261 · ص280 · ج1
يَدَّعِي الإِسْلَامَ: «هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ». فَلَمَّا حَضَرَ القِتَالُ قَاتَلَ الرَّجُلُ أَشَدَّ القِتَالِ، حَتَّى كَثُرَتْ بِهِ الجِرَاحَةُ، فَكَادَ بَعْضُ النَّاسِ يَرْتَابُ، .. ". ١
* ومن النظر:
لا يرتاب عاقل أن المؤمنين يتفاوتون في التقوى تفاوتاً عظيماً، وأعظم أسباب ذلك تفاوتهم في اليقين، فإننا نرى أحوالهم في اتقاء الضرر الدنيوي لا يتفاوت ذاك التفاوت، بل إنك تجد من نفسك أنه قد يقوى عندك الإيمان فترغب نفسك في الطاعة وترغب عن المعصية، وقد يضعف فتتهاون بذلك.
وكذلك تجد ذلك عندما تطلع على الأدلة أو الشبهات، فقد يقف العالم على عدة نصوص من الكتاب والسنة فيتبين له أن بعضها يصدق بعضاً، وقد يتراءى له أنها تتناقض.
وقد يرى نصوصاً في العقائد، فيتبين له أن العقل موافق لها وقد يتراءى له أنه يخالفها. ويرى نصوصاً في الأحكام فيتبين له أنها موافقة للرأي والنظر والحكمة والقياس، وقد يتراءى له أنها مخالفة لذلك.
ولا أدرى عاقلاً يتصور حاله وحال الملائكة والأنبياء ويقول: إن يقينه مثل يقينهم. ٢
قال الفضيل بن عياض:
قال أصحاب الرأي: ليس الصلاة ولا الزكاة ولا شيء من الفرائض من الإيمان افتراء على الله -عز وجل -وخلافا لكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولو كان القول كما يقولون لم يقاتل أبو بكر -رضي الله عنه- أهل الردة ".
وقال رحمه الله:
" يقول أهل البدع: الإيمان الإقرار بلا عمل والإيمان واحد، وإنما يتفاضل الناس بالأعمال، ولا يتفاضلون بالإيمان، ومن قال ذلك فقد خالف الأثر ورد على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله. ٣
* ومن الردود العامة على فرق المرجئة:
وأما قول المرجئة:
" لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الكفر طاعة". ٤
١ أخرجه البخاري (٤٢٠٣)
٢ القائد إلى تصحيح العقائد (ص/١٢٩)
٣ وانظر السنة لعبد الله (٨١٨) وبراءة أهل الحديث (ص/١٦١)
٤ وأما قولهم " لا يضر مع الإيمان ذنب " فهذا مما نص عليه صاحب الطحاوية؛ بناءً على قول مرجئة الفقهاء بإخراج عمل الجوارح من الإيمان. والصواب أن الذنوب تؤثر في الإيمان، فمنها ما يزيله بالكلية، كترك الصلاة = =، الترك الكلي، ومنها ما ينقصه فقط كسائر الذنوب الأخرى.
وانظر التعليقات المختصرة على الطحاوية للفوزان (ص/١٤٠)
262 · ص281 · ج1
فالرد عليه في حديث حُذَيْفَة - رضي الله عنه - سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: " تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا فَأَىُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ ". ١
والمعنى أن الرجل إذا تبع هواه وارتكب المعاصي، دخل قلبه بكل معصية يتعاطاها ظلمة، وإذا صار كذلك افتتن وزال عنه نور الإيمان. ٢.
*ومن اللوازم الباطلة لقول المرجئة في باب الإيمان:
١ - لما كان الإيمان عند المرجئة منحصرأ في التصديق ترتب على ذلك أن يكون
الكفر لا يحصل إلا بالتكذيب، وعليه فمن لطخ المصحف - مثلا - أوسجد لصنم فلا يكفر، وعمله هذا لا يكون كفراً، بل هذا عندهم دال على انتفاء الإيمان من قلبه.
وأهل السنة يقولون أن ذات الفعل يكون كفراً، لذا فمذهب الإرجاء قد ترتب عليه المفاسد العظيمة، حيث حصروا الكفر في كفر الاستحلال والجحود. ٣
قال ابن حزم:
وأما سب الله تعالى فما على ظهر الأرض مسلم يخالف في أنه كفر مجرد، إلا أن الجهمية، والأشعرية - وهما طائفتان لا يعتد بهما - يصرِّحون بأن سب
١ رواه مسلم (٣٨٦)
٢ الكوكب الوهَّاج شرح صحيح مسلم (٤/ ٤٠)
٣ وعليه نقول:
أن من قال أن الإيمان قول وعمل واعتقاد يزيد وينقص، وجعل أعمال الجوارح شرط كمال، ويقول " لا كفر إلا باعتقاد وجحود" وينسب ذلك لأهل السنة، فقد نسب لأهل السنة ما ليس منهم.
وقد سئل الشيخ صالح الفوزان: هل تصح هذه المقولة: " من قال الإيمان قول وعمل واعتقاد يزيد وينقص فقد بريء من الإرجاء كله حتى لو قال لا كفر إلا باعتقاد وجحود "؟
فقال:
هذا تناقض!! إذا قال لا كفر إلا باعتقاد أو جحود فهذا يناقض قوله إن الإيمان قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح، لأنه إذا كان الإيمان قول باللسان واعتقاد الجنان وعمل بالجوارح وأنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية... فمعناه أنه من تخلى من شيء من ذلك فإنه لا يكون مؤمناً. وانظر أسئلة وأجوبة في مسائل الإيمان والكفر (ص/٥)