← المكتبة ▭ 1 page
النوازل في الرضاع
عبد الله بن يوسف بن عبد الله الأحمد مسائل فقهية
A− A+
149 · ص149
ذلك: أن قول الله تبارك وتعالى: {لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} [سورة البقرة: ٢٣٣]، وقوله: {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} [سورة البقرة: ٢٣٣] مفاده جواز الاجتهاد فيما يؤدي إلى صلاح الصغير ولو بتقليل مدة الرضاع إلى ما دون الحولين، وذلك موقوف على غالب ظنونهما حيث محط الشارع في أحكامه، لا على الحقيقة واليقين، وهذا المصلحة المقتضية للتخفيف بالشروط المذكورة لا تعود على الحكم الأصلي بالإبطال. ١ وبأن هذه الجملة اتصلت بما قبلها بيانًا لمن توجه إليه الحكم؛ كقوله تعالى: {هَيْتَ لَكَ} [سورة يوسف: ٢٣]. ٢ ويمكن أن يجاب: بأن "مَن" لا تقتضي التخيير على الدوام، كما قال الله تعالى: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر} [سورة الكهف: ٢٩]، وقال: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ} [سورة التكوير: ٢٨]. وبأن التقدير يحتمل أن يكون: ولمن أراد أن يتم الرضاعة بعد الحولين فله ذلك، ومع الاحتمال بطل الاستدلال. ٢ - قول الله تعالى: {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} [سورة لقمان: ١٤]، وقوله: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} [سورة الأحقاف: ١٥]؛ أي: وفطامه في انقضاء عامين، وترك ذكر الانقضاء اكتفاءً بدلالة الكلام عليه، وإذا انضم إليه أقل الحمل - وهو: ستة أشهر - كان حمل أمه إياه جنينًا في بطنها وفصالها إياه من الرضاع وفطمها إياه شربَ اللبن ثلاثون شهرًا ٣، فذلك جرى مجرى الأخبار المقررة. ٣ - قول الله تعالى: {لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلِدِهَا} [سورة البقرة: ٢٣٣]؛ قال مجاهد: لا تأبى أن ترضعه ا. هـ ٤، كما لا يحل للأب أن يمنع الأم من ذلك. ٥ ٤ - قول الله تعالى ذكره: {وَعَلَى الوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} [سورة البقرة: ٢٣٣]؛ قال غير واحد من السلف: الرضاع ٦، فكان ذلك أمر إيجاب على وارث والدة الرضيع، كما أن
١ ينظر: القرطبي: المصدر السابق، (٣/ ١٦٢، ١٦٣، ١٧١ - ١٧٢). ٢ ينظر: الزمخشري: المصدر السابق، (ص ١٣٥). السمين الحلبي: الدر المصون (٢/ ٤٦٢). ٣ ينظر: ابن جرير: المصدر السابق، (١٨/ ٥٥١، ٢١/ ١٣٨). ٤ ابن جرير: المصدر السابق، (٤/ ٢١٥). ٥ ينظر: القرطبي: المصدر السابق، (٣/ ١٦٧). ٦ ينظر: ابن جرير: المصدر السابق، (٤/ ٢٢٨ - ٢٢٩، ٢٣١).
150 · ص150
نفقة الرضاع واجب على وارث المولود له إن لم يكن للمولود مال ١، وأن تحريم الإضرار - وهو أقرب مذكور - بالأم ومولودها على وارث الأب كذلك ٢، ولا يختلف أهل العلم باللغة العربية أن "ذلك" إشارة إلى الأبعد ٣، فصحت في كل ما تقدمها. ونوقش بما يأتي: أ- إن قول الله تعالى: {وَعَلَى الوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} [سورة البقرة: ٢٣٣] منسوخ. ٤ وأجيب عنه: بأن هذا كلام تشمئز منه قلوب الغافلين، وتحتار فيه ألباب الشاذين، وذلك أن العلماء المتقدمين من الفقهاء والمفسرين كانوا يسمون التخصيص نسخًا؛ لأنه رفع لبعض ما يتناوله العموم مسامحة، وجرى ذلك في ألسنتهم حتى أشكل ذلك على من بعدهم. ٥ ٥ - قول الله تعالى: {وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى} [سورة الطلاق: ٦]؛ فأوجب الله النفقة للمبتوتة التي لا نفقة لها إذا كانت حاملًا، فإذا وضعت وأرضعت كان لها نفقتها في ذلك أيضًا كما يكون لغيرها من المراضع من الأجر؛ فإن تعاسر الرجل والمرأة في رضاع ولدها منه، فامتنعت من رضاعه؛ فلا سبيل له عليها، وليس له إكراهها على رضاعه، ولكنه يستأجر للصبي مرضعة غير أمه البائنة منه ٦، ولو لم يكن الرضاع واجبًا على أم المولود ما ذُكر الحكم في حال الاختلاف والتعاسر في أن أخرى ترضع له عندئذ، ولو كان ثمَّ أجرٌ لكل مرضعٍ بعقد إجارة إزاء ما ولد لها - وهي في عصمة أبي الرضيع - إضافة إلى النفقة المعتادة التي تستحقها في رضاعها؛ ما نص على إيتاء المطلقات ما لهن من أجور إزاء رضاع أولاد من طلقهن؛ قال ابن زيد في تفسير هذه الآية: وهذا بعد
١ ينظر: ابن جرير: المصدر السابق، (٤/ ٢٣٠ - ٢٣١، ٢٣٤). القرطبي: المصدر السابق، (٣/ ١٦٨). ٢ ينظر: القرطبي: المصدر السابق، (٣/ ١٦٨، ١٧٠). ٣ ينظر: ابن حزم: المصدر السابق، (١٠/ ٤٣٨). ٤ ينظر: القرطبي: المصدر السابق، (٣/ ١٦٩). ٥ ينظر: القرطبي: المصدر السابق، (٣/ ١٦٩). ٦ ينظر: ابن جرير: المصدر السابق، (٢٣/ ٦٤ - ٦٥، ٦٧).
→ prev 149–150 / 601 next ←