المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء الأول
page 60 · printed p. 145 · commentary
( وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ إِلَّا عَلَى مَا يَسْتُرُ مَحَلَّ الْفَرْضِ ) وَهُوَ الْقَدَمُ كُلُّهُ ( وَيَثْبُتُ بِنَفْسِهِ فَإِنْ كَانَ فِيهِ خَرْقٌ يَبْدُو مِنْهُ بَعْضُ الْقَدَمِ ، أَوْ كَانَ وَاسِعًا يُرَى مِنْهُ الْكَعْبُ ، أَوِ الْجَوْرَبُ خَفِيفًا يَصِفُ الْقَدَمَ ، أَوْ يَسْقُطُ مِنْهُ ، أَوْ شَدَّ لَفَائِفَ لَمْ يَجُزِ الْمَسْحُ ) .
اعْلَمْ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِجَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى حَوَائِلِ الرِّجْلِ شُرُوطٌ .
الْأَوَّلُ : أَنْ يَكُونَ سَاتِرًا لِمَحَلِّ الْفَرْضِ
، وَإِلَّا فَحُكْمُ مَا اسْتَتَرَ الْمَسْحُ ، وَمَا ظَهَرَ الْغَسْلُ ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى جَمْعِهِمَا ، فَوَجَبَ الْغَسْلُ ، لِأَنَّهُ الْأَصْلُ ، وَسَوَاءٌ كَانَ ظُهُورُهُ لِقِصَرِ الْحَائِلِ ، أَوْ سَعَتِهِ ، أَوْ صَفَائِهِ ، أَوْ خَرْقٍ فِيهِ ، وَإِنْ صَغُرَ حَتَّى مَوْضِعِ الْخَرَزِ .
145 وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْخَرْقَ إِذَا انْضَمَّ ، وَلَمْ يَبْدُ مِنْهُ شَيْءٌ ، أَنَّهُ يَجُوزُ الْمَسْحُ ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ ، لَكِنْ مَالَ الْمَجْدُ إِلَى الْعَفْوِ عَنْ خَرْقٍ لَا يَمْنَعُ مُتَابَعَةَ الْمَشْيِ نَظَرًا إِلَى ظَاهِرِ خِفَافِ الصَّحَابَةِ ، وَبَالَغَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فَقَالَ : يَجُوزُ عَلَى الْمُخَرَّقِ مَا لَمْ يُظْهِرْ أَكْثَرَ الْقَدَمِ ، فَإِنْ ظَهَرَ أَكْثَرُهُ فَهُوَ كَالنَّعْلِ ، أَوِ الزَّرْبُولِ الَّذِي لَمْ يَسْتُرِ الْقَدَمَ مِمَّا فِي نَزْعِهِ مَشَقَّةٌ ، بِأَنْ لَا يُخْلَعَ بِمُجَرَّدِ خَلْعِ الرِّجْلِ ، إِنَّمَا يُخْلَعُ بِالرِّجْلِ الْأُخْرَى أَوْ بِالْيَدِ ، وَقَالَ : إِنَّهُ يُغْسَلُ مَا ظَهَرَ مِنَ الْقَدَمِ ، وَيُمْسَحُ النَّعْلُ ، أَوْ يُمْسَحُ الْجَمِيعُ ، مُعْتَمِدًا فِي ذَلِكَ عَلَى أَحَادِيثَ ، وَهِيَ ضَعِيفَةٌ .
الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا بِنَفْسِهِ ، إِذِ الرُّخْصَةُ وَرَدَتْ فِي الْخُفِّ الْمُعْتَادِ ، وَمَا لَا يَثْبُتُ بِنَفْسِهِ لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ ، وَحِينَئِذٍ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى مَا يَسْقُطُ لِزَوَالِ شَرْطِهِ ، وَلَا عَلَى اللَّفَائِفِ فِي الْمَنْصُوصِ ، وَحَكَاهُ بَعْضُهُمْ إِجْمَاعًا ، لِعَدَمِ ثُبُوتِهَا بِنَفْسِهَا ، وَسَوَاءٌ كَانَ تَحْتَهَا نَعْلٌ أَوْ لَا ، وَلَوْ مَعَ مَشَقَّةٍ فِي الْأَصَحِّ ، وَحَكَى ابْنُ عَبْدُوسٍ رِوَايَةً بِالْجَوَازِ ، بِشَرْطِ قُوَّتِهَا وَشَدِّهَا ، وَقِيلَ : يَجُوزُ مَسْحُ لِفَافَةٍ تَحْتَ خُفٍّ مُخَرَّقٍ كَجَوْرَبٍ تَحْتَ مُخَرَّقٍ ، أَمَّا إِذَا ثَبَتَ الْخُفُّ وَنَحْوُهُ بِنَفْسِهِ ، لَكِنْ يَبْدُو مِنْهُ بَعْضُ الْقَدَمِ بِدُونِ شَدِّهِ ، فَيَجُوزُ مَسْحُهُ مَعَ شَدِّهِ ، صَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ ، وَنَصَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ ، وَفِيهِ وَجْهٌ : لَا ، اخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ . قَالَ الزَّرْكَشِيُّ : وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ الزَّرْبُولُ الَّذِي لَهُ أُذُنٌ .
الثَّالِثُ : أَنْ يُمْكِنَ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ ، فَلَوْ تَعَذَّرَ لِضِيقِهِ ، أَوْ نَعْلٍ جَدِيدَةٍ ، أَوْ تَكْسِيرِهِ كَرَقِيقِ الزُّجَاجِ لَمْ يَجُزِ الْمَسْحُ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ ، وَفِيهِ وَجْهٌ .
146 الرَّابِعُ : أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا ، فَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْمَغْصُوبِ ، وَالْحَرِيرِ ، لِأَنَّ لُبْسَهُ مَعْصِيَةٌ ، فَلَا تُسْتَبَاحُ بِهِ الرُّخْصَةُ ، وَبَنَاهُ جَمَاعَةٌ عَلَى الْخِلَافِ فِي الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ ، وَفِي ثَالِثٍ : إِنْ لَبِسَهُ لِحَاجَةٍ كَالْبِلَادِ الْبَارِدَةِ الَّتِي يَخْشَى فِيهَا سُقُوطَ أَصَابِعِهِ ، أَجْزَأَهُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ . قَالَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " ، وَالْفُصُولِ ، وَ " النِّهَايَةِ " .
الْخَامِسُ : أَنْ يَكُونَ مُعْتَادًا فَلَا يَجُوزُ عَلَى الْخَشَبِ ، وَالزُّجَاجِ ، وَالنُّحَاسِ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الشِّيرَازِيِّ ، وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ ، وَالْمَجْدُ ، وَالْقَاضِي ، وَزَعَمَ أَنَّ قِيَاسَ الْمَذْهَبِ جَوَازُهُ ، لِأَنَّهُ خُفٌّ سَاتِرٌ يُمْكِنُ الْمَشْيُ فِيهِ ، أَشْبَهَ الْجُلُودَ ، وَالْأَوْلَى أَنْ نَقُولَ : الرُّخْصَةُ إِنَّمَا وَرَدَتْ فِي الْخِفَافِ الْمُتَعَارَفَةِ لِلْحَاجَةِ .
السَّادِسُ : أَنْ يَكُونَ طَاهِرَ الْعَيْنِ ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ ، وَفِيهِ وَجْهَانِ ، أَصَحُّهُمَا : أَنَّهُ يُشْتَرَطُ ، وَيَظْهَرُ أَثَرُ الْخِلَافِ فِيمَنْ لَبِسَ جِلْدَ كَلْبٍ ، أَوْ مَيْتَةٍ فِي بَلَدِ ثَلْجٍ ، وَخَشِيَ سُقُوطَ أَصَابِعِهِ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ لَا يُشْتَرَطُ ، لِلْإِذْنِ فِيهِ إِذًا ، وَنَجَاسَةُ الْمَاءِ حَالَ الْمَسْحِ لَا تَضُرُّ ، كَالْجُنُبِ إِذَا اغْتَسَلَ وَعَلَيْهِ نَجَاسَةٌ لَا تَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ ، وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ ، وَالْمَجْدُ : يُشْتَرَطُ ، لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي الْأَصْلِ ، وَهَذِهِ ضَرُورَةٌ نَادِرَةٌ ، وَإِذًا يَتَيَمَّمُ لِلرِّجْلَيْنِ ، فَإِنْ كَانَ طَاهِرَ الْعَيْنِ ، وَبِبَاطِنِهِ ، أَوْ بِالْقَدَمِ نَجَاسَةٌ لَا تُزَالُ إِلَّا بِالْمَاءِ فَقِيلَ : هُوَ كَالْوُضُوءِ قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ ، وَقِيلَ : إِنْ تَعَذَّرَ الْخَلْعُ ، وَقُلْنَا بِجَوَازِ الْمَسْحِ تَيَمَّمَ وَصَلَّى ، وَالْإِعَادَةُ تَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ ، وَعَلَى الْأَوَّلِ : يَسْتَفِيدُ بِذَلِكَ مَسَّ الْمُصْحَفِ ، وَالصَّلَاةَ عِنْدَ عَجْزِهِ عَنْ إِزَالَتِهِ النَّجَاسَةَ .
( وَإِنْ لَبِسَ خُفًّا فَلَمْ يُحْدِثْ حَتَّى لَبِسَ عَلَيْهِ آخَرَ ، جَازَ الْمَسْحُ ) أَيْ : إِذَا 147 جَمَعَ بَيْنَ مَلْبُوسَيْنِ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا ، فَلَهُ مَسْحُ الْأَعْلَى بِشَرْطِ لُبْسِهِ قَبْلَ الْحَدَثِ ، لِأَنَّهُ خُفٌّ سَاتِرٌ يُمْكِنُ الْمَشْيُ فِيهِ ، أَشْبَهَ الْمُنْفَرِدَ ، وَاقْتَضَى كَلَامُهُ أَنَّ الْحَدَثَ إِذَا تَقَدَّمَ لَبِسَ الْفَوْقَانِيَّ أَنَّهُ لَا يَمْسَحُ ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " ، وَكَثِيرٌ مِنَ الْأَصْحَابِ ، لِأَنَّهُ لَبِسَهُمَا عَلَى حَدَثٍ ، وَكَذَا لَوْ مَسَحَ ، ثُمَّ لَبِسَ آخَرَ لَمْ يَمْسَحْ عَلَيْهِ ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " ، وَغَيْرِهِ بَلْ عَلَى مَا تَحْتَهُ ، وَلَوْ نَزَعَ الْفَوْقَانِيَّ بَعْدَ مَسْحِهِ عَلَيْهِ بَطَلَ وُضُوءُهُ ، وَلَهُ مَسْحُ مَا تَحْتَهُ فِي رِوَايَةٍ ، وَإِنْ لَبِسَ عَلَى لِفَافَةٍ ، أَوْ مُخَرَّقٍ صَحِيحًا ، مَسَحَ عَلَيْهِ ، لِأَنَّهُمَا كَخُفٍّ وَاحِدٍ ، وَكَذَا إِنْ لَبِسَ عَلَى صَحِيحٍ مُخَرَّقًا ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَفِيهِ وَجْهٌ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا ، وَقَالَ الْقَاضِي ، وَأَصْحَابُهُ : يَمْسَحُ الصَّحِيحَ ، لِأَنَّ الْفَوْقَانِيَّ لَا يُمْسَحُ عَلَيْهِ مُنْفَرِدًا ، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ تَحْتَهُ لِفَافَةٌ ، وَإِنْ كَانَا مُخَرَّقَيْنِ ، وَلَمْ يَسْتُرَا ، لَمْ يَجُزْ بِحَالٍ ، وَكَذَا إِنْ سَتَرَا ، قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " ، وَقِيلَ : يَجُوزُ ، لِأَنَّ الْقَدَمَ اسْتَتَرَ بِهِمَا فَكَانَا كَخُفٍّ وَاحِدٍ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith