1663 · ص23 · ج56
الإخلاص
د. فضل إلهي
إن أهم ما يجب أن يتصف به الداعية الإخلاص. فلا يجعل دعوته حرفة
تكسب الأموال ولا ذريعة للتقرب إلى غير الله، ولا سلماً للوصول إلى الجاه
والسلطان، بل يبتغي بدعوته وجه الله الواحد الأحد، ولا يريد من أحد سواه جزاء
ولا شكوراً. وسنتحدث عن هذا الموضوع بعون الله تعالى تحت العنوانين التاليين:
أولاً: وجوه تبين ضرورة اتصاف الداعية بالإخلاص.
ثانياً: أمثلة من إخلاص الدعاة السابقين.
وجوه تبين ضرورة اتصاف الداعية بالإخلاص:
وتظهر ضرورة اتصاف الداعية بصفة الإخلاص من عدة وجوه منها:
١- يشترط الإخلاص لنيل الثواب على الدعوة:
مما لا شك فيه أن الدعوة إلى الله من أوجب الأعمال وأفضلها وأحسنها لكن
القائم بها لا يؤجر ولا يثاب عليها إلا إذا كان مخلصاً في دعوته. قال تعالى: [لا
خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ومَن
يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً] [النساء ١١٤]
يقول الفخر الرازي في تفسير الآية: (والمعنى أن هذه الأقسام الثلاثة من
الطاعات وإن كانت في غاية الشرف والجلالة، إلا أن الإنسان إنما ينتفع بها إذا
أتى بها لوجه الله ولطب مرضاته. فأما إذا أتى بها للرياء والسمعة انقلبت القضية
فصارت من أعظم المفاسد. وهذه الآية من أقوى الدلائل على أن المطلوب من
الأعمال الظاهرة رعاية أحوال القلوب في إخلاص النية، وتصفية الداعية عن
الالتفات إلى غرض سوى طلب رضوان الله تعالى) [١] .
وقد بيّن رسول الله أيضاً أن العمل يحبط إذا قصد مع الله أحد. فقد روى
الإمام مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه
وسلم-: قال الله تبارك وتعالى: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً
أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) [٢] .
وقد بين كثير من سلف هذه الأمة أيضاً ضرورة الإخلاص لقبول العمل فقد
قال سعيد بن جبير -رحمه الله تعالى-: (لا يقبل قول إلا بعمل، ولا يقبل أيضاً
قول وعمل إلا بالنية، ولا يقبل قول وعمل ونية إلا بموافقته السنة) [٣] .
وقال الفضيل بن عياض -رحمه الله تعالى -: (إن العمل إذا كان صواباً ولم ...
يكن خالصاً لم يقبل.، إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل، حتى يكون خالصاً
صواباً. والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة) [٤] .
٢- الدعوة بغير الإخلاص ستجر صاحبها إلى النار:
ولا يقف ضرر الدعوة بغير الإخلاص عند حرمان صاحبها من الثواب بل
يتعدى إلى أنها ستجر الداعية إلى النار. فقد روى الإمام ابن ماجة عن جابر بن
عبد الله - رضي الله عنهما - أن النبي قال: (لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء، ولا لتماروا به السفهاء، ولا تخيروا به المجالس [٥] ، فمن فعل ذلك فالنار فالنار) [٦] . وليس هذا فحسب بل إن الداعية لغير وجه الله تعالى سيكون أحد الثلاثة الذي
تسعر بهم النار يوم القيامة. فقد روى الإمام مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: إن أول الناس يُقضى يوم القيامة عليه، رجل استشهد. فأُتي به فعرّفه نعمه فعرفها. قال: (فما عملت ... فيها؟) . قال: (قاتلت فيك حتى استشهدت) ، قال: (كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال جريء، فقد قيل) . ثم أمر به فسحب على وجهه حتى أُلقي في النار. ... ... ورجل تعلم العلم وقرأ القرآن. فأُتي به، فعرّفه نعمه فعرفها. قال: (فما عملت ... فيها؟) ، قال: (تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن) ، قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال قارىء. فقد قيل. ثم أمر به فسحب على وجهه حتى أُلقي في النار. ورجل وسّع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله. فأُتي به فعرّفه نعمه فعرفها. قال: فما عملت بها، قال: (ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك) . قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال هو جواد. فقد قيل (. ثم أمر به فسحب على وجه ثم أُلقي في النار) [٧] . ...
وفي رواية أخرى: قال أبو هريرة -رضي الله عنه-: ثم ضرب رسول
الله - صلى الله عليه وسلم- على ركبتي فقال: (يا أبا هريرة! أولئك الثلاثة
أول خلق الله تُسعَّر بهم النار يوم القيامة) [٨] .
يقول الإمام النووي تعليقاً على رواية مسلم: (قوله -صلى الله عليه وسلم -
في الغازي والعالم والجواد، وعقابهم على فعلهم ذلك لغير الله وإدخالهم النار دليل
تغليظ تحريم الرياء وشدة عقوبته، وعلى الحث على وجوب الإخلاص في الأعمال
كما قال تعالى: [ومَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ] . وفيه أن
العمومات الواردة في فضل الجهاد إنما هي لمن أراد الله تعالى بذلك مخلصاً،
وكذلك الثناء على العلماء وعلى المنفقين في وجوه الخيرات كله محمول على من
فعل ذلك مخلصاً) [٩] .
٣- القاصد لغير وجه الله لا يقدر على نيل ما يرغب فيه:
إن من ابتغى غير وجه الله بدعوته فليسأل نفسه ماذا يريد من وراء دعوته؟
هل يطلب بدعوته متاع الدنيا وزينتها؟ أم يهدف إلى نيل السيادة والقيادة في
الأرض؟ أم يبتغي العزة بها؟ أم ينشد بها رضى الناس؟
إن كان قد أراد متاع الدنيا وزينتها بالدعوة فكيف يقدر على نيلها بغير إذن من
له الأرض والسموات وما بينهما وقد قال تعالى: [مَن كَانَ يُرِيدُ الحَيَاةَ الدُّنْيَا
وزِينَتَهَا نُوَفِّ إلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي
الآخِرَةِ إلاَّ النَّارُ..] [هود ١٥] ، وعليه أن يقرأ قوله تعالى: [قُل لِّمَنِ الأَرْضُ
ومَن فِيهَا إن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَاتِ
السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ
شَيْءٍ وهُوَ يُجِيرُ ولا يُجَارُ عَلَيْهِ إن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ]
[المؤمنون ٨٤-٨٩] ، وكيف ينالها بغير حكم من له خزائن السموات والأرض [ولِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ ولَكِنَّ المُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ] [سورة المنافقون ٧] .
وإن كان قد رغب في الزعامة والقيادة في الأرض تحت ستار الدعوة فكيف
يصل إليها من غير أمر من هو مالك الملك؟ وعليه أن يتدبر قوله تعالى: [قُلِ
اللَّهُمَّ مَالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشَاءُ وتَنزِعُ المُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وتُذِلُّ
مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الخَيْرُ إنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] [آل عمران ٢٦] . وإن كان قد
قصد بالدعوة العزة فليعلم أن العزة من رب العباد وليست من العباد [مَن كَانَ يُرِيدُ
العِزَّةَ فَلِلَّهِ العِزَّةُ جَمِيعاً] [فاطر١٠] . وإن كان قد نظر في دعوته إلى رضى الناس
فليفهم أن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف شاء. ثم إن
القاصد لغير وجه الله تعالى لينتبه أن من فتح له المولى من رحمة فلا ممسك لها،
وما يمسك فلا مرسل له من بعده. قال سبحانه وتعالى: [مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن
رَّحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا ومَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ]
[فاطر٢] .
ومن أعطاه فلا مانع له، ومن منعه فلا معطي له كما كان الصادق المصدوق
بالوحي عليه الصلاة السلام يقول إذا انصرف من صلاته: (لا إله إلا الله وحده لا ...
شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. اللهم لا مانع لما أعطيت
ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد) [١٠] .
وعلى القاصد لغير وجه الله تعالى أن يتذكر دائماً أن من أهانه الله فلا معز له
ومن أكرمه فلا مهين له. قال تعالى: [وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ
مَا يَشَاءُ] [الحج ١٨] . وعليه أن يستحضر ما علمه النبي -صلى الله عليه وسلم-
الحسن بن علي -رضي الله عنهما- أن يقوله في قنوت الوتر: (وإنه لا يذل من
واليت ولا يعز من عاديت) . [١١] وعليه أن يحفظ أن من طلب رضى الله تعالى ...
كفاه الله مؤونة الناس ومن التمس رضى الناس وكله الله إلى الناس. فقد روى
الإمام الترمذي عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: سمعت رسول الله -صلى الله
عليه وسلم - يقول: (من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤونة الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس) [١٢] . فما أجهل وأخسر
من ترك ابتغاء وجه الله تعالى بالدعوة لأمور لا يقدر على نيلها إلا بأمر الله تعالى.
٤- المخلص في دعوته لله تعالى لا يبقى محروماً من الدنيا:
من قصد بدعوته غير وجه الله تعالى فليفكر في هذا السؤال: هل سيحرم من
الدنيا إذا ابتغى بالدعوة مرضات الله سبحانه تعالى؟ للإجابة على هذا السؤال عليه
أن يستحضر الحديث الذي رواه الإمام الترمذي عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-
قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (من كانت الآخرة همه جعل الله ...
غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه
جعل الله الفقر بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له) [١٣] .
وعليه أن يعيد إلى ذاكرته تاريخ سلف هذه الأمة. إنهم أخلصوا النية في
دعوة الناس إلى رب الناس فلم يكن هذا الاخلاص حاجزا دون تدفق خيرات الدنيا
ونعيمها عليهم، خضعت لهم - بفضل الله تعالى - كبرى قوات العالم آنذاك،
ورفرفت أعلامهم من أسبانيا إلى كاشغر وبخارى، وكثرت الأموال حتى لم يكد
يوجد من يقبل الصدقات. وقد قال عنهم عدوهم:
(إننا لا نذكر أمة كالعرب حققت من المبتكرات العظيمة في وقت قصير مثل
ما حققوه، وإن العرب أقاموا ديناً من أقوى الأديان التي سادت العالم، أقاموا ديناً لا
يزال تأثيره أشد حيوية مما لأي دين آخر، وإنهم أنشأوا دولة من أعظم الدول التي
عرفها التاريخ) [١٤] . إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
إخلاص الدعاة السابقين:
قبل أن نختم هذا الموضوع نذكر فيما يلي بعض الشواهد التي يتجلى من
خلالها إخلاص الدعاة السابقين من الأنبياء والرسل -عليهم الصلاة والسلام-
وإخلاص سيد الرسل وسلف هذه الأمة.
أ- إخلاص الأنبياء السابقين:
إن الدعوة إلى الله تعالى سبيل الأنبياء والرسل -عليهم الصلاة والسلام-،
وعلى السالك في هذا الطريق أن يسلك كما سلكوا، ويتزود كما تزودوا، ويتصف
بما اتصفوا به. إنهم أخلصوا لله الواحد ولم يطلبوا من أحد سوى الله تعالى أجراً.
أخبر الله تعالى في سورة الشعراء عن نوح وهود وصالح ولوط وشعيب -عليهم
الصلاة والسلام- أن كل واحد منهم قال لقومه: [ومَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إنْ
أَجْرِيَ إلاَّ عَلَى رَبِّ العَالَمِينَ] [الشعراء ١٠٩، ١٢٧، ١٤٥، ١٦٤، ١٨٠] ،
وهكذا أعلن إمام الأنبياء وقائد المرسلين محمد -صلى الله عليه وسلم-. يقول تعالى
مخاطباً إياه: [قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إنْ أَجْرِيَ إلاَّ عَلَى الله وَهُوَ عَلَى كُلِّ
شَيْءٍ شَهِيدٌ] [سبأ ٤٧] . ويقول سبحانه وتعالى أيضاً: [قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ
أَجْرٍ ومَا أَنَا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ] [ص ٨٦] ، ويقول تعالى أيضاً: [أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًاً فَهُم
مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ] [الطور ٤٠] .
٢- إخلاص سيد الرسل -صلى الله عليه وسلم-:
وقد أثبت إمام الدعاة وقدوتهم أيضاً بسيرته المطهرة أنه لايريد من وراء
دعوته مالاً ولا ملكاً. إنما يقصد الأجر من الله تعالى، ومن مواقفه الكثيرة الدالة
على ذلك موقفه من عروض قريش على لسان مندوبها عتبة بن ربيعة لما قال له:
أعرض عليك أموراً تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضاً ... يا ابن أخي! إن كنت
تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً،
وإن كنت تريد شرفاً سوّدناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد ملكاً
ملكناك علينا. ولم يكن رده على هذه العروض إلا أن قال: أقد فرغت يا أبا الوليد؟ قال: نعم، قال: (فاسمع مني) ، فقال: [بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. حم * ...
تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِياً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ..] ،
قرأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى انتهى إلى السجدة منها فسجد ثم قال:
(قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك) [١٥] .
إخلاص سلف هذه الأمة:
وهكذا كان أصحابه البررة وأتباعه الصادقون، دعاة الحق وأئمة الهدى -
رضي الله تعالى عنهم- يعلنون في كل مكان أن طلبهم ليس الدنيا بل إنهم يريدون
إخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، وأن من دخل في الإسلام فماله
له، وملكه له. وما أكثر الشواهد الدالة على ذلك. فمن ذلك أن المغيرة بن شعبة -
رضي الله عنه- لما ذهب إلى رستم بناء على طلبه قبل بدء القتال في معركة
القادسية، قال له رستم: «إنكم جيراننا وكنا نحسن إليكم، ونكف الأذى عنكم،
فارجعوا إلى بلادكم، ولا نمنع تجارتكم من الدخول إلى بلادنا» . فقال له
المغيرة -رضي الله عنه-: إنا ليس طلبنا الدنيا، وإنما همنا وطلبنا الآخرة، وقد
بعث الله إلينا رسولاً، قال له: «إني قد سلطت هذه الطائفة على من لم يدن بديني
فأنا منتقم بهم منهم، وأجعل لهم الغلبة ما داموا مقرين به، وهو دين الحق، لا
يرغب عنه أحد إلا ذل، ولا يعتصم به إلا عز» . فقال له رستم: «فما
هو؟» ، فقال: «أما عموده الذي لا يصلح شيء منه إلا به فشهادة أن لا إله
إلا الله وأن محمداً رسول الله، والإقرار بما جاء من عند الله» ، فقال: «ما أحسن
هذا! وأي شيء أيضا؟» ، قال: وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله.
قال: «وحسن أيضاً، وأي شيء أيضا؟» قال: «والناس بنو آدم، فهم
إخوة لأب وأم» ، قال: «وحسن أيضاً» ، ثم قال رستم: «أرأيت إن دخلنا في
دينكم أترجعون عن بلادنا؟» ، قال: «إي والله! ثم لا نقرب بلادكم إلا في
تجارة أو حاجة» . ولما خرج المغيرة -رضي الله عنه- من عنده ذاكر رستم
قومه في الإسلام، فأنفوا من ذلك، وأبوا أن يدخلوا فيه [١٦] .
ما أصرح كلام المغيرة -رضي الله عنه- لبيان موقف المسلمين من الملك
والمال وحرصهم على هداية الناس. ولم يكن هذا البيان الواضح الذي لا لبس فيه
ولا غموض على لسان المغيرة -رضي الله عنه- وحده بل هكذا كان على لسان كل
من أتيحت له الفرصة لتوضيح غاية المسلمين وهدفهم.
ونجد النعمان بن مقرن -رضي الله عنه- يخاطب ملك فارس يزدجرد وجهاً
لوجه بقوله: «.. ونحن ندعوكم إلى ديننا وهو دين الإسلام، حسَّن الحسن، وقبّح
القبيح كله، فإن أبيتم فأمر من الشر هو أهون من آخر شر منه جزاء، فإن أبيتم
فالمناجزة. وإن أجبتم إلى ديننا خلفنا فيكم كتاب الله، وأقمناكم عليه على أن تحكموا
بأحكامه ونرجع عنكم، وشأنكم وبلادكم» [١٧] .
هكذا كان دعاة الحق في الجبهة الفارسية، وفي الجبهة الشامية يصرح معاذ
بن جبل -رضي الله عنه- في وجوه القادة الروميين والشاميين:
«إن أول ما ادعوكم إلى الله أن تؤمنوا بالله وحده، وأن تصلوا صلاتنا،
وتستقبلوا قبلتنا، وأن تستنوا بسنة نبينا -صلى الله عليه وسلم- وتكسروا الصليب، وتجتنبوا شرب الخمر، وأكل لحم الخنزير، ثم أنتم منا ونحن منكم، وأنتم
إخواننا في ديننا. لكم ما لنا وعليكم ما علينا» [١٨] .
وفي الجبهة المصرية نجد عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- يبين ترفع
المسلمين عن الدنيا للمقوقس بقوله:
«وليس غزونا عدونا ممن حارب الله لرغبة دنيا ولا طلباً للاستكثار منها،
إلا أن الله قد أحل ذلك لنا وجعل ما غنمنا من ذلك حلالاً، وما يبالي أحدنا أكان له
قنطار ذهب أم كان لا يملك إلا درهماً، لأن غاية أحدنا من الدنيا أكلة يسد بها ٠
جوعته لليله ونهاره، وشملة يلتحفها، فإن كان أحدنا لا يملك إلا ذلك كفاه، وإن
كان له قنطار من ذهب أنفقه في طاعة الله، واقتصر على هذا الذي بيده ويبلغه ما
كان في الدنيا، لأن نعيم الدنيا ليس بنعيم، ورخاءها ليس برخاء. إنما النعيم
والرخاء في الآخرة، وبذلك أمرنا ربنا وأمرنا به نبينا، وعهد إلينا ألا تكون همة
أحدنا من الدنيا إلا ما يمسك جوعته ويستر عورته، وتكون همته وشغله في رضاء
ربه وجهاد عدوه» [١٩] .
وماذا كان تأثير كلام هذا الداعي المخلص الطالب لرضوان الله؟ فلنسمع -
محدثنا أبا القاسم ابن عبد الحكم بقوله:
«فلما سمع المقوقس ذلك منه قال لمن حوله: هل سمعتم مثل كلام هذا
الرجل قط؟ لقد هبت منظره، وإن قوله لأهيب عندي من منظره، إن هذا
وأصحابه أخرجهم الله لخراب الأرض. ما أظن ملكهم إلا سيغلب على الأرض
كلها» [٢٠] .
وفي الجبهة الصينية لما قال ملك الصين لرئيس وفد المسلمين: قد رأيتم
عظيم ملكي، وإنه ليس أحد يمنعكم مني، وأنتم في بلادي، وإنما أنتم بمنزلة
البيضة في كفي، فانصرفوا إلى صاحبكم فقولوا له ينصرف. فإني قد عرفت
حرصه وقلة أصحابه، وإلا بعثت عليكم من يهلككم ويهلكه.
فأجابه هُبيرة بن المشَفْرج الكلابي رئيس وفد المسلمين بقوله: كيف يكون
قليل الأصحاب من أول خيله في بلادك وآخرها في منابت الزيتون؟ وكيف يكون
حريصاً من خلّف الدنيا قادراً عليها وغزاك؟ وأما تخويفك إيانا بالقتل فإن لنا آجالاً
إذا حضرت فأكرمها القتل، فلسنا نكرهه ولا نخافه « [٢١] .
فالسالك طريق الدعوة هو السالك سبيل الأنبياء والمرسلين، وسبيل سيد
الأولين والآخرين -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه البررة -رضي الله عنهم-،
وعليه أن يخلص نيته كما أخلصوا.
(١) التفسير الكبير ١١/٤٢ وانظر مختصر تفسير ابن كثير ١/٤٤٠.
(٢) صحيح مسلم، الحديث ٢٩٨٥, ٤/٢٢٨٩.
(٣) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لشيخ الإسلام ابن تيمية ص ٧٦.
(٤) المرجع السابق ص ٦٦.
(٥) ولا تخيروا به المجالس: لتختاروا به المجالس ذات الشهرة وتجلسوا في صدورها (انظر تعليق الدكتور محمود الطحان على (الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع) م١ /٨٧.
(٦) الألباني (انظر صحيح سنن ابن ماجة ١/٤٨) وفي رواية أخرى عن ابن عمر -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: من طلب العلم ليماري به السفهاء، أو ليباهي به العلماء، أو ليصرف وجوه الناس إليه، فهو في النار (سنن ابن ماجة، المقدمة، باب الانتفاع بالعلم والعمل به، رقم الحديث ٢٢٨، ١/٤٦) وقال عنه الألباني: حسن انظر صحيح ابن ماجة ١/٤٨) .
(٧) صحيح مسلم , الحديث ١٩٠٥.
(٨) صحيح الترمذي، الحديث ١٩٤٢, ٢/٢٨٢.
(٩) شرح النووي ١٣/٥٠-٥١.
(١٠) انظر صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة.
(١١) انظر مختصر سنن أبي داود للمنذري، تفريع أبواب الوتر، باب القنوت في الوتر، رقم الحديث ٣٧٨ ١، ٢ / ١٢٥.
(١٢) صحيح سنن الترمذي، الحديث ١٩٧٦، ٢/٢٨٨.
(١٣) صحيح سنن الترمذي، الحديث ٢٠٠٥، ٢/٣٠٠.
(١٤) حضارة العرب، غوستاف لوبون ٧٣٦.
(١٥) انظر سيرة ابن هشام ١/٢٦١.
(١٦) البداية والنهاية ٧/٣٩.
(١٧) البداية والنهاية ٧/ ٤١.
(١٨) فتوح الشام للأزدي.
(١٩) فتوح مصر والمغرب لابن عبد الحكم ص ٩٩.
(٢٠) المرجع السابق ص ٩٩.
(٢١) انظر تاريخ الطبري ٦/٥٠٢.
1664 · ص23 · ج58
دعوة
الأطباء والدعوة الإسلامية
د. حسن علي الزهراني
لا شك أن العاقل البصير - أيا كان تخصصه أو موقعه - يعلم بأن العمر
قصير، والأنفاس معدودة، والموت قد يأتي بغتة، والأطباء - بصفة خاصة -
أكثر الناس معايشة لهذه المفاهيم، لأنهم يحسون بها كل يوم، بل في اليوم أكثر من
مرة أحياناً.. يشاهدون لحظات الموت حية أمام نواظرهم.. يتابعون الاحتضار
لحظة بلحظة.. كما أنهم يعايشون أحاسيس أهل المريض عند موته، لذا كان من
الطبيعي أن يكونوا أكثر معرفة بالله وخوفاً منه، إن قورنوا بعامة الناس، ولكن -
للأسف الشديد - فإن القليل منهم في هذا الزمان يعي أهمية دوره كطبيب في الدعوة
إلى الله. وهذه العجالة ليس القصد منها تنبيه أولئك الغافلين الذين يحتاجون إلى
النصح والوعظ المدروس الذي قد يستنفد جهداً كبيراً؛ ولكنها موجهة إلى أصحاب
الوجوه النيرة، ممن أحبوا الله ورسوله، فظهر ذلك على مظهرهم وسمتهم،
رسالتي إليهم تتلخص في مجموعة أسئلة وملاحظات أحب منهم أن يقفوا عندها
بتجرد وإخلاص، ويراجعوا أنفسهم، لعل الله يحقق لنا ما نصبو إليه من عز الدنيا
وثواب الآخرة، خاصة وأنهم يقضون أكثر من ٧٠% من وقتهم داخل أروقة
المستشفيات.
ماذا قدم الطبيب لنفسه ...
وأقصد بهذا دعوة الطبيب نفسه. ونفوس الأطباء من أيسر النفوس لتقبل
الدعوة، كما هو مشاهد في كليات الطب من كثرة الصالحين عند مقارنته على سبيل
المثال بكليات أخرى مثل الآداب أو الاقتصاد أو غيرها، فالطب وعلومه يدعو إلى
التأمل في خلق الإنسان: مرضه وصحته، حياته موته.. كما أنهم - أي الأطباء -
أعلم الناس بقدرة الله على تحريك أي خلية تسبب مرضاً سرطانياً، أو انقباضاً
شريانياً يودي بحياة الإنسان، أو فيروساً يضع المريض في موقف القائل:
وحسب المنايا أن يكن أمانيا ... كفى بك داءً أن ترى الموت شافياً
ومع ذلك لا بد من تذكيرهم بالأمور التالية:
١- الإخلاص وابتغاء ما عند الله:
ففتن الطب كثيرة.. من مركز، وجاه، وعجب، وطلب الثناء من الناس،
لا يعصم من ذلك كله إلا مراقبة الله، وطلب ما عنده من الثواب [والآخِرَةُ خَيْرٌ
وأَبْقَى] .
٢- الزهد في الدنيا بمفهومه الصحيح:
وهو أن يستوي عند الطبيب بقاؤه في منصبه أو وظيفته وعدمه إن تعارضت
مع طاعة الله.
٣- المحافظة على الفرائض:
وهي أقل الزاد وأعظمه، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث
القدسي: «وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه» ، ولا يعذر
الإنسان في التقصير في تلك الفرائض مهما كانت انشغالاته.
٤ - المحافظة على النوافل والأذكار وقراءة القرآن، وكل ما يبعث في النفس الحماس والنشاط للعبادة، وكل إنسان أدرى بنفسه.
٥- استشعار نعمة الله وواجب شكرها:
وبالذات فيما يتعلق بنعمة الصحة خاصة عندما يشاهد الطبيب الأمراض
الفتاكة والحالات المستعصية كقول: «الحمد لله للذي عافاني مما ابتلاك به،
وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلاً» أو كما قال -صلى الله عليه وسلم-.
دعوة الطبيب لزملائه:
وهي من أوجب الواجبات لقول النبي: «الدين النصيحة» وهم أولى الناس
بها لأنهم زملاء العمل ورفاق المهنة، يعيش الإنسان بينهم أكثر مما يعيش مع أهله
أو أقاربه، ومن الغريب أن تجد بعض الصالحين من الأطباء شعلة من النشاط مع
عامة الناس خارج المستشفى وفي ذات الوقت ليس عندهم ما يقدمونه داخل ...
المستشفى، فتظهر الازدواجية بكل معانيها وما يترتب عليها من سلبيات.
كما أن في دعوة هؤلاء الزملاء إقامة للحجة، كما قال الله عز وجل: [وإذْ
قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُوا مَعْذِرَةً إلَى
رَبِّكُمْ ولَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ] .
ولا شك أن في التعاون على البر والتقوى مع هؤلاء الزملاء خيراً كبيراً في
نشر المعروف وإزالة المنكرات التي تعج بها المستشفيات.
والسؤال الذي يطرح نفسه.. كيف يتم ذلك؟
من الواجب أن يخصص الطبيب المسلم لهؤلاء وقتاً يجلس لهم فيه، يراعي
فيه أن يكون مناسباً للجميع، ولا يتعارض مع وقت العمل، حتى لا يكون هناك
تضييع لحق المرضى، وكلمة - يخصص - فيها من الجدية الشيء الكثير.
- السعي في حاجاتهم الدنيوية:
من مساعدة في العمل، وبالذات ما يتعلق بالمناوبات وحل للمشاكل، وعطف
ومشاركة في الهموم وقد قيل:
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم ... فطالما استعبد الإنسانَ إحسانُ.
- القدوة الحسنة في أمور الدنيا والدين.
- الزيارة المنزلية لما فيها من التحبب ورفع الكلفة.
- الهدايا الحسية مثل: الأشرطة والكتيبات بل قد تكون كتباً طبية أو حتى
قلماً إلخ..
- الهدايا المعنوية: من ذكرهم بالخير، والإشادة بالمبرزين في حقول
اختصاصهم بالحق.
- الاحترام، الابتعاد عن التفاهات، الترفع عن التكالب على أمور المعاش،
الابتعاد عن تصيد الأخطاء.. هذه وغيرها أمور ينبغي أن يتحلى بها الداعية عند
دعوته لزملائه.
دعوة المرضى:
وقد وظف المنصرون هذا الأمر لنشر دينهم الفاسد خير توظيف، ولا شك
بأننا أولى بهذا منهم فليس عجائز بريطانيا مثل: تيريزا وغيرها من الآلاف الذين
يجوبون أصقاع المعمورة بخير من حملة التوحيد من الأطباء المسلمين، وهنا أركز
على النقاط التالية:
- احتساب الأجر عند الله وحده عند علاجهم لقول الله تعالى: [ومَنْ أَحْيَاهَا
فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً] وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «من فرج عن مؤمن
كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة» .
- الصبر عليهم عند علاجهم: وبالذات على كبار السن توقيراً لهم، وعلى
الأطفال رحمة بهم، وعلى الملهوفين في الحالات الطارئة، لقوله -صلى الله عليه
وسلم-: «في كل ذات كبد رطبة أجر» .
- طلب الدعاء منهم: وبالذات من الضعفاء منهم الذين لا يملكون إلا الدعاء،
وقد يكون فيهم من لو أقسم على الله لأبره.
- نصحهم: وبالذات في قضايا العقيدة من رقى وتمائم وأحجبة وغيرها،
والمريض يكون عادة في حالة من الضعف يتقبل فيها ما يشير عليه الطبيب، ثم
حضهم على الصلاة والحجاب وغير ذلك.
- تذكيرهم بالله، وذلك عن طريق رد النتائج إلى الله عز وجل، وأن الطبيب
ما هو إلا أحد الأسباب التي تجري عليها أقدار الله.
- السؤال عن أحوالهم في البيت وعن أولادهم أو آبائهم، والتلطف معهم مما
يؤدي إلى تكوين علاقة شخصية ودية ليس فيها طابع الرسمية، بشرط البعد عن
المبالغة في رفع الكلفة، الأمر الذي قد يؤدي إلى الابتذال المذموم.
- إعداد بعض الأشرطة أو الكتيبات وإهدائها إلى هؤلاء المرضى.
دعوة أقارب المريض:
وينطبق عليهم ما ذكر آنفاً، إضافة إلى وجوب حرص الطبيب على الجلوس
معهم ومقابلتهم لشرح حالة المريض لهم، وبالتالي التأثير عليهم من خلال
مناصحتهم.
دعوة العاملين في المستشفى:
والمقصود غير الأطباء من ممرضين وفنيين وإداريين وسائقين وغيرهم،
وهناك أمور منها:
* مراعاة التركيز على كل الطبقات، فلا ينبغي استصغار أحد لجنسه أو
وظيفته أو غير ذلك.
* الاهتمام برؤساء الأقسام ممن فيهم سيما الصلاح، لأنهم أهل الحل والربط، وقد ينفع الله بهم من خلال تعميم لا يكلف بضع دقائق مما يوفر الجهد والوقت.
* الاهتمام بغير المسلمين بدعوتهم وتقديم الكتب والأشرطة إليهم، ومعاملتهم
معاملة تقربهم إلى الإسلام، ولا تنفرهم منه بضوابطها الشرعية، وقد أثمرت هذه
الجهود في كثير من المستشفيات، ورأينا أن الكثير من هؤلاء العاملين قد دخلوا في
الدين الله أفواجاً، ويكفي قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لأن يهدي الله بك
رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم» .
* الحذر عند التعامل مع النساء - من المبالغة في التحادث بحجة الدعوة أو
حتى العمل الطبي، مما قد يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه من معاصٍ وفتن أو سوء فهم.
دعوة الإدارة:
وهم كما قال -صلى الله عليه وسلم-: «إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع
بالقرآن» وبيدهم - بعد الله - الإصلاح أو التسبب في الفساد العريض، لذا كان
من الواجب الاهتمام بدعوتهم من خلال الكتابة لهم ونصحهم مع استخدام أسلوب
مناسب مع المترددين منهم، وينبغي أن يشارك في هذا الأمر كل غيور على دينه
حريص على دنياه وآخرته، مع استخدام أسلوب التخويف بالله والترغيب فيما عنده، أما الصالحون من الإداريين فينبغي التحبب إليهم ومساعدتهم والوقوف بجانبهم
ودعمهم معنوياً.
وأخيراً هناك ملاحظات عامة ينبغي ذكرها لعموم البلوى بها منها:
عدم ترتيب الأولويات في الدعوة، فمثلاً قد يبدأ الطبيب بِحَثِّ المريض على
عدم التدخين على الرغم من مقارفة المريض لشركيات وكبائر ينبغي البدء بها أولاً.
سوء الخلق عند بعض الأطباء، فمهما كانت المبررات ليتذكر المرء قوله -
صلى الله عليه وسلم-: «وتبسمك في وجه أخيك صدقة» .
التحاسد في أمور الدنيا، وأمره شنيع إن كان بين الأخوة المتحابين في الله.
عدم مشاورة الأخيار من الأطباء، اتباعاً لشهوة أو كبراً أو غروراً، مع أن
الله عز وجل أمر نبيه -صلى الله عليه وسلم- بالشورى فقال: [وشَاوِرْهُمْ فِي
الأَمْرِ] ، مما يؤدي إلى بعض الاجتهادات الخاطئة التي قد تفسد ما بناه الآخرون.
ضعف العلم الشرعي بصفة عامة، وبالذات ما يتعلق بمجال الطب، والحل
هو التزود من العلم بسؤال العلماء ومراجعة أهل الخبرة من الصالحين خاصة في
بدء حياته العلمية.
ظاهرة الاستغراق في العمل: فيصحو الإنسان وينام وهو يفكر في دنياه،
وينسى أن الله قد خلقه لغير هذا، حتى ينحصر اهتمام الشخص بين البيت
والمستشفى وما تبقى ففي المسجد.
المبالغة في تقدير مصلحة الدعوة: مما يؤدي إلى السكوت عن المنكرات، بل
استمرائها، ومن ثم الانحراف والنكوص على الأعقاب لا سمح الله. وختاماً.. هذا
غيض من فيض، لكن؛ ليتذكر كل طبيب أن الله قد خلقه لعبادته، وأن الحياة
ليست عبثاً ولا معطفاً أبيض وسماعة فحسب؛ بل هي جهاد واحتساب حتى يأتي
الله بأمره، وأن الأمة تنتظر منه أن يحمل هم الدين عنها - في مجاله على الأقل -
في عصر اجتمعت فيه أمم الكفر على ضرب الإسلام عن قوس واحدة، ولا ينسى
أنه قد قطع من العهود والمواثيق بينه وبين الله أثناء دراسته على مقاعد الكلية أن
يقوم بأداء مهمته خير قيام حال تخرجه، قال تعالى: [ومِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ
آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ
وتَوَلَّوْا وهُم مُّعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا
وعَدُوهُ وبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ] [التوبة٧٥-٧٧] نعوذ بالله من سخطه وأليم عقابه.