المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء الثاني
وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ خَلْفَ كَافِرٍ . وَلَا أَخْرَسَ ، وَلَا مَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ ، وَلَا عَاجِزٍ عَنِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْقُعُودِ .
وَلَا تَصْلُحُ خَلْفَ عَاجِزٍ عَنِ الْقِيَامِ ، إِلَّا إِمَامَ الْحَيِّ الْمَرْجُوَّ زَوَالُ عِلَّتِهِ ، وَيُصَلُّونَ وَرَاءَهُ جُلُوسًا . فَإِنْ صَلَّوْا قِيَامًا صَحَّتْ صَلَاتُهُمْ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، وَإِنِ ابْتَدَأَ بِهِمُ الصَّلَاةَ قَائِمًا ثُمَّ اعْتَلَّ فَجَلَسَ أَتَمُّوا خَلْفَهُ قِيَامًا .
( وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ خَلْفَ كَافِرٍ ) وِفَاقًا ; لِأَنَّهَا تَفْتَقِرُ إِلَى النِّيَّةِ وَالْوُضُوءِ ، وَهُمَا لَا يَصِحَّانِ مِنْهُ ، وَلِأَنَّهُ ائْتَمَّ بِمَنْ لَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ ، أَشْبَهَ مَا لَوِ ائْتَمَّ بِمَجْنُونٍ ، وَسَوَاءٌ عَلِمَ بِكُفْرِهِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا ; لِأَنَّ الْكُفْرَ لَا يَخْفَى غَالِبًا ، فَالْجَاهِلُ بِهِ مُفَرِّطٌ ، وَقِيلَ : يَصِحُّ إِنْ كَانَ يُسِرُّهُ ، وَعَلَى هَذَا لَا إِعَادَةَ عَلَى مَنْ صَلَّى خَلْفَهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ ، كَمَا لَوِ ائْتَمَّ بِمُحْدِثٍ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ .
وَجَوَابُهُ : بِأَنَّ الْمُحْدِثَ يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَعْلَمَ حَدَثَ نَفْسِهِ ، وَالْكَافِرُ يَعْلَمُ حَالَ نَفْسِهِ .
69 تَنْبِيهٌ : إِذَا عَلِمَهُ مُسْلِمًا فَصَلَّى خَلْفَهُ فَقَالَ بَعْدَ الصَّلَاةِ : هُوَ كَافِرٌ لَمْ تَبْطُلْ لِأَنَّهَا كَانَتْ مَحْكُومًا بِصِحَّتِهَا ; وَهُوَ مِمَّنْ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ ، وَإِنْ قَالَ بَعْدَ سَلَامِهِ هُوَ كَافِرٌ تَهَزُّؤًا ، فَنَصُّهُ : يُعِيدُ الْمَأْمُومُ ، كَمَنْ ظَنَّ كُفْرَهُ أَوْ خِلَافَهُ ، وَقِيلَ : لَا ، كَمَنْ جَهِلَ حَالَهُ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنَ الْمُصَلِّينَ الْإِسْلَامُ ، سِيَّمَا إِذَا كَانَ إِمَامًا ، وَإِنْ عُلِمَ لَهُ حَالَانِ أَوْ إِفَاقَةٌ وَجُنُونٌ لَمْ يُدْرَ فِي أَيِّهِمَا ائْتَمَّ ، وَأَمَّ فِيهِمَا ، فَفِي الْإِعَادَةِ أَوْجُهٌ ، ثَالِثُهَا : إِنْ عَلِمَ قَبْلَ الصَّلَاةِ إِسْلَامَهُ ، وَشَكَّ فِي رِدَّتِهِ لَمْ يُعِدْ ، وَإِلَّا أَعَادَ ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " ( وَلَا أَخْرَسَ ) لِأَنَّهُ أَخَلَّ بِفَرْضٍ الصَّلَاةِ ، كَالْمُضْطَجِعِ يَؤُمُّ الْقَائِمَ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ وَلَوْ بِمِثْلِهِ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ ; لِأَنَّهُ مَأْيُوسٌ مِنْ نُطْقِهِ ، وَفِي " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ " ، وَ " الْكَافِي " أَنَّهَا تَصِحُّ ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ " : هُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ قِيَاسًا عَلَى الْأُمِّيِّ ، وَالْعَاجِزِ عَنِ الْقِيَامِ يَؤُمُّ مِثْلَهُ ( وَلَا مَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ ) لِأَنَّ فِي صَلَاتِهِ خَلَلًا غَيْرَ مَجْبُورٍ بِبَدَلٍ ; لِكَوْنِهِ يُصَلِّي مَعَ خُرُوجِ النَّجَاسَةِ الَّتِي يَحْصُلُ بِهَا الْحَدَثُ مِنْ غَيْرِ طَهَارَةٍ ، أَشْبَهَ مَا لَوِ ائْتَمَّ بِمُحْدِثٍ يَعْلَمُ بِحَدَثِهِ ، وَإِنَّمَا صَحَّتْ صَلَاتُهُ فِي نَفْسِهِ لِلضَّرُورَةِ ، وَلَوْ عَبَّرَ بِمَنْ حَدَثُهُ مُسْتَمِرٌّ كَـ " الْوَجِيزِ " ، وَ " الْفُرُوعِ " لَكَانَ أَوْلَى ، وَتَصِحُّ إِمَامَتُهُ بِمِثْلِهِ ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " ، وَفِي " الْوَجِيزِ " ، وَفِي " الْفُرُوعِ " ، وَجْهَانِ .
مَسْأَلَةٌ : لَا يَصِحُّ ائْتِمَامُ الْمُتَطَهِّرِ بِعَادِمِ الطَّهُورَيْنِ ، وَلَا الْقَادِرِ عَلَى الِاسْتِقْبَالِ بِالْعَاجِزِ عَنْهُ ; لِأَنَّهُ تَارِكٌ لِشَرْطٍ يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْمَأْمُومُ ، أَشْبَهَ ائْتِمَامَ الْمُعَافَى بِمَنْ حَدَثُهُ مُسْتَمِرٌّ ( وَلَا عَاجِزٍ عَنِ الرُّكُوعِ ، وَالسُّجُودِ ، وَالْقُعُودِ ) أَيْ : لَا تَصِحُّ إِمَامَةُ عَاجِزٍ عَنْ رُكْنٍ أَوْ شَرْطٍ بِالْقَادِرِ عَلَيْهِ ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " ، وَ " الْفُرُوعِ " ; لِأَنَّهُ أَخَلَّ 70 بِرُكْنٍ لَا يَسْقُطُ فِي النَّافِلَةِ ، فَلَمْ يَجُزْ كَالْقَارِئِ بِالْأُمِّيِّ ، وَقِيلَ : يَجُوزُ ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ، كَالْقَاعِدِ يَؤُمُّ الْقَائِمَ ، وَعَلَى الْأَوَّلِ : وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ إِمَامِ الْحَيِّ وَغَيْرِهِ ، وَقَاسَ أَبُو الْخَطَّابِ الْمَنْعَ عَلَى صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَالْمَرْبُوطِ ، وَأَمَّا الْقِيَامُ فَهُوَ أَخَفُّ بِدَلِيلِ سُقُوطِهِ فِي النَّافِلَةِ ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ " : أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُصَلِّينَ خَلْفَ الْجَالِسِ بِالْجُلُوسِ ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْمُصَلِّيَ خَلْفَ الْمُضْطَجِعِ لَا يَضْطَجِعُ ، وَتَصِحُّ إِمَامَتُهُمْ بِمِثْلِهِمْ ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْفُرُوعِ " ، وَفِي " الشَّرْحِ " أَنَّهُ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ فِي الْمَطَرِ بِالْإِيمَاءِ .
( وَلَا تَصِحُّ خَلْفَ عَاجِزٍ عَنِ الْقِيَامِ ) لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ فَلَمْ يَصِحَّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ ، كَالْعَاجِزِ عَنِ الْقِرَاءَةِ ( إِلَّا إِمَامَ الْحَيِّ ) وَهُوَ الْإِمَامُ الرَّاتِبُ فِي الْمَسْجِدِ لِمَا فِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي بَيْتِهِ وَهُوَ شَاكٌّ ، فَصَلَّى جَالِسًا ، وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا ، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنِ اجْلِسُوا ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ : إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ إِلَى قَوْلِهِ : وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : رُوِيَ هَذَا مَرْفُوعًا مِنْ طُرُقٍ مُتَوَاتِرَةٍ ، وَلِأَنَّ إِمَامَ الْحَيِّ يَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيمِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ ، وَالْقِيَامُ أَخَفُّ بِدَلِيلِ سُقُوطِهِ فِي النَّفْلِ ( الْمَرْجُوَّ زَوَالِ عِلَّتِهِ ) لِئَلَّا يُفْضِيَ إِلَى تَرْكِ الْقِيَامِ عَلَى الدَّوَامِ أَوْ مُخَالَفَةِ الْخَبَرِ ، وَلَا حَاجَةَ إِلَيْهِ ، وَالْأَصْلُ فِيهِ فِعْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَكَانَ يُرْجَى بُرْؤُهُ ، وَعَنْهُ : يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ إِمَامِ الْحَيِّ ، وَإِنْ لَمْ يُرْجَ زَوَالُهُ ( وَيُصَلُّونَ وَرَاءَهُ جُلُوسًا ) لِمَا تَقَدَّمَ ، قَالَ فِي الْخِلَافِ : هَذَا اسْتِحْسَانٌ ، وَالْقِيَاسُ لَا تَصِحُّ ; لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ صَلَّى فِي مَرَضِ مَوْتِهِ قَاعِدًا ، وَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ ، وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِيَامًا مُتَّفَقٌ 71 عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ، وَأَجَابَ أَحْمَدُ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِيهِ ; لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ ابْتَدَأَ بِهِمْ قَائِمًا فَيُتِمُّهَا كَذَلِكَ ، وَالْجَمْعُ أَوْلَى مِنَ النَّسْخِ ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ هُوَ الْإِمَامُ ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي مَرَضِهِ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ فِي ثَوْبٍ مُتَوَشِّحًا وَرَوَاهُ أَنَسٌ أَيْضًا ، وَصَحَّحَهُمَا التِّرْمِذِيُّ ، قَالَ : وَلَا نَعْرِفُ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ صَلَّى خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، قَالَ مَالِكٌ : الْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا ، لَا يُقَالُ : لَوْ كَانَ هُوَ الْإِمَامُ لَكَانَ عَنْ يَسَارِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَفِي الصَّحِيحِ : أَنَّهُ كَانَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ ; لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ ; لِأَنَّ خَلْفَهُ صَفٌّ ، وَفَعَلَ مِثْلَ قَوْلِنَا أُسَيْدُ بْنُ حَضِيرٍ ، وَجَابِرٌ ، وَقَيْسُ بْنُ فِهْرٍ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، لَكِنَّ الْمُسْتَحَبَّ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ ; لِأَنَّ النَّاسَ مُخْتَلِفُونَ فِي صِحَّةِ إِمَامَتِهِ ، مَعَ أَنَّ صَلَاةَ الْقَائِمِ أَكْمَلُ ، وَكَمَالُهَا مَطْلُوبٌ ( فَإِنْ صَلَّوْا قِيَامًا صَحَّتْ صَلَاتُهُمْ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ ، وَصَحَّحَهُ فِي " التَّلْخِيصِ " ، وَ " الْفُرُوعِ " ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ صَلَّى وَرَاءَهُ الْقَوْمُ قِيَامًا لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْإِعَادَةِ ، وَلِأَنَّ الْقِيَامَ هُوَ الْأَصْلُ ، وَقَدْ أَتَوْا بِهِ ، وَالثَّانِي : لَا يَصِحُّ ، أَوْمَأَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ لِلنَّهْيِ عَنْهُ ، وَقِيلَ : لَا تَصِحُّ صَلَاةٌ مَعَ عِلْمِ وُجُوبِ الْجُلُوسِ دُونَ جَهْلِهِ ، كَالرَّاكِعِ دُونَ الصَّفِّ .
فَرْعٌ : إِذَا قَدَرَ الْمُقْتَدِي وَالْمَرِيضُ عَلَى الْإِتْيَانِ بِجَمِيعِ الْأَرْكَانِ فَلَا بَأْسَ بِإِمَامَتِهِمَا ( وَإِنِ ابْتَدَأَ بِهِمُ الصَّلَاةَ قَائِمًا ثُمَّ اعْتَلَّ ) أَيْ : حَصَلَ لَهُ عِلَّةٌ ( فَجَلَسَ أَتَمُّوا خَلْفَهُ قِيَامًا ) لِقِصَّةِ أَبِي بَكْرٍ ، وَلِأَنَّ الْقِيَامَ هُوَ الْأَصْلُ ، فَإِذَا بَدَأَ بِهِ فِي الصَّلَاةِ لَزِمَهُ إِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ ، كَمَنَ أَحْرَمَ فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " 72 وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْجُلُوسُ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ الْحُلْوَانِيُّ : وَلَمْ يَكُنْ إِمَامَ الْحَيِّ
وَلَا تَصْلُحُ خَلْفَ عَاجِزٍ عَنِ الْقِيَامِ ، إِلَّا إِمَامَ الْحَيِّ الْمَرْجُوَّ زَوَالُ عِلَّتِهِ ، وَيُصَلُّونَ وَرَاءَهُ جُلُوسًا . فَإِنْ صَلَّوْا قِيَامًا صَحَّتْ صَلَاتُهُمْ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، وَإِنِ ابْتَدَأَ بِهِمُ الصَّلَاةَ قَائِمًا ثُمَّ اعْتَلَّ فَجَلَسَ أَتَمُّوا خَلْفَهُ قِيَامًا .
( وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ خَلْفَ كَافِرٍ ) وِفَاقًا ; لِأَنَّهَا تَفْتَقِرُ إِلَى النِّيَّةِ وَالْوُضُوءِ ، وَهُمَا لَا يَصِحَّانِ مِنْهُ ، وَلِأَنَّهُ ائْتَمَّ بِمَنْ لَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ ، أَشْبَهَ مَا لَوِ ائْتَمَّ بِمَجْنُونٍ ، وَسَوَاءٌ عَلِمَ بِكُفْرِهِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا ; لِأَنَّ الْكُفْرَ لَا يَخْفَى غَالِبًا ، فَالْجَاهِلُ بِهِ مُفَرِّطٌ ، وَقِيلَ : يَصِحُّ إِنْ كَانَ يُسِرُّهُ ، وَعَلَى هَذَا لَا إِعَادَةَ عَلَى مَنْ صَلَّى خَلْفَهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ ، كَمَا لَوِ ائْتَمَّ بِمُحْدِثٍ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ .
وَجَوَابُهُ : بِأَنَّ الْمُحْدِثَ يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَعْلَمَ حَدَثَ نَفْسِهِ ، وَالْكَافِرُ يَعْلَمُ حَالَ نَفْسِهِ .
69 تَنْبِيهٌ : إِذَا عَلِمَهُ مُسْلِمًا فَصَلَّى خَلْفَهُ فَقَالَ بَعْدَ الصَّلَاةِ : هُوَ كَافِرٌ لَمْ تَبْطُلْ لِأَنَّهَا كَانَتْ مَحْكُومًا بِصِحَّتِهَا ; وَهُوَ مِمَّنْ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ ، وَإِنْ قَالَ بَعْدَ سَلَامِهِ هُوَ كَافِرٌ تَهَزُّؤًا ، فَنَصُّهُ : يُعِيدُ الْمَأْمُومُ ، كَمَنْ ظَنَّ كُفْرَهُ أَوْ خِلَافَهُ ، وَقِيلَ : لَا ، كَمَنْ جَهِلَ حَالَهُ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنَ الْمُصَلِّينَ الْإِسْلَامُ ، سِيَّمَا إِذَا كَانَ إِمَامًا ، وَإِنْ عُلِمَ لَهُ حَالَانِ أَوْ إِفَاقَةٌ وَجُنُونٌ لَمْ يُدْرَ فِي أَيِّهِمَا ائْتَمَّ ، وَأَمَّ فِيهِمَا ، فَفِي الْإِعَادَةِ أَوْجُهٌ ، ثَالِثُهَا : إِنْ عَلِمَ قَبْلَ الصَّلَاةِ إِسْلَامَهُ ، وَشَكَّ فِي رِدَّتِهِ لَمْ يُعِدْ ، وَإِلَّا أَعَادَ ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " ( وَلَا أَخْرَسَ ) لِأَنَّهُ أَخَلَّ بِفَرْضٍ الصَّلَاةِ ، كَالْمُضْطَجِعِ يَؤُمُّ الْقَائِمَ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ وَلَوْ بِمِثْلِهِ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ ; لِأَنَّهُ مَأْيُوسٌ مِنْ نُطْقِهِ ، وَفِي " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ " ، وَ " الْكَافِي " أَنَّهَا تَصِحُّ ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ " : هُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ قِيَاسًا عَلَى الْأُمِّيِّ ، وَالْعَاجِزِ عَنِ الْقِيَامِ يَؤُمُّ مِثْلَهُ ( وَلَا مَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ ) لِأَنَّ فِي صَلَاتِهِ خَلَلًا غَيْرَ مَجْبُورٍ بِبَدَلٍ ; لِكَوْنِهِ يُصَلِّي مَعَ خُرُوجِ النَّجَاسَةِ الَّتِي يَحْصُلُ بِهَا الْحَدَثُ مِنْ غَيْرِ طَهَارَةٍ ، أَشْبَهَ مَا لَوِ ائْتَمَّ بِمُحْدِثٍ يَعْلَمُ بِحَدَثِهِ ، وَإِنَّمَا صَحَّتْ صَلَاتُهُ فِي نَفْسِهِ لِلضَّرُورَةِ ، وَلَوْ عَبَّرَ بِمَنْ حَدَثُهُ مُسْتَمِرٌّ كَـ " الْوَجِيزِ " ، وَ " الْفُرُوعِ " لَكَانَ أَوْلَى ، وَتَصِحُّ إِمَامَتُهُ بِمِثْلِهِ ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " ، وَفِي " الْوَجِيزِ " ، وَفِي " الْفُرُوعِ " ، وَجْهَانِ .
مَسْأَلَةٌ : لَا يَصِحُّ ائْتِمَامُ الْمُتَطَهِّرِ بِعَادِمِ الطَّهُورَيْنِ ، وَلَا الْقَادِرِ عَلَى الِاسْتِقْبَالِ بِالْعَاجِزِ عَنْهُ ; لِأَنَّهُ تَارِكٌ لِشَرْطٍ يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْمَأْمُومُ ، أَشْبَهَ ائْتِمَامَ الْمُعَافَى بِمَنْ حَدَثُهُ مُسْتَمِرٌّ ( وَلَا عَاجِزٍ عَنِ الرُّكُوعِ ، وَالسُّجُودِ ، وَالْقُعُودِ ) أَيْ : لَا تَصِحُّ إِمَامَةُ عَاجِزٍ عَنْ رُكْنٍ أَوْ شَرْطٍ بِالْقَادِرِ عَلَيْهِ ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " ، وَ " الْفُرُوعِ " ; لِأَنَّهُ أَخَلَّ 70 بِرُكْنٍ لَا يَسْقُطُ فِي النَّافِلَةِ ، فَلَمْ يَجُزْ كَالْقَارِئِ بِالْأُمِّيِّ ، وَقِيلَ : يَجُوزُ ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ، كَالْقَاعِدِ يَؤُمُّ الْقَائِمَ ، وَعَلَى الْأَوَّلِ : وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ إِمَامِ الْحَيِّ وَغَيْرِهِ ، وَقَاسَ أَبُو الْخَطَّابِ الْمَنْعَ عَلَى صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَالْمَرْبُوطِ ، وَأَمَّا الْقِيَامُ فَهُوَ أَخَفُّ بِدَلِيلِ سُقُوطِهِ فِي النَّافِلَةِ ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ " : أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُصَلِّينَ خَلْفَ الْجَالِسِ بِالْجُلُوسِ ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْمُصَلِّيَ خَلْفَ الْمُضْطَجِعِ لَا يَضْطَجِعُ ، وَتَصِحُّ إِمَامَتُهُمْ بِمِثْلِهِمْ ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْفُرُوعِ " ، وَفِي " الشَّرْحِ " أَنَّهُ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ فِي الْمَطَرِ بِالْإِيمَاءِ .
( وَلَا تَصِحُّ خَلْفَ عَاجِزٍ عَنِ الْقِيَامِ ) لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ فَلَمْ يَصِحَّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ ، كَالْعَاجِزِ عَنِ الْقِرَاءَةِ ( إِلَّا إِمَامَ الْحَيِّ ) وَهُوَ الْإِمَامُ الرَّاتِبُ فِي الْمَسْجِدِ لِمَا فِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي بَيْتِهِ وَهُوَ شَاكٌّ ، فَصَلَّى جَالِسًا ، وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا ، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنِ اجْلِسُوا ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ : إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ إِلَى قَوْلِهِ : وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : رُوِيَ هَذَا مَرْفُوعًا مِنْ طُرُقٍ مُتَوَاتِرَةٍ ، وَلِأَنَّ إِمَامَ الْحَيِّ يَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيمِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ ، وَالْقِيَامُ أَخَفُّ بِدَلِيلِ سُقُوطِهِ فِي النَّفْلِ ( الْمَرْجُوَّ زَوَالِ عِلَّتِهِ ) لِئَلَّا يُفْضِيَ إِلَى تَرْكِ الْقِيَامِ عَلَى الدَّوَامِ أَوْ مُخَالَفَةِ الْخَبَرِ ، وَلَا حَاجَةَ إِلَيْهِ ، وَالْأَصْلُ فِيهِ فِعْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَكَانَ يُرْجَى بُرْؤُهُ ، وَعَنْهُ : يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ إِمَامِ الْحَيِّ ، وَإِنْ لَمْ يُرْجَ زَوَالُهُ ( وَيُصَلُّونَ وَرَاءَهُ جُلُوسًا ) لِمَا تَقَدَّمَ ، قَالَ فِي الْخِلَافِ : هَذَا اسْتِحْسَانٌ ، وَالْقِيَاسُ لَا تَصِحُّ ; لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ صَلَّى فِي مَرَضِ مَوْتِهِ قَاعِدًا ، وَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ ، وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِيَامًا مُتَّفَقٌ 71 عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ، وَأَجَابَ أَحْمَدُ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِيهِ ; لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ ابْتَدَأَ بِهِمْ قَائِمًا فَيُتِمُّهَا كَذَلِكَ ، وَالْجَمْعُ أَوْلَى مِنَ النَّسْخِ ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ هُوَ الْإِمَامُ ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي مَرَضِهِ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ فِي ثَوْبٍ مُتَوَشِّحًا وَرَوَاهُ أَنَسٌ أَيْضًا ، وَصَحَّحَهُمَا التِّرْمِذِيُّ ، قَالَ : وَلَا نَعْرِفُ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ صَلَّى خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، قَالَ مَالِكٌ : الْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا ، لَا يُقَالُ : لَوْ كَانَ هُوَ الْإِمَامُ لَكَانَ عَنْ يَسَارِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَفِي الصَّحِيحِ : أَنَّهُ كَانَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ ; لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ ; لِأَنَّ خَلْفَهُ صَفٌّ ، وَفَعَلَ مِثْلَ قَوْلِنَا أُسَيْدُ بْنُ حَضِيرٍ ، وَجَابِرٌ ، وَقَيْسُ بْنُ فِهْرٍ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، لَكِنَّ الْمُسْتَحَبَّ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ ; لِأَنَّ النَّاسَ مُخْتَلِفُونَ فِي صِحَّةِ إِمَامَتِهِ ، مَعَ أَنَّ صَلَاةَ الْقَائِمِ أَكْمَلُ ، وَكَمَالُهَا مَطْلُوبٌ ( فَإِنْ صَلَّوْا قِيَامًا صَحَّتْ صَلَاتُهُمْ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ ، وَصَحَّحَهُ فِي " التَّلْخِيصِ " ، وَ " الْفُرُوعِ " ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ صَلَّى وَرَاءَهُ الْقَوْمُ قِيَامًا لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْإِعَادَةِ ، وَلِأَنَّ الْقِيَامَ هُوَ الْأَصْلُ ، وَقَدْ أَتَوْا بِهِ ، وَالثَّانِي : لَا يَصِحُّ ، أَوْمَأَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ لِلنَّهْيِ عَنْهُ ، وَقِيلَ : لَا تَصِحُّ صَلَاةٌ مَعَ عِلْمِ وُجُوبِ الْجُلُوسِ دُونَ جَهْلِهِ ، كَالرَّاكِعِ دُونَ الصَّفِّ .
فَرْعٌ : إِذَا قَدَرَ الْمُقْتَدِي وَالْمَرِيضُ عَلَى الْإِتْيَانِ بِجَمِيعِ الْأَرْكَانِ فَلَا بَأْسَ بِإِمَامَتِهِمَا ( وَإِنِ ابْتَدَأَ بِهِمُ الصَّلَاةَ قَائِمًا ثُمَّ اعْتَلَّ ) أَيْ : حَصَلَ لَهُ عِلَّةٌ ( فَجَلَسَ أَتَمُّوا خَلْفَهُ قِيَامًا ) لِقِصَّةِ أَبِي بَكْرٍ ، وَلِأَنَّ الْقِيَامَ هُوَ الْأَصْلُ ، فَإِذَا بَدَأَ بِهِ فِي الصَّلَاةِ لَزِمَهُ إِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ ، كَمَنَ أَحْرَمَ فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " 72 وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْجُلُوسُ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ الْحُلْوَانِيُّ : وَلَمْ يَكُنْ إِمَامَ الْحَيِّ
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث