5
!
و من البديهي ان من كان فى ذكاء الجاحظ وفطنته الغريزية وحبه استطلاع الأشياء والبحث عن الجليل مها والحقير ، ويشاهد عياناً ما يجلب الى العراق من أطراف البلاد وما يصدر منه الى سائر الآفاق الجدير أن يفيدنا بكل حذق وتدقيق عن الأحجار الكريمة والأعلاق النفيسة والطرائف الثمينة والرياش الغالية وعن ماهيتها وأثمانها في عصره ، على أنه لم يكتف مجرد ذكر المتاجر ومصادرها بل لم
زاد فى البيان فنبه على المعمول من الجواهر واليواقيت ، والمغشوش من العطور والعقاقير ، وفرق بين العالى منها والمتوسط والردى فأضاف الى الخبرة التفنن والى المعرفة التبصر ، وهو عين موضوع كتابه « التبصر بالتجارة » الذي ننشره اليوم . فلا عجب حينئذ أن اشتملت هذه الرسالة على فوائد جمة تهم أرباب الصناعة والتجارة كما تفيد المشتغلين بعلم الاقتصاد والباحثين عن علائق العالم الاسلامي زمن غزارة حضارته وعنفوان تمدنه مع بقية المالك
وهى لعمرى إفادة ذات شأن ، ترشدنا إلى ما وصلت إليه عواصم الاسلام الكبرى - لا سيما بغداد - من التبحر في العمران وتوسع سكانها في وسائل البذخ والترف . ما جعل تجارها في حاجة إلى توريد نتائج أطراف المعمورة وان تعدت وركوب الأخطار والمشاق في سبيل استجلابها و بدل النفس والنفيس في اقتنائها إجابة لرغبة الأغنياء وتسديداً لشره النساء إما لتأثيث القصور أو لزينة
عمدتنا
ربات الخدور ! نعم ! وضع المعتنون بتقويم البلدان من أبناء العربية تأليف عديدة هي الآن في معرفة العلائق التجارية قديماً وما احتص به كل صقع من أنواع النتائج منهم ابن الفقيه الهمداني ، و ابن رسته الأصبهاني ، وأبو زيد البلخي ، والاصطخرى، و ابن حوقل ، وابن الشارى المقدسى وغيرهم من كبار الجغرافيين وأصحاب الرحلات ،