3
فإني لما تأملت مذاهب القدماء المعتبرين ، والعلماء المتقدمين والمتأخرين واختبرت مذاهبهم وآراءهم ، ولحظت مطالبهم وأبحاثهم ، رأيت مذهب الشافعي رضي الله عنه وأرضاه أسدها وأقومها ، وأرشدها وأحكمها، حتى كان نظره في كبر آرائه، ومعظم أبحاثه ، يترقى عن حد الظن والتخمين ، إلى درجة الحق واليقين
ولم أجد لذلك سبباً أقوى ، وأوضح وأوفى ، من تطبيقه مذهبه
على كتاب الله تعالى ، الذي
لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل
حكيم حميد ( )
(1)
وأنه أتيح له درك غوامض معانيه ، والغوص على تيار بحره لاستخراج
،
ما فيه ، وأن الله فتح عليه من أبوابه ويسر عليه من أسبابه ورفع له من حجابه ، ما لم يسهل لمن سواه ، ولم يتأت لمن عداه ، فكان على ما أخبر الله تعالى عن ذي القرنين في قوله
6
) مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبَاً و آتيناه من كل شيء سببا ، فأتبع سببا ) (٢) ولما رأيت الأمر كذلك ، أردت أن أصنف في أحكام القرآن كتاباً أشرح فيه ما انتزعه الشافعي رضي الله عنه ، من أخذ الدلائل في غوامض المسائل، وضممت إليه ما نسجته على منواله ، واحتذيت فيه على مثاله ، على قدر طاقتي وجهدي ، ومبلغ وسعي وجدي ، ورأيت بعض من عجز عن إدراك مستلكاته (۳) فهمه ، ولم يصل إلى أغراض معانيه سهمه ، جعل عجزه عن فهم معانيه ، سبباً للقدح في معاليه ، ولم يعلم أن الدر
(1) سورة فصلت آية ٤٢
(۲) سورة الكهف آية ٨٤
(۳) طريق الاستدلال ووسائل الاستنباط التي يسلكها و
Ao