← المكتبة ▭ 1 page
حكم التقليد
حمد بن ناصر آل معمر أصول الفقه 1225 هـ
A− A+
85 · ص102
كما نص عليه الإمام أحمد رحمه الله في رواية ابنه عبد الله، وقد ذكرناه فيما تقدم ١. وأما الاجتهاد المقيَّد بمذاهب الأئمة، وتوخِّي الحقَّ بما دل عليه الدليل وبما عليه الجمهور؛ فهذا هو الذي لا ينبغي العدول عنه، وهو الذي ذكره صاحب «الإفصاح». [ذم لزوم التمذهب بمذهب لا يخرج عنه] وأما لزوم التمذهب بمذهب بعينه؛ بحيث لا يخرج عنه وإن خالف نص الكتاب أو السنة، فهذا مذموم غير ممدوح، وقد ذَمَّه صاحب «الإفصاح» كما تقدم ذكره، بل قد ذمَّه الأئمة رضي الله عنهم. قال الشافعي رحمه الله: (طالب العلم بلا حجة كحاطب ليلٍ، يَحمِل حِزمةَ حطبٍ، وفيها أفعى تلدغه، وهو لا يدري) ٢. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: (لا يحل لأحد أن يقول بقولنا حتى يعلم من أين قلناه) ٣. وقد صرح مالك بأن من ترك قول عمر بن الخطاب لقول إبراهيم النخعي أنه يستتاب، فكيف بمن ترك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول من هو دون إبراهيم أو مثله؟!
١ ص .... ٢ أخرجه الخطيب في الفقيه والمتفقه (٢/ ١٥٧). ٣ ينظر: إعلام الموقعين ٣/ ٤٨٨.
86 · ص103
فقال جعفر الفريابي: حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثني الهيثم ابن جميل قال: (قلت لمالك بن أنس: يا أبا عبد الله، إن عندنا قومًا وضعوا كتابًا يقول أحدهم: حدثنا فلان عن فلان عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بكذا وكذا، وفلان عن إبراهيم بكذا، ويأخذ بقول إبراهيم. قال مالك: وصح عندهم قول عمر؟ قلت: إنما هي رواية كما صح عندهم قول إبراهيم، فقال: هؤلاء يستتابون) ١. وقال أبو عمر بن عبد البر: (يقال لمن قال بالتقليد: لِمَ قلت به وخالفت السلف في ذلك، فإنهم لم يقلدوا؟ فإن قال: قَلَّدتُ؛ لأنَّ كتاب الله لا علم لي بتأويله، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أحصها، والذي قلَّدتُه قد علم ذلك، فقلَّدت من هو أعلَم مني. قيل له: أما العلماء إذا أجمعوا على شيءٍ من الكتاب، أو حكايةٍ عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو اجتمع رأيهم على شيء؛ فهو الحق لا شك فيه، ولكن قد اختلفوا فيما قلَّدتَ فيه بعضَهم دون بعض، فما حُجَّتُك في تقليد بعضهم دون بعض وكلهم عالم، ولعل الذي رغبت عن قوله أعلم من الذي ذهبت إلى مذهبه؟
١ رواه ابن حزم في الإحكام (٦/ ١٢٠)، بإسناده إلى جعفر الفريابي، ونقله ابن القيم في إعلام الموقعين (٣/ ٤٧٠).
→ prev 85–86 / 90 next ←