703 · ص330 · ج1
قال الكلبي: "مالت أبصارهم إلا من النظر إليهم" ١.
وقال الفراء: "زاغت عن كل شيء، فلم تلتفت إلا إلى عدوها متحيّرة تنظر إليه" ٢.
قلت: القلب إذا امتلأ رعبًا شغله ذلك عن ملاحظة ما سوى المَخُوف، فزاغ البصر عن الوقوع عليه وهو مقابِلُه.
فصل
وأما الخذلان، فقال تعالى: {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ} [آل عمران: ١٦٠]، وأصل الخذلان: الترك والتخلية، ويقال للبقرة والشاة إذا تخلّفت مع ولدها في المرعى، وتركت صواحباتها: خَذُول.
قال محمد بن إسحاق في هذه الآية: "إن ينصرك الله فلا غالب لك من الناس، ولن يضرك خذلان من خذلك، وإن يخذلك فلن ينصرك الناس، أي: لا تترك أمري للناس، وارفضِ الناسَ لأمري" ٣.
فالخذلان أن يخلّي الله تعالى بين العبد وبين نفسه ويكله إليها، والتوفيق ضده: أن لا يدعه ونفسه ولا يكله إليها، بل يصنع له ويلطف به، ويعينه ويدفع عنه، ويكلؤه كلاءة الوالد الشفيق للولد العاجز عن نفسه، فمن خلّى بينه وبين نفسه، فقد هلك كل الهلاك.
١ نسبه إليه في "البسيط" (١٨/ ١٨٦).
٢ "معاني القرآن" (٢/ ٣٣٦).
٣ أسنده ابن المنذر في "التفسير" (١١٢٣)، وانظر: "سيرة ابن هشام" (٣/ ١٥٩).