1069 · ص1128 · ج2
الحشوش، والأقذار؛ لأنه قادر على الأشياء مستولٍ عليها.. وإذا كان قادراً على الأشياء كلها، ولم يجز عند أحد من المسلمين أن يقول إن الله -تعالى- مستوٍ على الحشوش والأخلية، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، لم يجز أن يكون الاستواء على العرش الاستيلاء الذي هو عام في الأشياء كلها، ووجب أن يكون معنى الاستواء يختص بالعرش دون الأشياء كلها. ١
٦ - قال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} (الحديد: ٤)
فذكر وقوع الاستواء بعد خلق السماوات والأرض، فلو كان الاستواء هنا بمعنى الاستيلاء أو القهر، ونحو ذلك، على ما حرَّفته الجهمية والمعتزلة، لكان الله -تعالى- غير مستولٍ على العرش ولا قاهر له قبل خلق السموات والأرض، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. ٢
٥ - تفسير الاستواء بالاستيلاء يقتضي وجود منازعة بين الله - تعالى- وبين غيره؛ فإن الاستيلاء لا يأتى إلا بعد مغالبة، والله -عزوجل - لا ينازعه أحد في ملكه.
قال ابن كثير:
ولا أراد الله -عز وجل- باستوائه على عرشه استيلاءه عليه، تعالى الله عن قول الجهمية علواً كبيراً؛
فإنه إنما يقال استوى على الشئ إذ كان ذلك الشئ عاصياً عليه قبل استيلائه عليه، كاستيلاء الملك على المدينة بعد عصيانها عليه، وعرش الرب لم يكن ممتنعاً عليه نفساً واحداً، حتى يقال استوى عليه. ٣ * قال داود بن علي: كنا عند ابن الأعرابي، فأتاه رجل، فقال:
يا أبا عبد الله، معنى قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) استولى، فقال:
اسكت، العرب لا تقول للرجل استولى على الشيء حتى يكون له فيه مضاد، فأيهما غلب قيل: استولى، والله
١ الإبانة عن أصول الديانة (٢/ ٩٩٨)
٢ كتاب العرش للذهبي (٢/ ١٤٢)
٣ البداية والنهاية (٩/ ٢٦٢)
1070 · ص1129 · ج2
- تعالى- لا مضاد له، والاستيلاء بعد المغالبة، أَمَا سَمِعْتَ النَابِغَةَ:
أَلَا لِمِثْلِكَ أَوْ مَنْ أَنْتَ سَابِقُهُ... سَبْقَ الْجَوَادِ إِذَا اسْتَوْلَى عَلَى الْأَمَدِ. ١
*فإن قيل:
أليس وصف الله -تعالى- بالاستيلاء موافقاً لمعنى اسم " المهيمن "؟
* فجوابه:
أن معنى اسم " المهيمن ": هو المطلع على خفايا الأمور، وخبايا الصدور، الذي أحاط بكل شيء علماً، الشهيد على أعمال العباد. فأين هذا من وصف الله -تعالى- بالاستيلاء الذي لايكون إلا بعد المغالبة والمنازعة؟!
* الرد على ما استدلوا به من شبهات:
أما استدلالهم بما يروى عن ابن عباس -رضي الله عنهما -في قوله " الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى "أنه قال: " استولى على جميع بريته، فلا يخلو منه مكان"
* فالجواب أن:
هذا أثر منكر، ونقلته مجهولون وضعفاء، في سنده عبد الله بن داود الواسطي وعبد الوهاب بن مجاهد وهما ضعيفان، وإبراهيم بن عبد الصمد مجهول لا يعرف. ٢
ثم يقال:
أنتم لا تقبلون أصالة الاحتجاج بأخبار الآحاد في أصول الاعتقاد، وإن نقلها العدول، فكيف يسوغ لكم الاحتجاج بهذا الأثر المنكر في هذا الباب؟!
* أما استدلالهم بقول الشاعر:
" قد استوى بشر على العراق... من غير سيف ولا دم مهراق.
* فيقال جواباً عليه:
أن هذا البيت منسوب لشاعر نصراني يدعى الأخطل، فكيف يُترك ما تكاثر نقله عن أئمة السلف في تفسير الاستواء بالعلو والارتفاع ليركن إلى بيت شعر مهلهل، بيت آيل للسقوط، لم يتجرأ المستدلُّون به على التصريح بنسبته
١ أخرجه البيهقي في "الأسماء والصفات" (ص/٤١٥)، واللالكائي في "اعتقاد أهل السنة" (٢/ ٤٥)، وصححه الألباني في "مختصر العلو" (ص/١٩٥)
٢ وانظر اجتماع الجيوش الإسلامية (ص/٨٠) والتمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (٣/ ٣٤١) ولسان الميزان (١/ ١٦٨)