245 · ص245
الثديَ وامتصاصُه إياه؛ تقول: رضع يرضع رضاعًا ورضاعة، وأما كل ما عدا ذلك؛ فلا يسمى شيء منه إرضاعًا، ولا رضاعة ولا رضاعًا؛ إنما هو حلب وطعام وسقاء، وشرب وأكل وبلع، وحقنة وسعوط وتقطير، ولم يحرم الله عز وجل بهذا شيئًا. ١
ونوقش بما يأتي: أ- إنكم قستم ذلك على الرضاع والإرضاع. ٢
وأجيب عنه: بأن القياس كله باطل، ولو كان القياس حقًّا لكان هذا منه عين الباطل، وبالضرورة يدري كل ذي فهم أن الرضاع من شاة يشبه الرضاع من امرأة؛ لأنهما جميعًا رضاع، والرضاع من الشاة يشبه الرضاع من المرأة أكثر من الرضاع بالحقنة، ومن الرضاع بالسعوط، وأنتم لا تحرمون بغير النساء؛ فلاح تناقضهم في قياسهم الفاسد، وشرعهم بذلك ما لم يأذن به الله عز وجل. ٣
ويمكن أن يناقش الجواب: بقول الله تعالى {وَأُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخْوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ} [سورة النساء: ٢٣]، وغير بني آدم لا يصير لبني آدم أمًّا، ولا أخًا في الجنس، فضلًا عن الرضاعة.
ب - إن قولكم هذا مخالف لما دلت عليه نصوص الشريعة التي تعتبر ما فتق الأمعاء من الألبان محرِّمًا؛ في مثل المرويات الآتية: "إنما الرضاع ما فتق الأمعاء" رواه أصحاب السنن ٤، "إنما الرضاعة من المجاعة" متفق عليه ٥، وهذا يوجد في اللبن الواصل إلى الجوف؛ صبًّا في الحلق، أو التقامًا للثدي، أو غير ذلك، ولعل رضاع سالم - كما في صحيح مسلم ٦ - كان هكذا. ٧
كما يمكن أن يناقش دليلهم بما يأتي: ج- إن هذا تخصيص للحكم الشرعي بالعرف اللغوي، والعرف الشرعي يقدم عليه إذا تعارض معه.
١ ينظر: ابن حزم: المصدر السابق، (١٠/ ٩).
٢ ينظر: ابن حزم: المصدر السابق، (١٠/ ٩).
٣ ينظر: ابن حزم: المصدر السابق، (١٠/ ٩).
٤ تقدم تخريجه عند الضابط السابع من المبحث الثالث في التمهيد.
٥ تقدم تخريجه عند الضابط الثامن من المبحث الثالث في التمهيد.
٦ سيأتي تخريجه في المسألة السادسة من هذا المطلب.
٧ ينظر: المازري: الصدر السابق، (٢/ ١١٠). القاضي عياض: المصدر السابق، (٤/ ٦٤٠).
246 · ص246
- الترجيح: الراجح ثبوت التحريم من الحليب الذي يصب في الجراحة إذا تغذى منه الجسم؛ بحيث يمكنه العيش معه لو لم يطعم سواه، وذلك؛ لعموم النصوص المثبتة للتحريم من لبن الآدمية، ولأن حليب الآدمية إذا وصل إلى الجوف بأي طريق فقد تحقق معنى الغذاء الذي يقع به نشوز العظم ونبات اللحم، وهذا المعنى هو الذي نصبه الشارع سببًا للتحريم؛ كما لو وصل الحليب إلى الجوف بطريق الفم.
- ثمرة الخلاف: ترتب على الخلاف في المسألة الآنفة أثر في الفروع الآتية:
١ - إذا استحدثت جَراحة لإيصال حليب الآدمية بأنبوب إلى معدة الرضيع أو الاثني عشر أو أمعائه الدقيقة ١، وحصل به الغذاء؛ ثبت به التحريم على ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، ولم يثبت به التحريم فيما ذهب إليه أصحاب القول الثاني.
المسألة الثالثة: حقن الحليب من طريق الدبر.
ينصرف إطلاق الفقهاء إزاء الحقن في باب الرضاع إلى الألبان المحقونة من طريق الدبر، وقد اختلف الفقهاء في أثر الحقنة في ثبوت التحريم؛ على ما يأتي:
القول الأول: لا تحرم الحقنة شيئًا.
وبه قال الحنفية ٢، وبعض المالكية؛ كابن القاسم ٣، وهو المذهب عند الشافعية ٤، ومذهب الحنابلة المنصوص عليه ٥ الذي عليه جماهير الأصحاب ٦، وابن حزم ٧.
القول الثاني: تحرم إن كانت غذاءً؛ يعني: أنها تصل إلى محل الغذاء.
وبه قال المالكية ٨، ونسب إلى الشافعي ٩.
١ وهو ما يسمى في الوقت الحاضر بتفميم المعدة، ويمكن أن يفعل بالطفل لإدخال الحليب من خلاله ا. هـ أفدته من حوار شفوي جرى مع الصيدلي زيد العشبان.
٢ ينظر: الجصاص: المصدر السابق، (٥/ ٢٧٣). ابن عابدين: المصدر السابق، (٤/ ٤١٣).
٣ ينظر: القرافي: المصدر السابق، (٤/ ٢٧٥).
٤ ينظر: الشافعي: المصدر السابق، (٦/ ٨٣). النووي: المصدر السابق، (٩/ ٦).
٥ ينظر: ابن قدامة: المصدر السابق، (١١/ ٣١٥). شمس الدين ابن قدامة: المصدر السابق، (٢٤/ ٢٤٣). المرداوي: المصدر السابق، (٢٤/ ٢٤٣). البهوتي: المصدر السابق، (١٣/ ٨٤).
٦ ينظر: المرداوي: المصدر السابق، (٢٤/ ٢٤٣).
٧ ينظر: ابن حزم: المصدر السابق، (١٠/ ٩).
٨ ينظر: القرافي: المصدر السابق، (٤/ ٢٧٤). الحطاب: المصدر السابق، (٤/ ٥٧٥).
٩ ينظر: ابن قدامة: المصدر السابق، (١١/ ٣١٥).