← المكتبة ▭ صفحة واحدة
عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين - ط عطاءات العلم
ابن القيم الرقائق والآداب والأذكار 751 هـ
A− A+
261 · ص214 · ج1
الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (١١١)} [المؤمنون: ١١١]، فجعل فوزهم جزاء صبرهم وقوله تعالى: {وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: ٢٤٩] ولا شيء يعدل معيته لعبده، كما قال بعض العارفين: "ذهب الصابرون بخير الدنيا والآخرة لأنهم نالوا معية اللَّه" ١. وقوله: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} [الطور: ٤٨]، وهذا يتضمن الحراسة والكلاءة والحفظ للصابر لحكمه، وقد وعد الصابرين بثلاثة أشياء كل واحد منها خير من الدنيا وما عليها وهي: صلوات اللَّه تعالى عليهم، ورحمته لهم، وتخصيصهم بالهداية في قوله تعالى: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)} [البقرة: ١٥٧] وهذا مفهم لحصر الهدى فيهم. وأخبر أن الصبر من عزم الأمور في آيتين من كتابه، وأمر رسوله أن يتشبه بصبر أولي العزم من الرسل، وقد تقدم ذكر ذلك ٢. قالوا: وقد دلَّ الدليل على أن الزهد في الدنيا والتقلل منها ما أمكن أفضل من الاستكثار منها، والزهد فيها حال الصابر، والاستكثار منها حال الشاكر. قالوا: وقد سُئل المسيح صلوات اللَّه وسلامه عليه عن رجلين مرّا بكنز فتخطاه أحدهما، ولم يلتفت إليه، وأخذه الآخر وأنفقه في طاعة اللَّه عز وجل أيهما أفضل؟ فقال: الذي لم يلتفت إليه وأعرض عنه أفضل عند اللَّه ٣.
١ سبق من قول أبي على الدقاق ص (٨٥). ٢ انظر ص (٥٩ - ٦٠). ٣ انظر هذا الأثر أيضًا في: "فيض القدير" (٢/ ٥٠).
262 · ص215 · ج1
قالوا: ويدل على صحة هذا أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عرضت عليه مفاتيح كنوز الأرض فلم يأخذها، وقال: "بل أجوع يومًا، وأشبع يومًا" ١. ولو أخذها لأنفقها كلها في مرضاة اللَّه عز وجل وطاعته، فآثر مقام الصبر عنها والزهد فيها. قالوا: وقد عُلم أن الكمال الإنساني في ثلاثة أمور: علوم يعرفها، وأعمال يعمل بها، وأحوال تُرتب له على علومه وأعماله. وأفضل العلم والعمل والحال العلم باللَّه وأسمائه وصفاته وأفعاله، والعمل بمرضاته، وانجذاب القلب إليه بالحب والخوف والرجاء، فهذا أشرف ما في الدنيا وجزاؤه أشرف ما في الآخرة. وأجل المقاصد معرفة اللَّه عز وجل ومحبته، والأنس بقربه، والشوق إلى لقائه، والتنعم بذكره، وهذا أجلّ سعادة الدنيا والآخرة، وهذا هو الغاية التي تطلب لذاتها. وإنما يشعر العبد تمام الشعور بأن ذلك عين السعادة إذا انكشف له الغطاء وفارق الدنيا ودخل الآخرة، وإلا فهو في الدنيا وإن شعر بذلك بعض الشعور فليس شعوره به كاملًا، للمعارضات التي عليه والمحن التي امتحن بها، وإلا فليست السعادة في الحقيقة سوى ذلك. وكل العلوم والمعارف تبع لهذه المعرفة، مرادة لأجلها، وتفاوت العلوم في فضلها بحسب قرب إفضائها إلى هذه المعرفة وبُعدِه، فكل
١ رواه الترمذي في "جامعه" رقم (٢٣٤٧) عن أبي أمامة عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "عرض عليّ ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبًا. قلت: لا يا ربّ ولكن أشبع يومًا وأجوع يومًا" الحديث. وقال: "حديث حسن".