4987 · ص316 · ج10
اللَّه عزَّ وجلَّ، وجَهْلًا بلطيفِ حِكْمتِهِ؛ لأنَّهُ يُنزِلُ الماءَ متى شاءَ، مرّة بنَوءِ كذا، ومرّةً دُونَ النَّوءِ، وكثيرًا ما يخوى ١ النَّوءُ، فلا ينزِلُ معهُ شيءٌ من الماءِ، وذلك من اللَّه، لا من النَّوءِ.
وكذلك كان أبو هريرةَ يقولُ، إذا أصبحَ وقد مُطِر: مُطِرنا بنوءِ الفَتْح، ثُمَّ يتلُو: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا} ٢ الآيةَ [فاطر: ٢]. وهذا عِندي نحوُ قولِ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مُطِرنا بفَضْلِ اللَّه وبرَحمتِهِ".
ومن هذا قولُ عُمرَ بن الخطّابِ للعبّاسِ بن عبدِ المُطَّلِبِ، حينَ اسْتَسقى به: يا عمَّ رسُولِ اللَّه، كَمْ بقي من نوءِ الثُّريّا؟ فقال العبّاسُ: العُلماءُ بها يزعُمُونَ أنَّها تَعْترِضُ في الأُفُقِ سبعًا ٣. فكأنَّ عُمرَ، رحِمهُ اللَّه، قد علِمَ أنَّ نوءَ الثُّريّا وقَتٌ يُرجَى فيه المطرُ ويُؤَمَّلُ، فسألهُ عنهُ: أخرَجَ، أم بَقِيت منهُ بقيّةٌ؟
ورُوِي عنِ الحسنِ البصريِّ، أنَّهُ سمِعَ رجُلًا يقولُ: طلَعَ سُهَيلٌ، وبرَدَ اللَّيلُ. فكرِهَ ذلك، وقال: إنَّ سُهَيلًا لم يأتِ قَطّ بحرٍّ ولا بَردٍ.
وكرِهَ مالكُ بن أنَسٍ أن يقول الرَّجُلُ للغَيْم والسَّحابةِ: ما أخْلقَها للمَطَرِ ٤.
وهذا من قولِ مالكٍ، مع رِوايتِهِ: "إذا أنشأت ٥ بَحريّةٌ" ٦ يَدُلُّ على أنَّ
١ في د ٤، ف ٣: "يجري". والخاوية: أي الخالية، كما قال تعالى: {وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} [البقرة: ٢٥٩] أي: خالية. وخوت الدار، وخويت: خلت من أهلها، وأرض خاوية: خالية من أهلها، وقد تكون خاوية من المطر. انظر: لسان العرب ١٤/ ٢٤٥.
٢ أخرجه في الموطأ ١/ ٢٦٧ (٥١٨).
٣ أخرجه الحميدي (٩٧٩)، والطبري في تفسيره ٢٣/ ١٥٥، والبيهقي في الكبرى ٣/ ٣٥٩.
٤ انظر: الاستذكار ٢/ ٤٣٧.
٥ قال القاضي عياض في مشارق الأنوار ٢/ ٢٨: "يقال: نشأت السحابة تنشأ إذا ابتدأت بالارتفاع، وأنشأت: بدأت بالمطر".
٦ أخرجه في الموطأ ١/ ٢٦٧ (٥١٧).