← المكتبة ▭ 1 page
النوازل في الرضاع
عبد الله بن يوسف بن عبد الله الأحمد مسائل فقهية
A− A+
71 · ص71
المطلب الثالث أحكام مدرات الحليب الفرع الأول حكم تصنيع مدرات الحليب طلب الشارع الحكيم تحقيق مصلحة الإنسان في كل أحكامه, فشرع له ما فيه النفع, ودفع عنه ما فيه الضرر؛ لكي يتحقق له ما خلق من أجله من الخلافة في الأرض, وإخلاص العبادة فيها لله رب العالمين. وشريعة الله تعالى ما تركت شيئًا من أمور الدين والدنيا إلا وعالجتها, ووضعت لها من الحلول التي ترفع الحرج عن كل الناس، وذلك بالنص عليها صراحة, أو بالنص عليها من خلال القواعد العامة التي يندرج تحتها كل حكم يشترك مع أخيه في علة واحدة, وذلك كقوله تعالى: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [سورة الأعراف: ١٥٧]. وقد جاءت نصوص الشريعة باعتبار المصالح الحقيقية؛ فأذنت أو أمرت بتحصيل أسبابها, وبإلغاء المصالح الوهمية أو المرجوحة؛ فمنعت من فعل أسبابها, وبقي بعد ذلك ما يجِدُّ للناس دون بيان صريح, واكتفت في ذلك بالبيان الجملوي؛ قال الله تعالى: {يَسْئَلُونَكَ مَاذَا أُحِلُّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيبَاتُ} [سورة المائدة: ٤]. وبهذا كانت المصالح ثلاثة أنواع: أولها: نوع اعتبره الشارع. ثانيها: نوع ألغاه الشارع. ثالثها: نوع سكت عنه الشارع, فلم ينص على اعتباره, أو إلغائه. ١ وبناء على ذلك؛ فإن الأصل في تصنيع مدرات الحليب المعاصرة الحل والإباحة؛ ما لم يغلب ضررها على نفعها، فإن الحكم حالتئذ يدور مع علته وجودًا وعدمًا. وإذا احتاج إليها فئام من المسلمين، أو توقفت عليها حياة بعض الرُّضَّع في ظل هيمنة الحياة المدنية الحديثة؛ صار تصنيعها وتوفيرها من الواجبات الكفائية.
72 · ص72
الفرع الثاني حكم تعاطي مدرات الحليب إذا لم يوجد للأم لبن، فقد أجاز بعض الباحثين تناول مدرات نزول اللبن لإرضاعه ٢، وكان المستند في ذلك أن في تركها إرضاعَه وحضانته هلاكًا محقَّقًا للطفل، وما يخشى من تبعة الهرمونات التي تتضمنها المدرات غير محقق الهلاك، فيدفع أكبر الضررين. ٣ فإن ثبت أن لنوعٍ ما من المدرات الصناعية للحليب ضررًا في بعض مكوناته؛ بسبب زيادة نسبة الهرمونات الصناعية مثلًا عن القدر المعتدل، وكان هذا الضرر أعظم فسادًا من الفساد المترتب على تخلف المصلحة المظنونة؛ فإنه لا يحل تعاطي مدرات الحليب حينئذ، ولا يحل للطبيب أو الصيدلي صرفها أو وصفها للمُعالِج ٤؛ لما يأتي: ١ - قول الله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [سورة البقرة: ١٩٥]، فنهى الله تعالى عن الإلقاء بأيدينا لما فيه هلاكنا، والاستسلام للهلكة. ٥ ٢ - قول الله تعالى: {وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا} [سورة طه: ١١]، وقال سبحانه وبحمده في الحديث القدسي: "يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي؛ فلا تظالموا" ٦،
١ ينظر: المحصول في علم أصول الفقه (٤/ ١٤٧١). د. جلال الدين عبدالرحمن: غاية الوصول إلى علم الأصول (ص ٢١). د. عادل الصاوي: المصدر السابق, (ص ٢٧ - ٣١). ٢ ينظر: د. عادل الصاوي: المصدر السابق, (ص ٤٠٩). ٣ ينظر: د. عادل الصاوي: المصدر السابق, (ص ٤٠٩). ٤ ينظر: د. عادل الصاوي: المصدر السابق, (ص ٦٣). ٥ ابن جرير: المصدر السابق، (٣/ ٣٢٥). ٦ ينظر: مسلم: المصدر السابق، (كتاب البر والصلة وتحريم الصلة - باب في تحريم الظلم والقصاص والأمر بالاستغفار والتوبة - ٦/ ٤٤٠)، برقم (٢٦٦٠)؛ من طريق الدارمي، عن مروان الدمشقي، عن سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر؛ به مرفوعًا.
→ prev 71–72 / 601 next ←