45 · ص54
ويخير في تقليدِ أحد مُسْتَوِيَيْنِ عند أكثر أصحابنا.
قال في «الرعاية»: ولا يكفيه من لم ١ تَسْكُن نفسُه إليه، بل لا بد من سكون النفس والطمأنينة به.
ويحرم عليه تتبُّع الرُّخص ويَفْسُق به.
[إذا اختلف عند المقلِّد مجتهدان]
وإن اختلف مجتهدان بأن أفتاه أحدهما بحكم والآخر بخلافه؛ تَخيَّر في الأخذ بأيهما شاء على الصحيح، اختاره القاضي والمجد وأبو الخطاب، وذكر أنه ظاهر كلام أحمد ٢.
وقيل: يأخذ بقول الأفضل منهما علمًا ودينًا، فإن استويا؛ تخيَّر ٣، وهذا اختيار الموفق في الروضة ٤.
١ سقطت من (أ).
٢ وهذا مقيَّد بما لم يؤد إلى تتبع الرخص، كما أفاده الشيخ زكريا الأنصاري في غاية الوصول (ص ١٦١).
قال الشاطبي عن القول بالتخيير: (وأما إن كان عاميًّا؛ فهو قد استند في فتواه إلى شهوته وهواه، واتباع الهوى عين مخالفة الشرع) ثم قال: (وعامة الأقوال الجارية في مسائل الفقه إنما تدور بين النفي والإثبات، والهوى لا يعدوهما، فإذا عرض العامي نازلته على المفتي؛ فهو قائل له: "أخرجني عن هواي ودُلَّني على اتباع الحق"؛ فلا يمكن والحال هذه أن يقول له: "في مسألتك قولان؛ فاختر لشهوتك أيهما شئت "، فإن معنى هذا تحكيم الهوى دون الشرع، ولا ينجيه من هذا أن يقول: ما فعلت إلا بقول عالم؛ لأنه حيلة من جملة الحيل التي تنصبها النفس وقايةً عن القال والقيل، وشبكة لنيل الأغراض الدنيوية، وتسليطُ المفتي العاميَّ على تحكيم الهوى بعد أن طلب منه إخراجه عن هواه رميٌ في عماية، وجهل بالشريعة، وغش في النصيحة) ينظر: الموافقات ٥/ ٧٩.
٣ قوله: (فإن استويا؛ تخير) سقط من المطبوع.
٤ واختار ابن القيم: أنه يجب عليه أن يتحرَّى ويبحث عن الراجح بحسبه، فيعمل كما يعمل عند اختلاف الطريقين أو الطبيبين أو المشيرين. وذكر في المسألة سبعة مذاهب.
وتنظر المسألة في: المسودة ص ٤٦٢، إعلام الموقعين ٦/ ٢٠٥، المعتمد ٢/ ٣٦٤، قواطع الأدلة ٢/ ٣٦٥، التحبير ٨/ ٤٠٩٨.
46 · ص55
[يحرم التساهل في الفتيا وتقليد من يُعرف به]
ويحرم تساهل مُفتٍ وتقليدُ معروفٍ به؛ لأن الفُتيا أمر خطر، فينبغي أن يَتَّبع السلف الصالح في ذلك، فقد كانوا يهابون الفتيا كثيرًا، وقد قال الإمام أحمد رضي الله عنه: إذا هاب الرجل شيئًا لا ينبغي أن يُحمَل على أن يقول ١.
١ رواه الأثرم عن الإمام أحمد. ينظر: الفروع ١١/ ١١٤.
ذكر المؤلف ههنا مسألتين:
المسألة الأولى: عدم التساهل في الفتيا، وهيبة السلف منها.
قال المروذي: أنكر أبو عبد الله على من يتهجم في المسائل والجوابات، وقال: (ليتق الله عبد ولينظر ما يقول؛ فإنه مسئول)، وقال: (يتقلد أمرًا عظيمًا).
وذكر ابن الصلاح أن التساهل في الفتيا سببه أحد أمرين:
١ - … أن يسرع بالفتوى قبل استيفاء حقها من النظر والفكر، وربما يحمله على ذلك توهمه أن الإسراع براعة، والإبطاء عجز ومنقصة، وذلك جهل.
٢ - … أن تحمله الأغراض الفاسدة على تتبع الحيل.
وذكر السمعاني صورتان من صور التساهل في الفتيا:
١ - … أن يتساهل في طلب الأدلة وطرق الأحكام ويأخذ بمبادئ النظر وأوائل الفكر.
٢ - … أن يتساهل في طلب الرُّخص وتأول الشبه، وهذا آثَم من الأول.
وتنظر المسألة في: أخلاق العلماء للآجري ص ١٠١، جامع بيان العلم وفضله ٢/ ١١٢٠، الفقيه والمتفقه ٢/ ١١، أدب المفتي ص ١١١، إعلام الموقعين ٢/ ٦٢، الفروع ١١/ ١١٤، قواطع الأدلة ٢/ ٣٥٣، التحبير ٨/ ٤١١٥، كشاف القناع ٦/ ٢٩٨.
المسألة الثانية: عدم سؤال المستفتي لمن عُرِف بالترخيص والتساهل بالفتيا.
ينظر: أدب المفتي ص ١١١، اللمع ص ١٢٧، نفائس الأصول ٩/ ٣٩٧٠، البحر المحيط ٨/ ٣٨٢، التقرير والتحبير ٣/ ٣٤١.