← المكتبة ▭ 1 page
حكم التقليد
حمد بن ناصر آل معمر أصول الفقه 1225 هـ
A− A+
33 · ص37
[النوع الأول] أحدها: التقليد بعد قيام الحجة وظهور الدليل على خلاف قول المقلَّد: فهذا لا يجوز، وقد اتفق السلف والأئمة على ذمِّه وتحريمه ١.
١ قال شيخ الإسلام بعد أن ذكر الخلاف في حكم التقليد: (وهذا النزاع إذا لم يكن تبين له القول الموافق للكتاب والسنة، فإن تبين له ما جاء به الرسول؛ لم يجز له التقليد في خلافه باتفاق المسلمين) ينظر: منهاج السنة النبوية ٢/ ٢٤٤. وبيَّن الشنقيطي في أضواء البيان (٧/ ٣٥١) وجه تحريم التقليد فقال: (لأن كل اجتهاد يخالف النص، فهو اجتهاد باطل، ولا تقليد إلا في محل الاجتهاد)، وبيَّن رحمه الله أن مثل هذه المسائل التي يظهر فيها الدليل ليست محلًّا للاجتهاد والتقليد أصلًا، وأن شروط الاجتهاد التي يذكرها الأصوليون لا تتناول هذه المسائل التي تكون نصوص الوحي فيها صحيحة واضحة. مثاله: لو قرأ المتفقِّه في الروض المربع (١/ ٢٦٠): (وإن كان المصلي في ثلاثية كمغرب، أو رباعية كظهر؛ نهض مكبرًا بعد التشهد الأول، ولا يرفع يديه)، ثم قرأ ما في البخاري (٧٣٩)، من حديث نافع: «أن ابن عمر كان إذا دخل في الصلاة كبر ورفع يديه، وإذا ركع رفع يديه، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، رفع يديه، وإذا قام من الركعتين رفع يديه»، ورفع ذلك ابن عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فإنه يجب عليه متابعة السنة، ويحرم التقليد، وهذا ما قام به عَلَمان من الأعلام: الأول: المرداوي الحنبلي رحمه الله: فإنه لما ذكر في الإنصاف (٣/ ٥٧٨) أن المذهب لا يرفع يديه؛ ذكر الرواية الثانية: بالاستحباب، وقال: (وهو الصواب، فإنه قد صح عنه عليه أفضل الصلاة والسلام: أنه كان يرفع يديه إذا قام من التشهد الأول. رواه البخاري وغيره). الثاني: النووي الشافعي رحمه الله: لما ذكر المسألة في المجموع (٣/ ٤٤٦)، وقَرَّر أن المشهور من نصوص الشافعي في كتبه والمشهور من مذهبه وقول أكثر أصحابه: القول بعدم استحباب الرفع؛ ذكر بعدها الأحاديث الواردة في سُنِّيَّتها، وصوَّب القول بالاستحباب، ونقل كلام البيهقي أنه قال: (ومذهب الشافعي متابعة السنة إذا ثبتت). والرملي الذي قلَّده متأخرو الشافعية في مصر، واشتُهِر أنه أُخِذت منهم العهود ألا يقولوا إلا بقوله، لما سئل عن رفع اليدين في هذا الموضع، أجاب: (بأن استحباب رفع اليدين عنده، قال النووي: إنه الصحيح أو الصواب؛ لثبوته في صحيح البخاري وغيره) ينظر: فتاوى الرملي ١/ ١٤٦.
34 · ص39
قال الشافعي رحمه الله: (أجمع المسلمون على أنه من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يَدَعَها لقول أحد من الناس) ١. [النوع الثاني] النوع الثاني: التقليد مع القدرة على الاستدلال والبحث عن الدليل: فهذا مذمومٌ أيضًا؛ لأنه عملٌ على جهل، وإفتاء بغير علم، مع قدرته وتَمكُّنِه من معرفة الدليل المرشد، والله تعالى قد أوجب على عباده أن يتقوه بحسب استطاعتهم، فقال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» ٢. فالواجب على كل عبدٍ أن يبذُلَ جهده في معرفة ما يَتَّقيه مما أمره الله به ونهاه عنه، ثم يلتزم طاعة الله ورسوله، ولم يكلِّف الله عباده ما لا يطيقونه، بل الواجب على العبد ما يستطيعه من معرفة الحق، فإذا بذل جهده في معرفة الحق فهو معذورٌ فيما خفي عليه ٣.
١ ينظر: إعلام الموقعين (٢/ ١١)، وللشافعي في الرسالة ص ٤٢٥ قريبًا من معناه. ٢ أخرجه البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ٣ هذا القسم فيمن كان عنده قدرة على النظر والاستدلال، ولم تحصل له تمام أهلية الاجتهاد في هذه المسألة - ولو كان مجتهدًا في غيرها من المسائل-؛ كما لو كانت المسألة مُعتمِدة على حديث لا يتمكن من معرفة صحته أو على مسألة نحوية لا يُدرِكها. ويعبر جماعة من الأصوليين عن المسألة: بالعالم الذي لم يبلغ مرتبة الاجتهاد، هل يجوز لمثله التقليد؟ اختلفوا على قولين: القول الأول: جواز التقليد؛ لأنه لا بد من انتفاء المعارض، والعلم بانتفائه يتوقف على من له أهلية استقراء الشريعة. وقد أجاب عن ذلك الزركشي، وأورد المؤلف عن شيخ الإسلام كلامًا يُجاب به عن هذا أيضًا. وأجاب الرازي بما يصلح أن يكون جوابًا هنا: (وغاية ما في الباب أن يقال: لعله شذ منه شيء، ولكن النادر لا عبرة به، كما أن المجتهد المطلق وإن بالغ في الطلب فإنه يجوز أن يكون قد شذ عنه أشياء). والقول الثاني، واختاره المؤلف: عدم الجواز، بل يجب عليه أن يعرف ذلك الحكم بدليله، ولو بمراجعة المفتين؛ لما ذكره المؤلف، ولأن له صلاحية معرفة طرق الأحكام بخلاف العامي، قال شيخ الإسلام: (وأكثر علماء السنة على أن التقليد في الشرائع لا يجوز إلا لمن عجز عن الاستدلال; هذا منصوص الشافعي وأحمد، وعليه أصحابهما)، وجزم بهذا القول ابن العربي وابن المنير وغيرهم. وقال شيخ الإسلام في بيان مذاهب الأئمة في المسألة: (وإن كان قادرًا على الاستدلال ومعرفة ما هو الراجح؛ وتوقَّى بعض المسائل فعدل عن ذلك إلى التقليد، فهو قد اختلف في مذهب أحمد: المنصوص عنه والذي عليه أصحابه: أن هذا آثم أيضًا، وهو مذهب الشافعي وأصحابه، وحكي عن محمد بن الحسن وغيره: أنه يجوز له التقليد مطلقًا) ينظر: مجموع الفتاوى ٢٠/ ٢٢٥. وقال الذهبي: (ولا ريب أن كل من أنس من نفسه فقهًا وسعة علم وحسن قصد؛ فلا يسعه الالتزام بمذهب واحد في كل أقواله؛ لأنه قد تبرهن له مذهب الغير في مسائل، ولاح له الدليل، وقامت عليه الحجة، فلا يقلد فيها إمامه، بل يعمل بما تبرهن، ويقلد الإمام الآخر بالبرهان، لا بالتشهي والغرض) ينظر: سير أعلام النبلاء ٨/ ٩٤. وهذه المرتبة من مراتب الفقهاء هي التي يسميها بعض العلماء بـ (الاتباع)، ويقولون بأن الناس ينقسمون إلى مقلد ومتبع ومجتهد، وهذا قول ابن خويز منداد وابن عبد البر وابن القيم وابن السمعاني وابن أبي العز الحنفي، والشوكاني، والأمين الشنقيطي، وابن باز، وغيرهم، وعلى هذا فالاختلاف في الاصطلاح، ولا مشاحة في الاصطلاح. وإن كان هذا النوع من المتفقهة قد يحتاج إلى التقليد في مواضع كما سيأتي في كلام الشنقيطي. وعلى كلا القولين، فلا نزاع بين العلماء أنه لو خالف مذهبه لدليل أن ذلك لا يقدح في دينه، قال شيخ الإسلام: (وإذا كان الرجل متَّبعًا لأبي حنيفة أو مالك أو الشافعي أو أحمد، ورأى في بعض المسائل أن مذهب غيره أقوى فاتبعه؛ كان قد أحسن في ذلك، ولم يقدح ذلك في دينه ولا عدالته بلا نزاع؛ بل هذا أولى بالحق وأحب إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ممن يتعصب لواحد معين غير النبي صلى الله عليه وسلم) ينظر: مجموع الفتاوى ٢٢/ ٢٤٨. وبهذا يُعلم غلط بعض المتفقة الذين يعيبون على من كان عنده شيء من الأهلية مخالفةَ مذهبه للدليل الذي ظهر عنده، وأنهم أولى بالعيب والقدح. ينظر: جامع بيان العلم وفضله ٢/ ٧٨٧، المحصول للرازي ٦/ ٢٦، نفائس الأصول ٩/ ٣٩٣٥، نهاية الوصول للهندي ٨/ ٣٩٠٩، المحصول لابن العربي ص ١٥٥، منهاج السنة النبوية ٢/ ٢٤٤، البحر المحيط ٨/ ٣٣٣، قواطع الأدلة ٢/ ٣٤٠، الاتباع لابن أبي العز الحنفي ص ٢٣.
→ prev 33–34 / 90 next ←