53 · ص27 · جالكتاب
عَقْدُ الأربعين وما زاد
أخبرنا أبو القاسم الحريرىّ ١، قال: أنبأنا أبو طالب العُشارِيّ ٢، قال: أنبأنا أبو بكر البَرْقانىّ، قال: حدَّثنا إبراهيم بن محمد المُزَكِّى، قال: حدَّثنا محمد بن إسحاق السَّرَّاج، قال: حدَّثنا الحسنُ بن عرفة، قال: حدَّثنا علىُّ بن ثابت، عن عَمرو بن شِمر، عن أبى سِنان، عن شَهْر، عن عُبادة ابن الصَّامِت، قال: جاء جبريلُ إلى النبىِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال: "يُؤْمَرُ الحافظانِ أنِ ارْفُقا بعَبْدِى فى حَداثةِ سِنِّه، فإذا بلغ الأربعين قال: احفَظا وحَقِّقا" ٣ فكان أبو سنانٍ ٤ إذا ذكر هذا الحديثَ قال: حين كَبِرت السِّنُّ ودَقَّ العَظْمُ وقَعَ التَّحفُّظُ. فلا يزال يبكى حتى يَبُلَّ لِحْيتَه.
أخبرنا سلمانُ بن مسعود، قال: أنبأنا أبو الحسين بن عبد الجَبَّار، قال: أنبأنا أبو طالب محمد بن علىّ البَيضاويّ، قال: أنبأنا أبو عُمر بن حَيُّوية، قال: أنبأنا عُمر بن سعد القَراطِيسىّ، والحُسَين بن صَفْوان، قالا: أنبأنا أبو بكر القُرشىُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن أبى بَدْر، قال: حدَّثنا داوُد بن المُحَبِّر، عن عَنْبَسة بن عبد الرحمن القُرشىّ، عن عِكرمة بن خالد المَخْزومىّ، عن أم سلمةَ، قالت: قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: "إن ٥ جبريلَ عليه
١ هو الشيخ الرابع من شيوخ المصنِّف. انظر مشيخته ص ٦١.
٢ العُشارى، بضم العين، وهو لقب جَدّ أبى طالب؛ لأنه كان طويلًا. اللباب ٢/ ١٣٧.
٣ اللآلئ المصنوعة ١/ ٣٠٨ (كتاب المبتدا).
٤ أبو سِنانٍ هذا: هو ضِرار بن مُرَّة الكوفى، قال عنه أحمد بن حنبل: كوفيٌّ ثَبتٌ، وقال النسائيُّ: كوفىٌّ ثقة. وكان مشهورًا بكثرة البكاء. مات سنة ١٣٢. حلية الأولياء ٥/ ٩١، وصِفة الصفوة ٣/ ١١٥، وتهذيب الكمال ١٣/ ٣٠٨.
٥ لم أجده فى مسند أم سلمة رضى الله عنها، من الجامع الكبير للسيوطى، الذى نشره الدكتور محمد غوث الندوى، ضمن "مسانيد أمهات المؤمنين" الدار السلفية بالهند ١٤٠٣ هـ = ١٩٨٣ م، كما لم أجده فى كتابٍ آخر.
54 · ص28 · جتقديم
الأعيان، وفى الحديث من الحُفَّاظ، وفى التاريخ من المتوسِّعين، ولديه فقهٌ كافٍ" ١.
وقد عَلَتْ شهرةُ ابن الجوزى فى الوعظ والتذكير، وقد حضر بعضَ مجالسِه فى الوعظ الرحَّالة ابن جُبَير، المتوفى سنة ٦١٤، وقد وصف مجلسًا من مجالسه فى شهر صفر سنة ٥٨٠، فقال: "ثم شاهدنا صبيحة يوم السبت بعده مجلس الشيخ الفقيه الإمام الأوحد جمال الدين أبى الفضائل بن على الجوزىّ. . . . فشاهَدْنا مجلسَ رجل ليس من عمرٍو ولا زيد، وفى جوف الفراكلُّ الصَّيد، آية الزمان، وقُرَّة عين الإيمان، رئيس الحنبليّة، والمخصوص فى العلوم بالرُّتَب العليّة. . . . ومن أبهر آياته، وأكبر معجزاته، أنه يصعد المنبر، ويبتدئ القُرّاء بالقرآن، وعددُهم نيِّف على العشرين قارئًا، فينتزع الاثنان منهم أو الثلاثة آيةً من القراءة يتلونها على نَسَقٍ بتطريب وتشويق، فإذا فرغوا تلت طائفة أُخرى على عددهم آيةً ثانية، ولا يزالون يتناوبون آياتٍ من سُورٍ مختلفات، إلى أن يتكاملوا قراءة، وقد أتَوْا بآيات مشتبهات، لا يكاد المتّقد الخاطر يحصّلها عددًا، أو يُسمّيها نَسَقًا.
فإذا فرغُوا أخذ هذا الإمام الغريب الشأن فى إيراد خُطبته، عَجِلًا مُبتَدِرًا، وأفرغ فى أصداف الأسماع من ألفاظه دُرَرًا، وانتظم أوائل الآيات المقروءات فى أثناء خُطبته فِقَرًا، وأتى بها كل نَسَق القراءة لها، لا مقدِّمًا ولا مؤخّرًا. ثم أكمل الخطبة على قافيةِ آخِرِ آية منها.
فلو أنَّ أبْدَعَ مَن فى مجلسِه تكلَّف تسمية ما قرأ القُرّاءُ آيةً على الترتيب لَعَجِزَ عن ذلك، فكيف بمَنْ ينتظمها مُرتَجلًا، ويُورد الخُطبةَ الغَرَّاء بها عَجِلًا! {أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ} [الطور: ١٥] {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ} [النمل: ١٦]- فحدِّثْ ولا حَرَج عن البحر، وهَيْهات، ليس الخَبَر عنه كالخُبْر.
١ سير أعلام النبلاء ٢١/ ٣٧٧.