← المكتبة ▭▭ صفحتان
أبو الطيب المتنبي وماله وما عليه - الثعالبي - ت عبد الحميد
عبد الملك بن محمد بن إسماعيل أبو منصور الثعالبي النيسابوري الأدب والبلاغة
A− A+
6
أبو الطيب المتنبي يعقل أن رجلا نشأ على حفظ اللغة واستظهار غربها حتى رويت عنه في ذلك الأعاجيب ، وكان يتنقل فى البوادى ليتلقطها من أفواه الأعراب - تجد القرآن بين يديه وهو كتاب لغة وأسلوب وفكر . فوق أنه كتاب هداية وخلق وآداب، ثم لا يقرؤه ليتأسى به ويتقيل أساليبه ويتخذ من اطراد منطقه وإحكام الحجة فيه منهجا لنفسه ؟! ونحن نذكر لعلى بن حمزة أن أبا الطيب قد قرأ القرآن وفهمه ، ونذكر له مما يشير إلى ذلك قوله من قصيدة يمدح فيها كافورا : كأن كل سؤال في مسامعه قميص يوسف في أجفان يعقوب وقوله من قصيدة يمدح فيها محمد بن زريق الطرسوسي : لو كان ذو القرنين أعمل رأيه لما أتى الظلمات صرن شموسا أو كان لحج البحر مثل يمينه ما انشق حتى جاز فيه موسى فأما ما ذكروه من استخفافه بالأنبياء ، واستصغاره شأنهم، وعدم مبالاته بأصول العقيدة - فقد رأينا فيها جمعناه من كلام أبي الطيب مما هو متصل بهذه . المسألة أن بعض ما ذكروه أهون من أن يؤبه له كقوله : ما مقامى بأرض نخلة إلا كمقام المسيح بين اليهود وكقوله : أنا في أمة تداركها الله غريب كصالح في نمود و أى شىء فى أن يشبه نفسه وهو يقيم بين قوم يعتقد أنهم أعداؤه بالمسيح عليه السلام حين أقام بين اليهود ؟ وأى شيء في أن يدل على أن بقاءه بين قوم لا تجانس بينه وبينهم غربة تشبه اغتراب صالح عليه السلام إذ كان بعيش في وسط لا يرون رأيه ؟