المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء الثاني
الصفحة 676 · ص. المطبوع 197 · الشرح
( فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ يَقْرَأُ فِي الْأُولَى بَعْدَ الْفَاتِحَةِ سُورَةً طَوِيلَةً ) مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ يَقْرَأُ قَدْرَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ أَوْ هِيَ ( وَيَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ ) عَلَى الْأَصَحِّ ، وَظَاهِرُهُ : وَلَوْ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ ( ثُمَّ يَرْكَعُ رُكُوعًا طَوِيلًا ) مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ ، وَقَالَ الْقَاضِي وَجَزَمَ بِهِ فِي " التَّلْخِيصِ " وَغَيْرِهِ : إِنَّهُ بِقَدْرِ مِائَةِ آيَةٍ ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : بِقَدْرِ مُعْظَمِ الْقِرَاءَةِ ، وَقِيلَ : نَصِفُهَا . ( ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ فَيُسَمِّعُ وَيُحَمِّدُ ) كَغَيْرِهَا ( ثُمَّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَسُورَةً ، وَيُطِيلُ ; وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ) وَقِيلَ : كَمُعْظَمِهَا ( فَيُطِيلُ ; وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ) نِسْبَتُهُ إِلَى الْقِرَاءَةِ كَنِسْبَةِ الْأَوَّلِ مِنْهَا ( ثُمَّ يَرْفَعُ ) وَظَاهِرُهُ مِنْ غَيْرِ إِطَالَةٍ ( ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ ) فِي الْأَصَحِّ ، وَقِيلَ : يُطِيلُهُ كَالرُّكُوعِ ، وَقِيلَ : 197 وَكَذَا الْجُلُوسُ بَيْنَهُمَا ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُطِيلُهُ ، وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُ عَقِيلٍ ، وَالْأَكْثَرُ كَمَا لَا يُطِيلُ الْقِيَامَ عَنْ رُكُوعٍ يَسْجُدُ بَعْدَهُ ، وَحَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ إِجْمَاعًا لِعَدَمِ ذِكْرِهِ فِي الرِّوَايَاتِ ، وَانْفَرَدَ أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا بِإِطَالَتِهِ ، فَيَكُونُ فَعَلَهُ مَرَّةً لِيَتَبَيَّنَ الْجَوَازُ ، أَوْ أَطَالَهُ قَلِيلًا لِيَأْتِيَ بِالذِّكْرِ الْوَارِدِ فِيهِ ، وَالْأَصْلُ مَا رَوَتْ عَائِشَةُ ۝ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَامَ فِي خُسُوفِ الشَّمْسِ فَاقْتَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً هِيَ أَدْنَى مِنِ الْقِرَاءَةِ الْأُولَى ، ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعًا هُوَ أَدْنَى مِنَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ سَمَّعَ وَحَمَّدَ ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ مِثْلَ ذَلِكَ حَتَّى اسْتَكْمَلَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ ، وَانْجَلَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ۝ خَسَفَتِ الشَّمْسُ فَقَامَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قِيَامًا طَوِيلًا نَحْوًا مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، وَفِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ ۝ ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ ، وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ۝ أَنَّهُ جَهَرَ بِقِرَاءَتِهِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا أَصَحُّ مَا فِي الْبَابِ ، وَبَاقِي الرِّوَايَاتِ مُعَلَّلَةٌ ضَعِيفَةٌ ، وَقَالَ أَحْمَدُ : أَصَحُّ حَدِيثٍ فِي الْبَابِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَائِشَةَ ( ثُمَّ يَقُومُ إِلَى الثَّانِيَةِ فَيَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ ) لَكِنْ يَكُونُ دُونَ الْأُولَى فِي كُلِّ مَا يَفْعَلُ فِيهَا ، قَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ : الْقِرَاءَةُ فِي كُلِّ قِيَامٍ أَقْصَرُ مِمَّا قَبْلَهُ ، وَكَذَا التَّسْبِيحُ ، وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ : قِرَاءَةُ الْقِيَامِ الثَّالِثِ أَطْوَلُ مِنَ الثَّانِي ( ثُمَّ يَتَشَهَّدُ ، وَيُسَلِّمُ ) لِمَا رَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ عَائِشَةَ ۝ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ تَشَهَّدَ ثُمَّ سَلَّمَ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ لَهَا خُطْبَةٌ عَلَى الْمَذْهَبِ ; ۝ لِأَنَّهُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ ـ أَمَرَ بِهَا دُونَ الْخُطْبَةِ ، وَعَنْهُ : لَهَا خُطْبَتَانِ ، تَجَلَّى الْكُسُوفُ أَوْ لَا ، اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَالسَّامِرِيُّ ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْقَاضِي نَصًّا بِعْدَهُمَا ، إِنَّمَا أَخَذُوهُ مِنْ نَصِّهِ : لَا خُطْبَةَ لِلِاسْتِسْقَاءِ ( فَإِنْ تَجَلَّى الْكُسُوفُ فِيهَا أَتَمَّهَا خَفِيفَةً ) لِقَوْلِهِ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ ـ فِي حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ ۝ فَصَلُّوا ، وَادْعُوا حَتَّى يَنْكَشِفَ مَا بِكُمْ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّ 198 الْمَقْصُودَ التَّجَلِّي ، وَقَدْ حَصَلَ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَقْطَعُهَا لِكَوْنِهِ مَنْهِيًّا عَنْهُ ، وَشُرِعَ تَخْفِيفُهَا لِزَوَالِ السَّبَبِ ، وَقَالَ الْقَاضِي : إِنْ كَانَ بَعْدَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ أَتَمَّهَا صَلَاةَ كُسُوفٍ ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ أَوْ قَبْلَهُ أَتَمَّهَا بِرُكُوعٍ وَاحِدٍ ( وَإِنْ تَجَلَّى قَبْلَهَا ) لَمْ يُصَلِّ ; لِقَوْلِهِ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ ـ ۝ إِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلَاةِ حَتَّى تَنْجَلِيَ فَجَعَلَهُ غَايَةً لِلصَّلَاةِ ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهَا زَوَالُ الْعَارِضِ ، وَإِعَادَةُ النِّعْمَةِ بِنُورِهِمَا ، وَقَدْ حَصَلَ ، فَإِنْ خَفَّ قَبْلَهَا شَرَعَ فِيهَا وَأَوْجَزَ ( أَوْ غَابَتِ ) الشَّمْسُ ( كَاسِفَةً أَوْ طَلَعَتْ وَالْقَمَرُ خَاسِفٌ ، لَمْ يُصَلِّ ) لِأَنَّهُ ذَهَبَ وَقْتُ الِانْتِفَاعِ بِهِمَا ، وَقِيلَ : إِنْ طَلَعَتْ وَالْقَمَرُ خَاسِفٌ صَلَّى ، وَيُعْلَمُ بِالْأَصْلِ فِي بَقَائِهِ ، فَلَوْ شَكَّ فِي التَّجَلِّي لِغَيْمٍ أَتَمَّهَا مِنْ غَيْرِ تَخْفِيفٍ ، وَلَوِ انْكَشَفَ الْغَيْمُ عَنْ بَعْضِ الْقَمَرِ ، وَلَا كُسُوفَ عَلَيْهِ أَتَمَّهَا ; لِأَنَّ الْبَاقِيَ لَا يُعْلَمُ حَالُهُ ، وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ ، وَالْأَشْهَرُ يُصَلِّي إِذَا غَابَ الْقَمَرُ خَاسِفًا لَيْلًا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ وَقْتَ الِانْتِفَاعِ بِنُورِهِ ، وَالثَّانِي : لَا ، لِغَيْبُوبَتِهِ كَالشَّمْسِ ، وَفِي مَنْعِ الصَّلَاةِ لَهُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ كَطُلُوعِ الشَّمْسِ وَجْهَانِ إِنْ فُعِلَتْ وَقْتَ نَهْيٍ .
فَرْعٌ : إِذَا فَرَغَ مِنْهَا ، وَلَمْ يَذْهَبِ الْكُسُوفُ لَمْ يُعِدْهَا ، بَلْ يَذْكُرُ وَيَدْعُو ، وَيَعْمَلُ بِالْأَصْلِ فِي بَقَائِهِ وَذَهَابِهِ ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى يَنْجَلِيَ لِفِعْلِهِ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ ـ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ .
( وَإِنْ أَتَى فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِثَلَاثِ رُكُوعَاتٍ أَوْ أَرْبَعٍ فَلَا بَأْسَ ) وَفِي " الْمُحَرَّرِ " ، وَ " الْفُرُوعِ " جَازَ كَصَلَاةِ الْخَوْفِ ، رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ۝ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ صَلَّى سِتَّ رَكَعَاتٍ بِأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ ، وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ۝ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - 199 صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، فِي كُلِّ رَكْعَةٍ خَمْسُ رُكُوعَاتٍ ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ : لَا يَزِيدُ عَلَى أَرْبَعٍ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ، وَفِي السُّنَنِ كَصَلَاةِ النَّافِلَةِ ، وَعَنْهُ : أَرْبَعُ رُكُوعَاتٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ أَفْضَلُ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : وَبِكُلِّ نَوْعٍ قَالَ بِهِ بَعْضُ الصَّحَابَةِ ، وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ عَلَى اخْتِلَافِ حَالِ الْكُسُوفِ ، فَفِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ تَأَخَّرَ الِانْجِلَاءُ فَزَادَ فِي عَدَدِ الرُّكُوعِ ، وَفِي بَعْضِهَا أَسْرَعَ فَاقْتَصَرَ ، وَفِي بَعْضِهَا تَوَسَّطَ فَتَوَسَّطَ ، وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ : بِأَنَّ تَأَخُّرَ الِانْجِلَاءِ لَا يُعْلَمُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى ، وَقَدِ اتَّفَقَتِ الرِّوَايَاتُ عَلَى أَنَّ عَدَدَ الرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ سَوَاءٌ ، وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ : هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهَذَا أَقْوَى ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِي السُّجُودِ ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْفُرُوعِ " ; لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ .
فَرْعٌ : الرُّكُوعُ الثَّانِي سُنَّةٌ ، وَتُدْرَكُ بِهِ الرَّكْعَةُ فِي وَجْهٍ ، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْوَفَاءِ ، إِنْ صَلَّاهَا الْإِمَامُ بِثَلَاثِ رُكُوعَاتٍ لِإِدْرَاكِهِ مُعْظَمَ الرَّكْعَةِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث