705 · ص745 · ج2
وحكم هذه الصورة أنها داخلة فى الكفر الأصغر؛ وذلك لعدم الدليل على دخولها في الشرك الأكبر.
فالشريعة لم تعلِّق الكفر على تعميم الحكم أو الإلزام به، كما أن الأدلة لم تفرَّق بين الحاكم الذى يعمم والذى لا يعمم، ولا بين الحاكم الذى يُلزم من تحته والذى لا يُلزم ١.
وعليه فإنَّ ذات التشريع ولو كان عاماً لا يكون كفراً، إلا إذا انضم إليه شئ آخر.
**قال شيخ الإسلام ابن تيميه:
كثير من المنتسبين إلى الإسلام يحكمون بعاداتهم التي لم ينزلها الله سبحانه وتعالى، كسوالف البادية، وكأوامر المطاعين فيهم، ويرون أن هذا هو الذي ينبغي الحكم به دون الكتاب والسنة.
وهذا هو الكفر، فإن كثيرا من الناس أسلموا، ولكن مع هذا لا يحكمون إلا بالعادات الجارية لهم التي يأمر بها المطاعون، فهؤلاء إذا عرفوا أنه لا يجوز الحكم إلا بما أنزل الله فلم يلتزموا ذلك، بل استحلوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل الله فهم كفار، وإلا كانوا جهالاً. ٢
فرع:
قد استدل البعض على جعل هذه الصورة من الكفر الأكبر بأنَّ الفاعل لذلك ما استبدل حكم الله لحكم نفسه، ثم جعله حكماً عاماً ألزم به من تحته إلا وهو يعتقد أن حكمه أنفع وأصلح من حكم الله تعالى، فالإلزام في التشريع العام هو الإيجاب، ولا يشك عاقل أن من أوجب شيئًا على سبيل العموم فلابد أن يكون مستحلاً له ضمناً، فالإيجاب يتضمن الإباحة ويزيد عليها. ٣
١ الحكم بغير ما أنزل لبندرالعتبى (ص / ٤٣)
٢ وانظر منهاج السنه النبويه (٥/ ١٣٠) ونواقض الايمان (ص / ٣١٨)
٣ وهذا ما يسمى " بالتكفير باللازم "، حيث إن القائلين بحمل قضية التشريع العام على الكفر الأكبر، إنما حكموا بذلك أخذاً بلازم الفعل، لذا تراهم يقولون:
أن كل من جعل شرعاً عاماً متبعاً، فإنه لم يجعله كذلك إلا لأنه يراه هو العدل، ولذلك يسمى مستحلاً.
وقالوا: لا شك أن تبديل الشريعة لا يكون إلا استحلالاً، فإن المبدل للشرع كتشريع عام للناس لا يتصور أن يفعل ذلك إلا إذا كان يجحد أن لله حكماً في هذه المسألة التي يشرع فيها، أو يقر بوجود حكم في دين الله ولكن يرى أن هذا الحكم الوضعي أحسن منه، أو مساوٍ، أو على الأقل يرى أنه لا يلزمه أن يحكم بشرع الله، وكل هذا ينطبق عليه وصف الاستحلال.
وأما إذا ضم إلى ذلك إلزام الغير به، فهذا قد تجاوز مرحلة استحلال الحكم بغير ما أنزل الله إلى تحريم الحكم بما أنزل الله!!
706 · ص746 · ج2
*وهذا مدفوع من وجوه:
(١) الوجه الأول:
ما قرره أهل العلم من أنَّ لازم المذهب لا يكون مذهباً للمرء إلا إذا التزمه، والمرء قد يعتقد خلاف مايلزم من قوله.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
ولازم المذهب لا يجب أن يكون مذهباً، بل أكثر الناس يقولون أقوالًا ولا يلتزمون لوازمها.
فلا يلزم إذا قال القائل ما يستلزم التعطيل أن يكون معتقداً للتعطيل، بل يكون معتقداً للإثبات، ولكن لا يعرف ذلك اللزوم. ١
وقال رحمه الله:
ولو كان لازم المذهب مذهباً للزم تكفير كل من قال عن الاستواء أو غيره من الصفات أنه مجاز ليس بحقيقة. ٢
*وعليه نقول:
قد يقول القائل قولاً ثم تراه معتقداً خلاف لازم قوله، إذ قد ترى من يفعل ذلك - اى فى صورة الباب - وهو يعتقد أن الشريعة أنفع من حكمه الذي حكم به.
وعليه فإن ورود هذه الإحتمالات - ولو كانت ظنية- فهي مانعة من الحكم على صاحبها بالكفر، فالقاعدة (أن ماثبت بيقين لا يزول بمجرد الشك) وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات، فالتكفير من باب أولى.
* كذلك يقال:
أن الإلزام لمن ترك الحكم بما أنزل الله - تعالى- بأنه مستحلٌ فهذا
١ مجموع الفتاوى (١٦/ ٤٦١)
٢ المصدر السابق (٢٠/ ٢١٧)