بداية المجتهد ونهاية المقتصد
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · الجزء الأول
page 699 · printed p. 686
686 [ هَلْ يُلْحَقُ أَوْلَادُ الزِّنَى بِآبَائِهِمْ ]
وَاتَّفَقَ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ أَوْلَادَ الزِّنَى لَا يُلْحَقُونَ بِآبَائِهِمْ إِلَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَلَى اخْتِلَافٍ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ، وَشَذَّ قَوْمٌ فَقَالُوا : يَلْتَحِقُ وَلَدُ الزِّنَى فِي الْإِسْلَامِ ( أَعْنِي : الَّذِي كَانَ عَنْ زِنًى فِي الْإِسْلَامِ ) .
[ مَتَى يُلْحَقُ الْوَلَدُ بِالْفِرَاشِ ]
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْوَلَدَ لَا يُلْحَقُ بِالْفِرَاشِ فِي أَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ ، إِمَّا مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ ، وَإِمَّا مِنْ وَقْتِ الدُّخُولِ ، وَأَنَّهُ يُلْحَقُ مِنْ وَقْتِ الدُّخُولِ إِلَى أَقْصَرِ زَمَانِ الْحَمْلِ ، أَوْ إِنْ كَانَ قَدْ فَارَقَهَا وَاعْتَزَلَهَا .
[ زَمَانُ الْحَمْلِ الَّذِي يُلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ ]
وَاخْتَلَفُوا فِي أَطْوَلِ زَمَانِ الْحَمْلِ الَّذِي يُلْحِقُ بِهِ الْوَالِدُ الْوَلَدَ ، فَقَالَ مَالِكٌ : خَمْسُ سِنِينَ ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ : سَبْعٌ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : أَرْبَعُ سِنِينَ ، وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ : سَنَتَانِ ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ : سَنَةٌ ، وَقَالَ دَاوُدُ : سِتَّةُ أَشْهُرٍ ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَرْجُوعٌ فِيهَا إِلَى الْعَادَةِ وَالتَّجْرِبَةِ . وَقَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الحَكَمِ وَالظَّاهِرِيَّةِ هُوَ أَقْرَبُ إِلَى الْمُعْتَادِ ، وَالْحُكْمُ إِنَّمَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِالْمُعْتَادِ لَا بِالنَّادِرِ ، وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَحِيلًا .
وَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا أَوْ دَخَلَ بِهَا بَعْدَ الْوَقْتِ وَأَتَتْ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ لَا مِنْ وَقْتِ الدُّخُولِ أَنَّهُ لَا يُلْحَقُ بِهِ إِلَّا إِذَا أَتَتْ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ وَقْتِ الدُّخُولِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : هِيَ فِرَاشٌ لَهُ وَيَلْحَقُهُ الْوَلَدُ .
وَعُمْدَةُ مَالِكٍ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِفِرَاشٍ إِلَّا بِإِمْكَانِ الْوَطْءِ وَهُوَ مَعَ الدُّخُولِ .
وَعُمْدَةُ أَبِي حَنِيفَةَ عُمُومُ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " ۝ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ " وَكَأَنَّهُ يَرَى أَنَّ هَذَا تَعَبُّدٌ بِمَنْزِلَةِ تَغْلِيبِ الْوَطْءِ الْحَلَالِ عَلَى الْوَطْءِ الْحَرَامِ فِي إِلْحَاقِ الْوَلَدِ بِالْوَطْءِ الْحَلَالِ .
[ هَلْ يَثْبُتُ النَّسَبُ بِالْقَافَةِ ]
وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي إِثْبَاتِ النِّسَبِ بِالْقَافَةِ ، وَذَلِكَ عِنْدَمَا يَطَأُ رَجُلَانِ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ بِمِلْكِ يَمِينٍ أَوْ بِنِكَاحٍ ، وَيُتَصَوَّرُ أَيْضًا الْحُكْمُ بِالْقَافَةِ فِي اللَّقِيطِ الَّذِي يَدَّعِيهِ رَجُلَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ . وَالْقَافَةُ عِنْدَ الْعَرَبِ : هُمْ قَوْمٌ كَانَتْ عِنْدَهُمْ مَعْرِفَةٌ بِفُصُولِ تَشَابُهِ أَشْخَاصِ النَّاسِ ، فَقَالَ بِالْقَافَةِ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَالْأَوْزَاعِيُّ .
وَأَبَى الحُكْمَ بِالْقَافَةِ ، الْكُوفِيُّونَ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِرَاقِ ، وَالْحُكْمُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ أَنَّهُ إِذَا ادَّعَى رَجُلَانِ وَلَدًا كَانَ الْوَلَدُ بَيْنَهُمَا ، وَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا فِرَاشٌ ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ لَقِيطًا ، أَوْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ الْوَاحِدَةُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِرَاشًا مِثْلَ الْأَمَةِ أَوِ الْحُرَّةِ يَطَؤُهَا رَجُلَانِ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ ، وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ مِنَ الْقَائِلِينَ بِهَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُمْ لِلِابْنِ الْوَاحِدِ أَبَوَانِ فَقَطْ ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ صَاحِبُ أَبِي حَنِيفَةَ : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ابْنًا لِثَلَاثَةٍ إِنِ ادَّعَوْهُ ، وَهَذَا كُلُّهُ تَخْلِيطٌ وَإِبْطَالٌ لِلْمَعْقُولِ وَالْمَنْقُولِ .
687 وَعُمْدَةُ اسْتِدْلَالِ مَنْ قَالَ بِالْقَافَةِ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَلِيطُ أَوْلَادَ الْجَاهِلِيَّةِ بِمَنِ اسْتَلَاطَهُمْ ( أَيْ : بِمَنِ ادَّعَاهُمْ فِي الْإِسْلَامِ ) ، فَأَتَى رَجُلَانِ كِلَاهُمَا يَدَّعِي وَلَدَ امْرَأَةٍ ، فَدَعَا قَائِفًا فَنَظَرَ إِلَيْهِ ، فَقَالَ الْقَائِفُ : لَقَدِ اشْتَرَكَا فِيهِ ، فَضَرَبَهُ عُمَرُ بِالدِّرَّةِ ، ثُمَّ دَعَا الْمَرْأَةَ ، فَقَالَ : أَخْبَرِينِي بِخَبَرِكِ ، فَقَالَتْ : كَانَ هَذَا - لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ - يَأْتِي فِي إِبِلٍ لِأَهْلِهَا فَلَا يُفَارِقُهَا حَتَّى يَظُنَّ وَنَظُنُّ أَنَّهُ قَدِ اسْتَمَرَّ بِهَا حَمْلٌ ، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهَا فَأُهْرِيقَتْ عَلَيْهِ دَمًا ، ثُمَّ خَلَفَ هَذَا عَلَيْهَا ( تَعْنِي : الْآخَرَ ) ، فَلَا أَدْرِي أَيُّهُمَا هُوَ ، فَكَبَّرَ الْقَائِفُ ، فَقَالَ عُمَرُ لِلْغُلَامِ : وَالِ أَيَّهُمَا شِئْتَ . قَالُوا : فَقَضَاءُ عُمَرَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ بِالْقَافَةِ مِنْ غَيْرِ إِنْكَارٍ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ هُوَ كَالْإِجْمَاعِ .
وَهَذَا الْحُكْمُ عِنْدَ مَالِكٍ إِذَا قَضَى الْقَافَةُ بِالِاشْتِرَاكِ أَنْ يُؤَخَّرَ الصَّبِيُّ حَتَّى يَبْلُغَ ، وَيُقَالُ لَهُ : وَالِ أَيَّهُمَا شِئْتَ ، وَلَا يَلْحَقُ وَاحِدٌ بِاثْنَيْنِ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : يَكُونُ ابْنًا لَهُمَا إِذَا زَعَمَ الْقَائِفُ أَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِيهِ .
وَعِنْدَ مَالِكٍ أَنَّهُ لَيْسَ يَكُونُ ابْنًا لِلِاثْنَيْنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى ) .
وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِالْقَافَةِ أَيْضًا بِحَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : " ۝ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسْرُورًا تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ فَقَالَ : أَلَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ مُجَزِّزٌ الْمُدْلِجِيُّ لِزَيْدٍ وَأُسَامَةَ ، وَرَأَى أَقْدَامَهُمَا ، فَقَالَ : إِنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ " ، قَالُوا : وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ .
وَأَمَّا الْكُوفِيُّونَ فَقَالُوا : الْأَصْلُ أَنْ لَا يُحْكَمَ لِأَحَدِ الْمُتَنَازِعَيْنِ فِي الْوَلَدِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ هُنَالِكَ فِرَاشٌ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " ۝ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ " فَإِذَا عُدِمَ الْفِرَاشُ أَوِ اشْتَرَكَا الْفِرَاشَ كَانَ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا ، وَكَأَنَّهُمْ رَأَوْا ذَلِكَ بُنُوَّةً شَرْعِيَّةً لَا طَبِيعِيَّةً ; فَإِنَّهُ لَيْسَ يَلْزَمُ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ابْنَ وَاحِدٍ عَنْ أَبَوَيْنِ بِالْعَقْلِ أَنْ لَا يَجُوزَ وُقُوعُ ذَلِكَ فِي الشَّرْعِ . وَرُوِيَ مِثْلُ قَوْلِهِمْ عَنْ عُمَرَ ، وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ عَلِيٍّ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يُقْبَلُ فِي الْقَافَةِ إِلَّا رَجُلَانِ . وَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ : إِحْدَاهُمَا مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ، وَالثَّانِيَةُ أَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُ قَائِفٍ وَاحِدٍ .
وَالْقَافَةُ فِي الْمَشْهُورِ عَنْ مَالِكٍ إِنَّمَا يَقْضِي بِهَا فِي مِلْكِ الْيَمِينِ فَقَطْ لَا فِي النِّكَاحِ ، وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْهُ مِثْلَ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ، وَقَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : فِي هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ مُسْنَدٌ أَخَذَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَأَهْلِ الظَّاهِرِ ، رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ : " ۝ كَانَ عَلِيٌّ بِالْيَمَنِ فَأَتَى بِامْرَأَةٍ وَطِئَهَا ثَلَاثَةُ أُنَاسٍ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ ، فَسَأَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يُقِرَّ لِصَاحِبِهِ بِالْوَلَدِ فَأَبَى ، فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ وَقَضَى بِالْوَلَدِ لِلَّذِي أَصَابَتْهُ الْقُرْعَةُ وَجَعَلَ عَلَيْهِ ثُلُثَيِ الدِّيَةِ ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَعْجَبَهُ ، وَضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ " ، وَفِي هَذَا الْقَوْلِ إِنْفَاذُ الْحُكْمِ بِالْقَافَةِ ، وَإِلْحَاقُ الْوَلَدِ بِالْقُرْعَةِ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith