1297 · ص356 · ج3
وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَمَاتَتْ قَبْلَ تَمَامِ طَالِقٌ لَمْ يَقَعْ أَوْ بَعْدَهُ قَبْلَ ثَلَاثاً فَثَلَاثٌ، وَقِيلَ وَاحِدَةٌ، وَقِيلَ لَا شَيْءَ
نعلم به رشيا كما لو قال أنت طالق بعدد كل شعرة على جسد إبليس فالقياس المختار وقوع طلقة، وليس هذا تعليقا على صفة فيقال شككنا فيها بل هو تنجيز طلاق وربط للعدد بشيء شككنا فيه فنوقع أصل الطلاق ونلغي العدد فإن الواحدة ليست بعدد، ولو قال بعدد ضراط إبليس وقع ثلاث; لأن له ذلك بالحديث. ولو قال بعدد سمك هذا الحوض ولم يعلم فيه سمك وقعت واحدة كما في أنت طالق وزن درهم، أي أو ألف درهم ولم ينو عددا. ولو قال بعدد شعر فلان وكان مات من مدة وشك أكان له شعر في حياته أم لا وقع ثلاث؛ لاستحالة خلو الإنسان عادة عن ثلاث شعرات. ولو خاصمته زوجته فأخذ بيده عصاً فقال هي طالق ثلاثا مريدا العصا وقعن ولا يقبل باطنا ١، ولا ينافيه ما رجحه في الروضة فيمن له امرأتان فقال مشيرا إلى إحداهما امرأتي طالق وقال أردت الأخرى من طلاق الأخرى وحدها; لأنه لم يخرج الطلاق هنا عن موضوعه بخلافه ثَمَّ. (ولو أراد أن يقول أنت طالق ثلاثا فماتت) أو ارتدت أو أسلمت قبل الوطء أو أمسك شخص فاه (قبل تمام طالق) أو معه (لم يقع)؛ لخروجها عن محل الطلاق قبل تمامه، وظاهرٌ أن إمساكه اختيارا قبل النطق بقاف طالق كذلك فلا يقع طلاق (أو) مات مثلا (بعده قبل) قوله (ثلاثا) أو معه (فثلاث) يقعن عليه؛ لقصده لهن حين تلفظه بـ ((أنت طالق))، وقصدهن حينئذ موقع لهن وإن لم يتلفظ بهن، وبه يعلم أن الصورة أنه نوى الثلاث عند تلفظه بـ ((أنت طالق)) وإنما قصد تحقيق ذلك بالتلفظ بالثلاث، فإن لم ينوهن عند أنت طالق وإنما قصد أنه إذا تم نواهن عند التلفظ بلفظهن وقعت واحدة فقط. ولو قصدهن بمجموع أنت طالق ثلاثا وقعت واحدة; لأن الثلاث والحالة هذه إنما تقع بمجموع اللفظ ولم يتم (وقيل) يقع (واحدة)؛ لوقوع ثلاثا بعد موتها (وقيل لا شيء)؛ إذ الكلام الواحد لا يتبعض. وخرج بقوله أراد إلى آخره ما لو قاله عازما على الاقتصار عليه ثم قال ثلاثا بعد موتها فواحدة.
١. خلافا للشهاب الرملي وشرح الروض.
1298 · ص356 · ج4
وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: لَمْ أُرِدْ بِهِ الْيَمِينَ. وَمَا انْصَرَفَ إلَيْهِ سُبْحَانَهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ كَالرَّحِيمِ، وَالخَالِقِ، وَالرَّازِقِ، وَالرَّبِّ تَنْعَقِدُ بِهِ الْيَمِينُ إلَّا أَنْ يُرِيدَ غَيْرَهُ. وَمَا اُسْتُعْمِلَ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ سَوَاءٌ: كَالشَّيْءِ وَالمَوْجُودِ وَالْعَالِمِ وَالحَيِّ لَيْسَ بِيَمِينٍ إلَّا بِنِيَّةِ، وَالصِّفَةُ كَوَعَظَمَةِ اللهِ وَعِزَّتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ وَكَلَامِهِ وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ يَمِينٌ،
حلف بمخلوق كره إلا إن قصد تعظيمه كتعظيم الله فيكفر، ويحرم الحلف بما لا حرمة له كالطلاق، نعم للمحتسب التحليف بالطلاق دون القاضي، بل يعزله الإمام به.
[تنبيه] لا تنعقد ١ اليمين الغموس وهي أن يحلف على ماض كاذبا عامدا; لأن الحنث اقترن بها ظاهرا وكذا باطنا على الأصح، (ولا يقبل) ظاهرا ولا باطنا ٢ (قوله لم أرد به اليمين) يعني لم أرد بما سبق من الأسماء والصفات الله تعالى; لأنها نص في معناها لا تحتمل غيره. أما لو قال في نحو بالله أو والله لأفعلن أردت بها غير اليمين كبالله أو والله المستعان أو وثقت أو استعنت بالله، ثم ابتدأت بقولي لأفعلن فإنه يقبل ظاهرا لكن بالنسبة لحق الله تعالى دون طلاق وإيلاء وعتق فلا يقبل ظاهرا؛ لتعلق حق الغير به، (وما انصرف إليه سبحانه عند الإطلاق) غالبا وإلى غيره بالتقييد (كالرحيم والخالق والرازق) والمصور والجبار والمتكبر والحق والقاهر والقادر (والرب تنعقد به اليمين) ; لانصراف الإطلاق إليه تعالى، وأل فيها للكمال (إلا أن يريد) بها (غيره) تعالى بأن أراده تعالى أو أطلق بخلاف ما لو أراد بها غيره; لأنه قد يستعمل في ذلك كرحيم القلب وخالق الكذب. (وما استعمل فيه وفي غيره) تعالى (سواء كالشيء والموجود والعالِم والحي) والسميع والبصير والعليم والحليم والغني (ليس بيمين إلا بنية) بأن أراده تعالى بها بخلاف ما إذا أراد بها غيره أو أطلق; لأنها لَمَّا أطلقت عليهما سواء أشبهت الكنايات والاشتراك إنما يمنع الحرمة والتعظيم عند عدم النية. ولا تنعقد بالجناب الرفيع وإن نوى به الله؛ لاستحالة ذلك عليه.
(و) الثاني ويختص من الصفات بما لا شركة فيه وهو (الصفة) الذاتية وهي (كوعظمة الله وعزته وكبريائه وكلامه وعلمه وقدرته ومشيئته) وإرادته، والفرض أنه أتى بالظاهر بدل الضمير في الكل (يمين) وإن أطلق; لأنه تعالى لَمَّا لم يَزَل موصوفا بها أشبهت أسماءه المختصة به.
١. هذا ظاهر الشارح خلافا للمغني وشرح الروض والشهاب الرملي.
٢. قيد المغني والروض مع شرحه ذلك بما إذا لم تكن هناك قرينه تدل على قصده اليمين وإلا لم يصدق ظاهرا.