المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء الثاني
الصفحة 740 · ص. المطبوع 275 · الشرح
فَصْلٌ
يَسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ لَهُ عِنْدَ الْقَبْرِ بَعْدَ دَفْنِهِ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، فَعَلَهُ أَحْمَدُ جَالِسًا ، وَاسْتَحَبَّ الْأَصْحَابُ وُقُوفَهُ ، وَنَصَّ أَحْمَدُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ ، وَقَدْ فَعَلَهُ عَلِيٌّ وَالْأَحْنَفُ ، وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ : هُوَ بِدْعَةٌ ، وَاسْتَحَبَّ الْأَكْثَرُ تَلْقِينَهُ بَعْدَ دَفْنِهِ ، لِقَوْلِ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ ، 275 وَضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ ، وَحَكِيمِ بْنِ عُمَيْرٍ : كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يُقَالَ عِنْدَ قَبْرِهِ : يَا فُلَانُ قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يَا فُلَانُ قُلْ رَبِّيَ اللَّهُ ، وَدِينِيَ الْإِسْلَامُ ، وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ . رَوَاهُ عَنْهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ; وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَلِحَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ ، رَوَاهُ ابْنُ شَاهِينَ وَالطَّبَرَانِيُّ . فَيَجْلِسُ الْمُلَقِّنُ عِنْدَ رَأْسِهِ ، وَقَالَ أَحْمَدُ : مَا رَأَيْتُ أَحَدًا يَفْعَلُهُ إِلَّا أَهْلُ الشَّامِ ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ : تَلْقِينُهُ مُبَاحٌ عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ ، وَلَا يُكْرَهُ . وَفِي تَلْقِينِ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى نُزُولِ الْمَلَكَيْنِ ، وَسُؤَالِهِ ، وَانْتِخَابُهُ النَّقِيَّ قَوْلُ الْقَاضِي ، وَابْنُ عَقِيلٍ ، وَالْإِثْبَاتُ قَوْلُ أَبِي حَكِيمٍ ، وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدُوسَ عَنِ الْأَصْحَابِ ، وَصَحَّحَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ .
( وَلَا يُدْفَنُ فِيهِ اثْنَانِ ) أَيْ : يَحْرُمُ دَفْنُ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ فِي قَبْرٍ ; لِأَنَّهُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ ـ كَانَ يَدْفِنُ كُلَّ مَيِّتٍ فِي قَبْرٍ ، وَعَلَى هَذَا اسْتَمَرَّ فِعْلُ الصَّحَابَةِ ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ ، وَعَنْهُ : يُكْرَهُ اخْتَارَهُ ابْنُ تَقِيِّ الدِّينِ ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " : وَهِيَ أَظْهَرُ ، وَعَنْهُ : يَجُوزُ ; وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ ، نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ : لَا بَأْسَ بِهِ ، وَقِيلَ : يَجُوزُ فِي الْمَحَارِمِ ، وَقِيلَ : فِيمَنْ لَا حُكْمَ لِعَوْرَتِهِ ، وَعَلَى الْأَوَّلِ : لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُدْفَنَا مَعًا أَوْ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْآخَرِ ، لَكِنْ إِنْ لَمْ يُبْلَ لَمْ يَجُزْ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَإِنْ بَلِيَ جَازَ فِي الْأَصَحِّ ، وَيُعْمَلُ بِقَوْلِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ بِتِلْكَ الْأَرْضِ ، وَإِنْ حَفَرَ فَوَجَدَ عِظَامَ الْمَيِّتِ دَفَنَهَا ، وَحَفَرَ فِي مَكَانٍ آخَرَ ، نَصَّ عَلَيْهِ ( إِلَّا لِضَرُورَةٍ ) وَكَكَثْرَةِ الْمَوْتَى ، وَقِلَّةِ مَنْ يَدْفِنُهُمْ ، وَخَوْفِ الْفَسَادِ عَلَيْهِمْ ; لِقَوْلِهِ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ ـ يَوْمَ أُحُدٍ : ۝ ادْفِنُوا الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ ( وَيُقَدَّمُ الْأَفْضَلُ إِلَى الْقِبْلَةِ ) لِقَوْلِهِ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ ـ ۝ قَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا حِينَ سَأَلُوهُ 276 مَنْ يُقَدَّمُ فِيهِ ؛ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ، وَكَمَا يُقَدَّمُ إِلَى الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ ( وَيُجْعَلُ بَيْنَ كُلِّ اثْنَيْنِ حَاجِزٌ مِنَ التُّرَابِ ) نَصَّ عَلَيْهِ ، لِيَصِيرَ كُلُّ وَاحِدٍ كَأَنَّهُ فِي قَبْرٍ مُنْفَرِدٍ ، وَقَالَ الْآجُرِّيُّ : إِنْ كَانَ فِيهِمْ نِسَاءٌ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ، وَلَا بَأْسَ بِالذَّهَابِ بَعْدَ دَفْنِهِ مِنْ غَيْرِ إِذْنِ أَهْلِ الْمَيِّتِ ، نَصَّ عَلَيْهِ .
تَذْنِيبٌ : كَرِهَ أَحْمَدُ الدَّفْنَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا وَقِيَامِهَا ، وَفِي " الْمُغْنِي " لَا يَجُوزُ ، وَيَجُوزُ لَيْلًا ، ذَكَرَهُ فِي " شَرْحِ مُسْلِمٍ " قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، وَعَنْهُ : يُكْرَهُ ، حَكَى ابْنُ هُبَيْرَةَ اتِّفَاقَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ، فَإِنَّهُ حَكَى فِي " الْإِفْصَاحِ " الْإِجْمَاعَ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ ، وَأَنَّهُ بِالنَّهَارِ أَمْكَنُ ، وَعَنْهُ : لَا يَفْعَلُهُ إِلَّا لِضَرُورَةٍ .
مَسْأَلَةٌ : يُسْتَحَبُّ جَمْعُ الْأَقَارِبِ فِي بُقْعَةٍ لِتَسْهُلَ زِيَارَتُهُمْ ، قَرِيبًا مِنَ الشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ، لِيَنْتَفِعَ بِمُجَاوَرَتِهِمْ مِنَ الْبِقَاعِ الشَّرِيفَةِ ، فَلَوْ أَوْصَى أَنْ يُدْفَنَ فِي مِلْكِهِ دُفِنَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ ، قَالَهُ أَحْمَدُ ، كَمَا إِذَا اخْتَلَفَ الْوَرَثَةُ ، وَحَمَلَ الْمَجْدُ الْأَوَّلَ عَلَى مَا إِذَا نَقَصَهَا نَقْصًا لَا يَحْتَمِلُهُ الثُّلُثُ ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " : وَهُوَ مُتَّجِهٌ ، قَالَ أَحْمَدُ : لَا بَأْسَ بِشِرَاءِ مَوْضِعِ قَبْرِهِ وَيُوصِي بِدَفْنِهِ فِيهِ ، فَعَلَهُ عُثْمَانُ وَعَائِشَةُ ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ : بِشَرْطِ خُرُوجِهِ مِنَ الثُّلُثِ ، وَيَصِحُّ بَيْعُ مَا دُفِنَ فِيهِ مِنْ مِلْكِهِ مَا لَمْ يُجْعَلْ أَوْ يَصِرْ مَقْبَرَةً نَصَّ عَلَيْهِ ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : لَا يَجُوزُ بَيْعُ مَوْضِعِ الْقَبْرِ مَعَ بَقَاءِ رِمَّتِهِ ، وَإِنْ ثَقُلَتْ وَجَبَ رَدُّهَا لِتَعْيِينِهِ لَهَا ، قَالَ جَمَاعَةٌ : وَلَهُ حَرْثُهَا إِذَا بَلِيَ الْعَظْمُ ، وَمَنْ سَبَقَ إِلَى مُسْبَلَةٍ ، قُدِّمَ ثُمَّ يُقْرَعُ ، وَقِيلَ : يُقَدَّمُ مَنْ لَهُ مَزِيَّةٌ نَحْوَ كَوْنِهِ عِنْدَ أَهْلِهِ .
277 ( وَإِنْ وَقَعَ فِي الْقَبْرِ مَا لَهُ قِيمَةٌ ) عَادَةً وَعُرْفًا وَإِنْ قَلَّ خَطَرُهُ ، قَالَهُ أَصْحَابُنَا ، أَوْ رَمَاهُ رَبُّهُ فِيهِ ( نُبِشَ وَأُخِذَ ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي مِسْحَاةِ الْحَفَّارِ ، دَلِيلُهُ مَا رُوِيَ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ : أَنَّهُ وَضَعَ خَاتَمَهُ فِي قَبْرِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَقَالَ : خَاتَمِي ، فَدَخَلَ وَأَخَذَهُ . وَلِتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِعَيْنِهِ ، وَلَا ضَرَرَ فِي أَخْذِهِ ، وَعَنْهُ : الْمَنْعُ ، إِنْ بُذِلَ لَهُ عِوَضُهُ ، فَدَلَّ عَلَى رِوَايَةٍ تَمْنَعُ نَبْشَهُ بِلَا ضَرُورَةٍ ، وَفِي النَّبْشِ ضَرَرٌ .
مِنْهَا : مَنْ أَمْكَنَ غُسْلَهُ ، وَدُفِنَ قَبْلَهُ ، فَإِنَّهُ يُنْبَشُ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَجَزَمَ جَمَاعَةٌ بِأَنَّهُ يُتْرَكُ إِنْ خُشِيَ تَفَسُّخُهُ ، وَقِيلَ : يَحْرُمُ نَقْلُهُ مُطْلَقًا ، فَيُصَلَّى عَلَيْهِ لِعَدَمِ مَاءٍ وَتُرَابٍ .
وَمِنْهَا : إِذَا دُفِنَ قَبْلَ الصَّلَاةِ ، فَإِنَّهُ يُنْبَشُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، لِيُوجَدَ شَرْطُ الصَّلَاةِ ; وَهُوَ عَدَمُ الْحَائِلِ ، وَقِيلَ : يُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ ; وَهُوَ ظَاهِرٌ ، وَعَنْهُ : يُخَيَّرُ .
وَمِنْهَا : إِذَا دُفِنَ قَبْلَ تَكْفِينِهِ فَإِنَّهُ يُنْبَشُ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَصَحَّحَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " كَالْغُسْلِ ، وَقِيلَ : لَا ، لِسَتْرِهِ بِالتُّرَابِ .
وَمِنْهَا : إِبْدَالُ كَفَنِهِ بِأَحْسَنَ مِنْهُ وَخَيْرٍ مِنْ بُقْعَتِهِ وَدَفْنُهُ لِعُذْرٍ بِلَا غُسْلٍ ، وَلَا حَنُوطٍ ، كَإِفْرَادِهِ ، نَصَّ عَلَى الْكُلِّ .
وَمِنْهَا : إِذَا دُفِنَ غَيْرَ مُوَجَّهٍ لِلْقِبْلَةِ ، وَقِيلَ : يَحْرُمُ نَبْشُهُ ، وَقَدَّمَ ابْنُ تَمِيمٍ : يُسْتَحَبُّ .
وَمِنْهَا : إِذَا دُفِنَ فِي مَسْجِدٍ ، فَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى نَبْشِهِ .
278 وَمِنْهَا : إِذَا دُفِنَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ ، فَلِلْمَالِكِ نَقْلُهُ ، وَالْأَوْلَى تَرْكُهُ ، وَكَرِهَهُ أَبُو الْمَعَالِي لِهَتْكِ حُرْمَتِهِ .
وَمِنْهَا : إِذَا كُفِّنَ الرَّجُلُ فِي حَرِيرٍ لِغَيْرِ حَاجَةٍ نُبِشَ وَأُخِذَ فِي وَجْهٍ ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ " : فَإِنْ تَغَيَّرَ الْمَيِّتُ لَمْ يُنْبَشْ بِحَالٍ ، وَكُلُّ مَوْضِعٍ أَجَزْنَا نَبْشَهُ فَالْأَفْضَلُ تَرْكُهُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث