435 · ص435
في يده كسرة خبز، فقالت: هذا يا نبي الله؛ قد فطمته، وقد أكل الطعام، فدفع الصبيَّ إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها. رواه مسلم ١، ولولا وجوب إرضاع الوليد على أمه حتى الفطام؛ ما حكم - عليه الصلاة والسلام - بتأخير إقامة حد الله في المرضع حتى الفطام، ولا نهى عن رجمها؛ في قوله: "لا نرجمها". ٢
فإن قيل: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - رجمها قبل أن تفطمه بعدما كفل رضاعه رجل من الأنصار. ٣
فقد أجيب: بأن حق الولد إذا كان قد روعي وهو جنين؛ فلم ترجم لأجله بالإجماع، فمراعاته إذا خرج للوجود أولى. ٤
وبأن الرواية التي ذكر فيها عدم رجمها حتى فطمت ولدها = أولى؛ لإثباتها حكمًا زائدًا على الرواية الأخرى التي ليس فيها الإنظار لحين الفطام. ٥
والتحقيق أن الرواية التي أوردها مسلم في الأصول - وهي التي كان فيها قول النبي _ صلى الله عليه وسلم _: "لا نرجمها وندع ولدها صغيرًا ليس له من يرضعه"، فقام رجل من الأنصار، فقال: إلي رضاعه يا نبي الله؛ قال: فرجمها -، وإن كانت أصح مما توبعت به؛ إلا أن الدلالة هي هي؛ فإن حق الله تعالى لما أمكن المبادرة بإقامته، مع ما في ذلك من تحقيق مصلحة الغامدية والرفق بها ومساعدتها في تعجيل طهارتها بالحد، على وجه لا يخل بحق الصغير في الرضاع؛ أذن به النبي - صلى الله عليه وسلم - ٦، ولولا كفالة الأنصاري ما رجمها - عليه الصلاة والسلام - حتى ترضعه كما قضى في الحكم الأولي، وذلك مناط بالسياسة الشرعية على ما يقدره الحاكم في إطار سلطته التقديرية.
- سبب الخلاف: يعود سبب الخلاف في هذه المسألة إلى مسائل، منها:
١ تقدم تخريجه في المطلب الثاني للمبحث الثاني من مباحث الفصل الأول.
٢ ينظر: القرافي: المصدر السابق، (٤/ ٢٧١).
٣ ينظر: النووي: شرح صحيح مسلم (١١/ ٢١١).
٤ ينظر: أبو العباس القرطبي: المصدر السابق، (٥/ ٩٧).
٥ المصدر السابق.
٦ ينظر: النووي: المصدر السابق، (١١/ ٢١١).
436 · ص436
١ - من رأى الرضاع على الأم واجبًا مطلقًا - وهو قول عطاء وابن زيد وابن أبي ليلى والحسن بن صالح وأبي ثور ومالك في رواية والظاهرية واختيار أبي العباس ابن تيمية ١ -؛ فالتخريج يقتضي أن يراعي حق الآدمي في الإرضاع أوَّلًا، ومن رآه واجبًا بقيد - وهم الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، مع اختلاف قيوداتهم ٢ -؛ راعى حق الله في الحد عند اندفاع الضرر عن الرضيع بأقرب وسيلة.
المسألة الثالثة: صيام المرضع في رمضان.
صورة المسألة: إذا خافت المرضع على رضيعها؛ فهل لها أن تفطر رعاية لحق الصبي في الرضاع الذي ينشأ من الطعام وأن تقدمه على حق الله تعالى عليها في الصيام؟
تكلم فقهاء الصحابة والتابعين ومن بعدهم في هذه المسألة، وجعلوا ذلك عذرًا للفطر أو مبيحًا، ولو كانت تطيق الصيام.
وممن نقلت عنه الرخصة في ذلك: ابن عباسٍ، وعطاءٌ، وسعيد بن المسيب، ومجاهد، والزهري، والأوزاعي، والحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة، والنخعي، وعكرمة، وسفيان الثوري، ومالك، وأحمد، ومَن خلَفهم من فقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، وجعله الظاهرية واجبًا إن لم يوجد غيرها. ٣
واشترط بعضهم لهذه الرخصة أن لا يكون للرضيع مرضع غيرها، أو أن لا يقبل الرضيع ثدي غيره. الذي جعل فطرها واجبًا.
وكان مستندهم في رخصة الفطر: ما يروى مرفوعًا من حديث أنس بن مالك الكعبي - رضي الله عنها -: "إن الله تعالى وضع شطر الصلاة - زاد أبو داود: أو نصف الصلاة -، والصوم؛ عن المسافر، وعن المرضع أو الحبلى" ٤، ولأنه يلحق المرضع الحرج في رضيعها،
١ ينظر في تفصيل هذه المسألة: المطلب الثاني للمبحث الثاني من مباحث الفصل الأول.
٢ ينظر في تفصيل هذه المسألة: المطلب الثاني للمبحث الثاني من مباحث الفصل الأول.
٣ ينظر في العزو: المطلب الثالث من مطالب المبحث الأول المنعقد في الفصل الأول؛ حيث تقدمت هناك هذه المسألة بتوسع.
٤ تقدم تخريج الحديث في المطلب الثالث من مطالب المبحث الأول المنعقد في الفصل الأول.