← المكتبة ▭▭ 2 pages
إرشاد العقل السليم - أبو السعود - ط دار إحياء التراث العربي 1-9
محمد بن محمد العمادي أبو السعود التفاسير
A− A+
4
وأنه مقدمة الكتاب بألطف إشارة ، لكن الإستدلال بتلك الآيات والدلائل والإستشهاد بتيك الأمارات والمخايل والتنبيه لتلك الإشارات السرية والتفطن لمعانى تلك العبارات العبقرية وما فى تضاعيفها من رموز أسرار القضاء والقدر وكنوز آثار التعاجيب والعبر مما لا يطيق به عقول البشر إلا بتوفيق خلاق القوى والقدر فإذن مدار المراد ليس إلا كلام رب العباد إذ هو المظهر التفاصيل الشعائر الدينية والمفسر لمشكلات الآيات التكوينية ، والكاشف عن خفايا حظائر القدس والمطلع على خبايا سرائر الأنس وبه تكتسب الملكات الفاخرة وبه يتوصل إلى سعادة الدنيا والآخرة كما وأنه أيضاً من علو الشأن وسمو المكان ونهاية الغموض والإعضال وصعوبة المأخذو عزة المنال في غاية الغايات القاصية ونهاية النهايات النائية أعز من بيض الأنوق وأبعد من مناط العيوق لا يتسنى العروج إلى معارجه الرفيعة ولا يتأتى الرقي إلى مدارجه المنيعة كيف لا مع كونه متضمناً لدقائق العلوم النظرية والعملية ومنطوياً على دقائق الفنون الخفية والجلية حاوياً لتفاصيل الأحكام الشرعية ومحيطاً بمناط الدلائل الأصلية والفرعية منبتاً عن أسرار الحقائق والنعوت مخبراً بأطوار الملك والملكوت عليه يدور فلك الأوامر والنواهى وإليه يستند معرفة الأشياء كما هي قد نسج على أغرب منوال وأبدع طراز واحتجبت طلعته بسبحات الإعجاز طويت حقائقه الأبية عن العقول وزويت دقائقه الخفية عن أذهان الفحول يرد عيون العقول سبحانه ويخطف أبصار البصائر بريقه ولمعانه . ولقد تصدى لتفسير غوامض مشكلاته أساطين أئمة التفسير فى كل عصر من الأعصار وتولى لتيسير عويضات معضلاته سلاطين أسرة التقرير والتحرير فى كل قطر من الأقطار فغاصوا في لججه وخاضوا في ثبجه فنظموا فرائده في سلك التحرير وأبرزوا فوائده في معرض التقرير وصنفوا كتباً جليلة الأقدار وألفوا زبراً جميلة الآثار . أما المتقدمون المحققون فاقتصروا على تمهيد المعانى وتشييد المباني و تبيين المرام وترتيب الأحكام · حسبما بلغهم من سيد الأنام عليه شرائف التحية والسلام وأما المتأخرون المدققون فراموا مع ذلك إظهار مزاياه الرائقة وإبداء خباياه الفائقة ليعاين الناس دلائل إعجازه ويشاهدوا شواهد فضله وامتيازه عن سائر الكتب الكريمة الربانية والزبر العظيمة السبحانية فدونوا أسفاراً بارعة جامعة لفنون المحاسن الرائعة يتضمن كل منها فوائد شريفة تقر بها عيون الأعيان وعوائد لطيفة يتشنف بها آذان الأذهان لا سيما الكشاف وأنوار التنزيل المتفردان بالشأن الجليل والنعت الجميل فإن كلا منهما قد أحرز قصب السبق أى إحراز كأنه مرآة لاجتلاء وجه الإعجاز صحائفهما مرايا المزايا الحسان وسطورهما عقود الجمان وقلائد العقيان ولقد كان فى سوابق الأيام وسوالف الدهور والأعوام أو ان اشتغالى بمطالعتهما وممارستهما وزمان انتصابي لمفاوضتهما ومدارستهما يدور في خلدى على استمرار آناء الليل وأطراف النهار أن أنظم درر فوائدهما في سمط دقيق وأرتب غرر فرائدهما على ترتيب أنيق وأضيف إليها ما ألفيته فى تضاعيف الكتب الفاخرة من جواهر الحقائق وصادفته في أصداف العيالم الزاخرة من زواهر الدقائق وأسلك خلالها بطريق الترصيع على نسق أنيق وأسلوب بديع حسبها يقتضيه جلالة شأن التنزيل ويستدعيه جزالة نظمه الجليل ماسنح الفكر العليل بالعناية الربانية وسمح به
→ prev 4 / 2544 next ←