2309 · ص149 · ج4
وقال ابنُ وَهْبٍ، عن مالكٍ: لستُ آخُذُ بقولِ ابنِ شهابٍ في دُخولِ الإنسانِ مكةَ بغيرِ إحرام. وكَرِه ذلك، وقال: إنّما يكونُ ذلك على مثل ما عَمِل عبدُ الله بنُ عمرَ مِن القُرْبِ ١، إلّا رجلًا يأتي بالفاكِهَةِ مِن الطائفِ، أو يَنْقُلُ الحَطَبَ يبيعُه، فلا أرى بذلك بأسًا. قيل له: ورُجوعُ ابنِ عمرَ مِن قُدَيْدٍ إلى مكةَ بغيرِ إحرام؟ فقال: ذلك أنّه جاءَه خَبَرٌ مِن جُيُوشِ المدينة ٢.
وقال إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضي: كَرِه أكثرُ أهلِ العلم أن يَدْخُلَ أحَدٌ مكةَ إلّا مُحْرِمًا، ورَخَّصوا ٣ للحَطَّابين ومَن أشْبَهَهم ممَّن يكثرُ اختِلافُه إلى مكةَ، ورُخِّص أيضًا لمَن خرَج مِن مكةَ يُريدُ بَلْدَةً، ثم بَدا له أن يرجِعَ، كما صنَع عبدُ الله بنُ عمرَ. قال: وأمّا مَن نَزَع مِن مَوْضِعِه إلى مكةَ في تجارَةٍ أو غيرِها، فلا يَنْبَغي أن يَدْخُلَها إلّا محرِمًا؛ لأنّه يأتي الحرَمَ، فيَنْبغي له أن يُحرِمَ لدُخولِه إيّاه. قال: وممَّا يُؤكِّدُ ذلك أنَّ رجلًا لو جَعَل على نَفْسِه ٤ مشيًا إلى مكةَ ٥ لوَجَب عليه أن يدخُلَها محُرِمًا بحجٍّ أو عمرةٍ.
قال: وأمّا حديثُ الزهريّ، عن أنسٍ، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- دخَلَ عامَ الفَتْح مكةَ وعلى رَأسِه المِغْفَرُ، فإنَّ هذه، واللّهُ أعلمُ، حالُ خُصُوصٍ؛ لأنّه أُحِلَّتْ له مكةُ بعضَ ذلك اليوم، فلم يكنْ لإحرامِه وجْهٌ، لأنّها كانت حلالًا له ساعَةً،
١ يعني: قُربه من مكّة، لِمَا رويَ عنه رضي الله عنهما أنه كان قد خرج من مكّة إلى المدينة، فلمّا بلغ قُدَيدًا بلغَه خبرُ الفتنة، فرجع فدخل مكّة بغير إحرام. (ينظر: البيان والتحصيل لابن رشد ٤/ ٧١)، وما سيأتي مرويًّا عنه في الآتي من الشرح قريبًا.
٢ تنظر جملة هذه الأقوال المرويّة عن مالك في: المدوّنة ١/ ٤٠٥.
٣ في ج: "وأرخصوا".
٤ في د: "بنفسه".
٥ "مكة" لم ترد في د ١.