّكْبِيرِ ( وَبِالْقِرَاءَةِ ) لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ ، وَرُبَّمَا لُبِسَ عَلَى الْمَأْمُومِينَ ، وَإِنَّمَا سُنَّ لَهُ الْإِسْرَارُ بِهَا فِي حَالِ إِخْفَاءِ الْإِمَامِ لَا فِي حَالِ جَهْرِهِ ، لِأَنَّهُ يُسَنُّ لَهُ الْإِنْصَاتُ ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ مَسْنُونَيَّةِ الْإِسْرَارِ ، وَالْإِنْصَاتِ مُتَنَاقِضٌ ( بِقَدْرِ مَا يُسْمِعُ نَفْسَهُ ) لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُصَلٍّ أَنْ يَجْهَرَ بِكُلِّ قَوْلٍ وَاجِبٍ بِقَدْرِ مَا يُسْمِعُ نَفْسَهُ ، لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ كَلَامًا بِدُونِ الصَّوْتِ ، وَهُوَ مَا يَتَأَتَّى سَمَاعُهُ ، وَأَقْرَبُ السَّامِعِينَ إِلَيْهِ نَفْسُهُ ، وَهَذَا لَيْسَ يُفِيدُ فِي مَسْنُونِيَّةِ ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ لَوْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِحَيْثُ يَسْمَعُ مَنْ يَلِيهِ فَقَطْ لَكَانَ مُسِرًّا آتِيًا بِالْمَقْصُودِ ، وَهَذَا إِنْ لَمْ يَمْنَعْ مَانِعٌ مِنْ سَمَاعِ نَفْسِهِ ، فَإِنْ كَانَ ، فَبِحَيْثُ يَحْصُلُ السَّمَاعُ مَعَ عَدَمِهِ ( وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ ) نُدِبَا بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ عِنْدَ افْتِتَاحِهَا ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ اتِّفَاقًا ، وَيُقَالُ لِتَارِكِهِ : تَارِكُ السُّنَّةِ ، وَقَالَ الْقَاضِي : لَا بَأْسَ أَنْ يُقَالَ : هُوَ مُبْتَدِعٌ; فَإِنْ عَجَزَ عَنْ رَفْعِ إِحْدَى يَدَيْهِ رَفَعَ الْأُخْرَى; فَإِنْ كَانَتَا فِي كُمَّيْهِ رَفْعَهُمَا لِخَبَرِ وَائِلِ بْنِ حَجَرٍ ( مَعَ ابْتِدَاءِ التَّكْبِيرِ ) أَيْ : يَكُونُ ابْتِدَاءُ الرَّفْعِ مَعَ ابْتِدَاءِ التَّكْبِيرِ ، وَانْتِهَاؤُهُ مَعَ انْتِهَائِهِ ، نُصَّ عَلَيْهِ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ لِمَا رَوَى وَائِلُ بْنُ حَجَرٍ : ۝ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ التَّكْبِيرِ وَلِأَنَّ الرَّفْعَ لِلتَّكْبِيرِ فَكَانَ مَعَهُ ، وَعَنْهُ : يَرْفَعُهُمَا قَبْلَ التَّكْبِيرِ ، ثُمَّ يَحُطُّهُمَا بَعْدَهُ ، لِأَنَّهُ يَنْفِي الْكِبْرِيَاءَ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ ، وَبِالتَّكْبِيرِ يُثْبِتُهَا لِلَّهِ ، وَالنَّفْيُ مُقَدَّمٌ كَكَلِمَةِ الشَّهَادَةِ ، وَقِيلَ : يُخَيَّرُ ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " : وَهُوَ أَظْهَرُ ، فَإِنْ تَرَكَ الرَّفْعَ حَتَّى فَرَغَ مِنَ التَّكْبِيرِ لَمْ يَرْفَعْ ، لِأَنَّهَا سُنَّةٌ فَاتَ مَحَلُّهَا ( مَمْدُودَةَ الْأَصَابِعِ ) لِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ : ۝ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَدًّا رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ ( مَضْمُومًا بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ ) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ ، لِأَنَّ 431 الْأَصَابِعَ إِذَا ضُمَّتْ تَمْتَدُّ ، وَعَنْهُ : مُفَرَّقَةٌ ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ : ۝ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا كَبَّرَ نَشَرَ أَصَابِعَهُ ذَكَرَهُ أَحْمَدُ ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : إِنَّهُ خَطَأٌ ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ كَانَ مَعْنَاهُ الْمَدَّ ، لِأَنَّ النَّشْرَ لَا يَقْتَضِي التَّفْرِيقَ كَنَشْرِ الثَّوْبِ ، وَيَكُونُ مُسْتَقْبَلًا بِبُطُونِهِمَا الْقِبْلَةَ ، ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ ، وَ " الْمُبْهِجُ " وَ " الْفُرُوعُ " وَلَمْ يَذْكُرْهُ آخَرُونَ مِنْهُمُ الْمُؤَلِّفُ ، وَقِيلَ : قَائِمَةٌ حَالَ الرَّفْعِ وَالْحَطِّ ( إِلَى حَذْوِ مَنْكِبَيْهِ أَوْ إِلَى فُرُوعِ أُذُنَيْهِ ) ذَكَرَهُ فِي " التَّلْخِيصِ " وَغَيْرُهُ ، وَاخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " : وَهِيَ أَشْهَرُ ، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ : ۝ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يَكُونَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ ، ثُمَّ يُكَبِّرُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثْ ۝ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَرْفَعُ إِلَى فُرُوعِ أُذُنَيْهِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَظَاهِرُهُ التَّخْيِيرُ لِصِحَّةِ الرِّوَايَةِ بِهِمَا ، وَعَنْهُ : ۝ يَرْفَعُهُمَا إِلَى مَنْكِبَيْهِ اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ ، وَذُكِرَ فِي " الشَّرْحِ " أَنَّ مَيْلَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ إِلَى هَذَا أَكْثَرُ لِكَثْرَةِ رُوَاتِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَقُرْبِهِمْ ، وَعَنْهُ : إِلَى فُرُوعِ أُذُنَيْهِ ، اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ ، وَصَاحِبُهُ ، وَعَنْهُ : إِلَى صَدْرِهِ ، وَنَقَلَ أَبُو الْحَارِثِ : يُجَاوِزُ بِهِمَا أُذُنَيْهِ ، لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَعَلَهُ ، وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ : يَجْعَلُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ ، وَإِبْهَامَيْهِ عِنْدَ شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ ، وَقَالَهُ فِي التَّعْلِيقِ ، وَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الرَّفْعِ الْمَسْنُونِ حَسَبَ إِمْكَانِهِ ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ رَفْعُهُمَا إِلَّا بِزِيَادَةٍ عَلَى أُذُنَيْهِ رَفَعَهُمَا ، لِأَنَّهُ يَأْتِي بِالسُّنَّةِ وَزِيَادَةٍ ، وَيَسْقُطُ بِفَرَاغِ التَّكْبِيرِ كُلِّهِ .
فَائِدَةٌ : كَشَفَ يَدَيْهِ هُنَا ، وَفِي الدُّعَاءِ أَفْضَلُ ، وَرَفَعُهُمَا إِشَارَةٌ إِلَى الْحِجَابِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ ، كَمَا أَنَّ السَّبَّابَةَ إِشَارَةٌ إِلَى الْوَحْدَانِيَّةِ ، ذَكَرَهُ ابْنُ شِهَابٍ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith