← المكتبة ▭ صفحة واحدة
التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار
ابن عبد البر شروح الحديث 463 هـ
A− A+
595 · ص42 · ج2
أمّا قولُه - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث إذ ذكَر رمضانَ: "لا تصوموا حتى تروا الهلالَ"، فالصّيامُ لاسمِه معنيان: أحدُهما لُغويٌّ، والآخرُ شرعيٌّ تعبَّدَ الله به عبادَه. فأمَّا معنَى الصيامِ في اللُّغة، فمعناه الإمساكُ عمّا كان يصنعُه الإنسانُ من حركةٍ، أو كلام، أو أكل، أو شُرب، أو مشي، ونحو ذلك من سائر الحركات، فإذا أمسَكَ عمَّا كان يصنَعُه سُمِّي صائمًا في اللغة، وليس ذلك معنى الصِّيامِ المأمورِ به المسلمون في القرآنِ والسُّنَّة. والدَّليلُ على أنَّ الإمساكَ يُسمَّى صومًا قولُ الله عزَّ وجلَّ حاكيًا عن مريم: {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا} [مريم: ٢٦]، أي: إمساكًا عن الكلام. وقال المفسِّرونَ: أي: صمتًا. وتقولُ العربُ: خيلٌ صائمةٌ: إذا كانت واقفةً دونَ أكلٍ ولا رعي. قال النابغةُ ١: خيلٌ صيامٌ وخيلٌ غيرُ صائمةٍ ... تحت العَجَاج وخيلٌ تعلُكُ اللَّجُما يقولُ: خيلٌ مُمسكةٌ عن الأكل، وخيلٌ آكلةٌ. وقال امرُؤُ القيس ٢: فدعْها وسلِّ الهَمَّ عنك بجسرةٍ ... ذَمولٍ إذا صامَ النهارُ وهجَّرا ٣ ومعناه: إذا أمسكَتِ الشمسُ عن الجري، واستوَتْ في كبدِ السَّماءِ.
= وأخرجه الشافعي في السنن المأثورة (٣٤١)، ومن طريقه الطحاوي في مشكل الآثار (٣٧٦٤)، والحميدي (٥١٣)، والدارمي (١٦٨٦)، والنسائي في المجتبى ٤/ ١٣٥ وفي الكبرى (٢٤٤٦)، من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار، به. وأخرجه عبد الرزاق (٧٣٠٢)، ومن طريقه أحمد ٥/ ٤٣١ (٣٤٧٤)، وابن الجارود (٣٧٥) عن ابن جريج عن عمرو بن دينار، به. ١ قوله: "قال النابغة" استدركها ناسخ الأصل في الحاشية، والبيت في الكامل للمبرد ٣/ ٦٧ وغيره. ٢ ديوانه، ص ٦٣. ٣ في م: "وسجرا" بالسين المهملة، ولا تبعد في المعنى والقصد، ولكن الأصوب ما أثبتناه من الأصل، وهو الذي في الديوان وكامل المبرد ٣/ ٦٧ وسواهما من كتب الأدب.
596 · ص42 · ج3
عليها من الليلِ قَدْرَ ما تُصلِّي أرْبَعَ رَكَعاتٍ، ثلاثًا للمغربِ ورَكْعةً من العشاءِ، صَلَّت المغربَ والعشاءَ، وإن لم يَبْقَ عليها إلّا ما تُصلِّي فيه ثلاثَ رَكَعاتٍ، صَلَّتِ العشاءَ. ذكَرَه أشهَبُ، وابن عبدِ الحكَمِ، وابن القاسمِ، وابن وهبٍ، عن مالكٍ ١. قال أشْهَبُ: وسئِل مالكٌ عن النَّصْرانيِّ يُسْلِمُ، والمُغْمَى عليه يُفِيقُ، أهما مثلُ الحائضِ تَطْهُرُ؟ قال: نعم، يَقْضِي كلُّ واحدٍ منهما ما لم يَفُتْ وقتُه، وما فات وقتُه لم يَقْضِه ٢. قال ابن وَهْبٍ: سألتُ مالكًا عن المرأةِ تَنْسَى وتَغْفُلُ عن صلاةِ الظهرِ، فلا تُصَلِّيها حتى تَغْشَاها الحَيْضَةُ قبلَ غروبِ الشمسِ؟ فقال مالكٌ: لا أرَى عليها قضاءً، إلا أن تَحيضَ بعدَ غروبِ الشمسِ، فإن حاضَتْ بعدَ غروبِ الشمسِ ٣، ولم تكنْ صَلَّتِ الظهرَ والعصرَ، رأيتُ عليها القضاءَ. وقال مالكٌ: إذا طَهُرَت قبلَ غروبِ الشمسِ، فاشْتَغلَتْ بالغُسْلِ، فلم تَزَلْ مجتهدةً حتى غَرَبَتِ الشمسُ، لا أَرَى أن تُصَلِّيَ شيئًا مِن صلاةِ النهارِ. وقال: المرأةُ الطَّاهِرُ تَنْسَى الظهرَ والعصرَ حتى تَصفَرَّ الشمسُ ثم تَحيضُ: فليس عليها قضاؤُهما، فإنْ لم تَحِضْ حتى غابتِ الشمسُ فعليها القضاءُ، ناسيةً كانت أو متعمِّدةً. قال مالكٌ: إذا رَأَتِ الطُّهْرَ عند الغروبِ، فأَرَى أن تَغْتَسِلَ، فإنْ فرَغَتْ مِن غُسْلِها قبلَ غروبِ الشمسِ، فإن كان فيما أدْرَكَتْ ما تُصلِّي الظهرَ ورَكْعةً من العصرِ، فَلْتُصَلِّ الظهرَ والعصرَ، وإن كان الذي بَقِيَ من النهارِ ليس فيه إلا قَدْرُ صلاةٍ واحدةٍ، صَلَّتِ العصرَ، وإن لم يَكُنْ بَقِيَ من النهارِ
١ ينظر متن الرسالة لأبي محمد عبد الله بن زيد القيرواني ص ٤١، والبيان والتحصيل لابن رشد القرطبي ٢/ ١٧٠. ٢ ونقل نحوه عن مالك ابن القاسم في المدوَّنة ١/ ١٣٨، وإليه عزاه ابن رشد القرطبي في البيان والتحصيل ٢/ ١٦٥. ٣ قوله: "فإن حاضت بعد غروب الشمس" سقط من الأصل وم، كأنه قفز نظر.