المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء الثاني
الصفحة 695 · ص. المطبوع 226 · الشرح
( وَلَا يُغَسِّلُ مُسْلِمٌ كَافِرًا ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [ الْمُمْتَحِنَةِ : 13 ] وَفِي غُسْلِهِ تَوَلٍّ لَهُمْ ، وَلِأَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ كَالْأَجْنَبِيِّ ( وَلَا يَدْفِنُهُ ) وَلَا يَحْتَمِلُهُ ، وَلَا يُكَفِّنُهُ ، وَلَا يَتَّبِعُ جَنَازَتَهُ لِلنَّهْيِ عَنِ الْمُوَالَاةِ ; وَهُوَ عَامٌّ ، وَلِأَنَّهُ تَعْظِيمٌ وَتَطْهِيرٌ لَهُ ، أَشْبَهَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ ، وَفَارَقَ غُسْلَهُ فِي حَيَاتِهِ ، فَإِنَّهُ لَا يَقْصِدُ ذَلِكَ ، وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْقَرِيبِ وَالزَّوْجَةِ وَغَيْرِهِمَا ، وَعَنْهُ : يَجُوزُ ذَلِكَ كُلُّهُ ، اخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ ، وَأَبُو حَفْصٍ قَالَ : رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ ، وَعَنْهُ : يَجُوزُ دُونَ غُسْلِهِ ، قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ ، وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ ، قَالَ فِي " الرِّعَايَةِ " : وَهُوَ أَظْهَرُ لِعَدَمِ ثُبُوتِهِ فِي قِصَّةِ أَبِي طَالِبٍ ، وَعَنْهُ : دَفْنُهُ خَاصَّةً كَالْعَدَمِ ; ۝ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا أُخْبِرَ بِمَوْتِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ لِعَلِيٍّ : اذْهَبْ فَوَارِهِ . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ . وَإِذَا غُسِّلَ ، فَكَثَوْبٍ نَجِسٍ ، فَلَا وُضُوءَ وَلَا نِيَّةَ لِلْغُسْلِ ، وَيُلْقَى 226 فِي حُفْرَةٍ ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَتْبَعَهُ ، رَكِبَ وَسَارَ أَمَامَهُ ( إِلَّا أَنْ لَا يَجِدَ مَنْ يُوَارِيهِ غَيْرَهُ ) فَإِنَّهُ يَلْزَمُنَا دَفْنُهُ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَصْحَابِنَا ; لِأَنَّ قَتْلَى بَدْرٍ أُلْقُوا فِي الْقَلِيبِ ، وَلِأَنَّهُ يُتَضَرَّرُ بِتَرْكِهِ ، وَيَتَغَيَّرُ بِبَقَائِهِ . زَادَ بَعْضُهُمْ : وَكَذَا حَمْلُهُ وَتَغْسِيلُهُ . وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ أَنَّ الْكَافِرَ لَا يُغَسِّلُ مُسْلِمًا ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ، وَفِيهِ وَجْهٌ : يَجُوزُ إِنْ لَمْ تَجِبْ نِيَّةُ غُسْلِهِ ، وَيُغَسِّلُ حَلَالٌ مُحْرِمًا ، وَبِالْعَكْسِ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَصِحُّ طَهَارَتُهُ وَغُسْلُهُ .
( وَإِذَا أَخَذَ فِي غُسْلِهِ سَتَرَ عَوْرَتَهُ ) وَهُوَ مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ حَذَارًا مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهَا ; ۝ لِقَوْلِهِ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ ـ لِعَلِيٍّ : لَا تُبْرِزْ فَخِذُكَ ، وَلَا تَنْظُرْ إِلَى فَخِذِ حَيٍّ وَلَا مَيِّتٍ ( وَجَرَّدَهُ ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ ; وَهُوَ الْمَذْهَبُ ; لِأَنَّ ذَلِكَ أَمْكَنُ فِي تَغْسِيلِهِ ، وَأَبْلَغُ فِي تَطْهِيرِهِ ، وَأَشْبَهُ بِغُسْلِ الْحَيِّ ، وَأَصُونُ لَهُ مِنَ التَّنْجِيسِ ، إِذْ يُحْتَمَلُ خُرُوجُهَا مِنْهُ ، وَلِفِعْلِ الصَّحَابَةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُمْ قَالُوا : لَا نَدْرِي أَنُجَرِّدُ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ كَمَا نُجَرِّدُ مَوْتَانَا ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ ـ أَمَرَهُمْ بِهِ ، وَأَقَرَّهُمْ عَلَيْهِ ( وَقَالَ الْقَاضِي : ) وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ ، وَاقْتَصَرَ ابْنُ هُبَيْرَةَ فِي حِكَايَتِهَا عَنْهُ فَقَطْ ، وَاخْتَارَهَا الشَّرِيفُ ، وَابْنُ عَقِيلٍ ، وَقَدَّمَهَا السَّامِرِيُّ ، وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " ( يُغَسِّلُهُ فِي قَمِيصٍ خَفِيفٍ وَاسِعِ الْكُمَّيْنِ ) ۝ لِأَنَّهُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ ـ غُسِّلَ فِي قَمِيصِهِ رَوَاهُ مَالِكٌ ، وَأَحْمَدُ قَالَ : يُعْجِبُنِي أَنْ يُغَسَّلَ وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ ، يُدْخِلُ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ الثَّوْبِ ، وَلِأَنَّهُ أَسْتُرُ لِلْمَيِّتِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاسِعَ الْكُمَّيْنِ تَوَجَّهَ أَنْ يَفْتُقَ رُءُوسَ الدَّخَارِيصِ ، وَأَدْخَلَ يَدَهُ مِنْهَا ، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ ، وَغُسْلُهُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ ـ فِي قَمِيصٍ 227 مِنْ خَصَائِصِهِ ، وَاحْتِمَالُ الْمَفْسَدَةِ مُنْتَفِيَةٌ فِي حَقِّهِ ; لِأَنَّهُ طَيِّبٌ حَيًّا وَمَيِّتًا ، وَلَا يُغَطِّي وَجْهَهُ ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ ، وَالْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ فِيهِ لَا أَصْلَ لَهُ ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي بَكْرٍ يُسَنُّ ، وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ ; لِأَنَّهُ رُبَّمَا تَغَيَّرَ لِدَمٍ أَوْ غَيْرِهِ ، فَيُظَنُّ السُّوءُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث