المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء الثاني
الصفحة 776 · ص. المطبوع 309 · الشرح
( وَإِذَا مَضَى حَوْلَانِ عَلَى نِصَابٍ لَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُمَا ، فَعَلَيْهِ زَكَاةٌ وَاحِدَةٌ إِنْ قُلْنَا تَجِبُ فِي الْعَيْنِ ) وَلَوْ تَعَدَّى بِالتَّأْخِيرِ ؛ لِأَنَّ الْمَالَ يَصِيرُ نَاقِصًا لِتَعْلِيقِ حَقِّ الْفُقَرَاءِ بِجُزْءٍ مِنْهُ ، فَلَا تَجِبُ فِيهِ لِلْحَوْلِ الثَّانِي لِنُقْصَانِهِ ، وَتَصِيرُ زَكَاةُ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ بَاقِيَةً ( وَزَكَاتَانِ إِنْ قُلْنَا : تَجِبُ فِي الذِّمَّةِ ) أَطْلَقَهُ أَحْمَدُ وَبَعْضُ الْأَصْحَابِ ؛ لِأَنَّ الْمَالَ نِصَابٌ كَامِلٌ مِنْ كُلِّ حَوْلٍ ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِي تَنْقِيصِ النِّصَابِ . قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : وَلَوْ قُلْنَا : إِنَّ الدَّيْنَ يَمْنَعُ ، لَمْ يَسْقُطْ هُنَا ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يُسْقِطُ نَفْسَهُ ، وَقَدْ يُسْقِطُ غَيْرَهُ ، وَاخْتَارَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ صَاحِبُ " الْمُسْتَوْعِبِ " ، وَ " الْمُحَرَّرِ " إِنْ سَقَطَتِ الزَّكَاةُ بِدَيْنِ اللَّهِ ، وَلَيْسَ لَهُ سِوَى النِّصَابِ ، فَلَا زَكَاةَ لِلْحَوْلِ الثَّانِي ، لِأَجْلِ الدَّيْنِ ، لَا لِلتَّعَلُّقِ بِالْعَيْنِ ، زَادَ صَاحِبُ " الْمُسْتَوْعِبِ " مَتَى قُلْنَا : يَمْنَعُ الدَّيْنُ ، فَلَا زَكَاةَ لِلْعَامِ الثَّانِي تَعَلَّقَتْ بِالْعَيْنِ أَوِ الذِّمَّةِ ، وَإِنَّ أَحْمَدَ حَيْثُ لَمْ يُوجِبْ زَكَاةَ الْحَوْلِ الثَّانِي فَإِنَّهُ بِنَاءً عَلَى رِوَايَةِ مَنْعِ الدَّيْنِ ؛ لِأَنَّ زَكَاةَ الْعَامِ الْأَوَّلِ صَارَتْ دَيْنًا عَلَى رَبِّ الْمَالِ ، وَالْعَكْسُ بِالْعَكْسِ ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ فِي مِائَتَيْنِ وَوَاحِدَةٍ مِنَ الْغَنَمِ خَمْسٌ : ثَلَاثٌ لِلْأَوَّلِ ، وَاثْنَتَانِ لِلثَّانِي ، وَعَلَى الثَّانِي : سِتٌّ لِحَوْلَيْنِ ( إِلَّا مَا كَانَتْ زَكَاتُهُ الْغَنَمَ مِنَ الْإِبِلِ ، فَإِنَّ عَلَيْهِ لِكُلِّ حَوْلٍ زَكَاةً ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ أَنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ مِنَ الذِّمَّةِ ، وَإِنَّ الزَّكَاةَ تَتَكَرَّرُ ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ ، أَيْ : لَيْسَ بِجُزْءٍ مِنَ النِّصَابِ ، وَبِهِ يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَاجِبِ مِنَ الْجِنْسِ ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْخَطَّابِ ، وَاخْتَارَهُ السَّامِرِيُّ ، وَ " الْمُحَرَّرُ " أَنَّهُ كَالْوَاجِبِ مِنَ الْجِنْسِ ؛ لِأَنَّ تَعَلُّقَ 309 الزَّكَاةِ كَتَعَلُّقِ الْأَرْشِ بِالْجَانِي . فَعَلَى مَا ذَكَرَهُ ، لَوْ لَمْ يَكُنْ سِوَى خَمْسٍ مِنَ الْإِبِلِ فَفِي امْتِنَاعِ زَكَاةِ الْحَوْلِ الثَّانِي ؛ لِكَوْنِهَا دَيْنًا ، مَا سَبَقَ مِنَ الْخِلَافِ ( وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ نِصَابٍ ، فَعَلَيْهِ زَكَاةُ جَمِيعِهِ لِكُلِّ حَوْلٍ إِنْ قُلْنَا : تَجِبُ فِي الذِّمَّةِ ) ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ لَمَّا وَجَبَتْ فِي الذِّمَّةِ ، لَمْ تَتَعَلَّقْ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَالِ ، فَوَجَبَ إِخْرَاجُهَا لِكُلِّ حَوْلٍ مَا لَمْ تُفْنِ الزَّكَاةُ الْمَالَ ( وَإِنْ قُلْنَا : تَجِبُ فِي الْعَيْنِ يَسْقُطُ مِنْ زَكَاةِ كُلِّ حَوْلٍ بِقَدْرِ نَقْصِهِ بِهَا ) ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا وَجَبَتْ فِي الْعَيْنِ ، نَقُصَ مِنَ الْمَالِ مِقْدَارَ الزَّكَاةِ لِتَعَلُّقِهَا بِهِ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا تَجِبَ فِيهِ زَكَاةٌ ، لِكَوْنِهِ مُسْتَحَقًّا لِلْفُقَرَاءِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَنْقُصَ مِنَ الْجَمِيعِ مِقْدَارَ زَكَاةِ النَّقْصِ الَّذِي تَعَلَّقَتْ بِهِ الزَّكَاةُ ، فَعَلَى الْأَوَّلِ : لَوْ كَانَ لَهُ أَرْبَعُمِائَةِ دِرْهَمٍ وَجَبَ فِيهَا لِحَوْلَيْنِ عِشْرُونَ ، وَعَلَى الثَّانِي : تِسْعَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا وَنِصْفُ دِرْهَمٍ وَرُبْعُهُ ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ قَدْرَ الْوَاجِبِ فِي الْحَوْلِ الْأَوَّلِ بِالْمَالِ مِنَ الْحَوْلِ الثَّانِي فَيَنْقُصُ عَشَرَةً فَيَبْقَى ثَلَاثُمِائَةٍ وَتِسْعُونَ دِرْهَمًا ، وَقَوْلُهُ : " سَقَطَ مِنْ زَكَاةِ كُلِّ حَوْلٍ " لَا يَشْمَلُ الْحَوْلَ الْأَوَّلَ ؛ لِأَنَّهُ بِلَا حَوْلٍ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ شَيْءٌ وَجَبَ حَتَّى يَنْتَقِصَ بِقَدْرِهِ عَلَى التَّعْلِيقِ بِالْعَيْنِ ( وَإِذَا مَاتَ مَنْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ أُخِذَتْ مِنْ تَرِكَتِهِ ) نَصَّ عَلَيْهِ ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : " ۝ دَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ " ، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ وَاجِبٌ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهِ ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِالْمَوْتِ كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ ، وَظَاهِرُهُ : وَلَوْ لَمْ يُوصَ بِهَا كَالْعُشْرِ ، وَنَقَلَ إِسْحَاقُ بْنُ هَانِئٍ فِي حَجٍّ لَمْ يُوصَ بِهِ ، وَزَكَاةٍ ، وَكَفَّارَةٍ ، وَكَفَّارَةٍ مِنَ الثُّلُثِ ، وَنُقِلَ عَنْهُ - أَيْضًا - مِنْ رَأْسِ الْمَالِ سِوَى النَّصِّ السَّابِقِ ( فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ ) وَلَمْ يَفِ بِالْكُلِّ ( اقْتَسَمُوا بِالْحِصَصِ ) نَصَّ عَلَيْهِ ، كَدُيُونِ الْآدَمِيِّينَ إِذَا ضَاقَ عَنْهَا 310 الْمَالُ ، وَعَنْهُ : يَبْدَأُ بِالدَّيْنِ ، وَذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ ، وَذَكَرَهُ قَوْلًا لِتَقْدِيمِهِ بِالرَّهِينَةِ ؛ وَلِأَنَّ حَقَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الشُّحِّ ، بِخِلَافِ حَقِّ اللَّهِ ، وَأَجَابَ ابْنُ الْمُنَجَّا بِأَنَّهَا حَقٌّ آدَمِيٌّ ، أَوْ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى حَقِّهِ ، وَقِيلَ : يُقَدِّمُ الزَّكَاةَ إِنْ عَلِقَتْ بِالْعَيْنِ ، اخْتَارَهُ فِي الْمُجَرَّدِ وَ " الْمُسْتَوْعِبِ " قَالَ صَاحِبُ " الْمُحَرَّرِ " : لِبَقَاءِ الْمَالِ الزَّكَوِيِّ ، فَجَعَلَهُ أَصْلًا ، وَلَوْ عُلِّقَتْ بِالذِّمَّةِ ؛ لِأَنَّ تَعَلُّقَهَا بِالْعَيْنِ قَهْرِيٌّ ، فَيُقَدَّمُ عَلَى مُرْتَهِنٍ ، وَغَرِيمٍ مُفْلِسٍ ، كَأَرْشِ جِنَايَةٍ ، وَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِالذِّمَّةِ ، فَهَذَا التَّعَلُّقُ بِسَبَبِ الْمَالِ ، فَيَزْدَادُ وَيَنْقُصُ ، وَيَخْتَلِفُ بِحَسَبِهِ ، وَعَنْهُ : تُقَدَّمُ الزَّكَاةُ عَلَى الْحَجِّ ؛ لِأَنَّ قَدْرَ الْوَاجِبِ مِنْهَا مُسْتَقِرٌّ ، وَيُقَدَّمُ النَّذْرَ بِمُعَيَّنٍ عَلَيْهَا ، وَعَلَى الدَّيْنِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث