← المكتبة ▭▭ صفحتان
أسرار ترتيب القرآن - السيوطي - ت عطا - ط الإعتصام
جلال الدين السيوطي علوم القرآن
A− A+
11
ولعل هذا المعنى العظيم هو الذي يفسر لنا الحوافز التي شرعها الله تعالى الحفاظ القرآن ، والتالين له فى مختلف الاوقات لا سيما قرآن الفجر المشهود ، حيث يصل الانسان في هذا الوقت الى درجة عليا من الصفاء الذي يهييء لمن يصاحب القرآن فيه فهما لا يمكن أن يتيسر في وقت آخر حتى لقد شجع النبي صلى الله علية وسلم من يقرأ القرآن بلا فهم تذرعا الى دفعه الى درجة من الفهم فيما بعد ، وكذلك من تشق عليهم القراءة تدريبا لهم على أن يألفوا القرآن فتسهل عليهم قراءته ، ثم فهمه وتدبره وكان القرآن شرطا لصحة الصلاة ، وأفضل ما يتقرب به العبد إلى ربه ، الى آخر هو مسطور في السنة النبوية المشرقة ما وخامسة الدلائل على عظمة القرآن : أن اجماع أهله حجة على الناس جميعا في مختلف العصور ، ولم يمنح الله تلك الصفة على المستوى العالمي لأمة غير أمة القرآن ، وما كانت عظمة تلك الأمة على هذه الصورة العجيبة الا من عظمة دستورها : كتاب الله الحكيم . والذي يتصل بالقرآن من دلائل حجية اجماع المسلمين على العالم قول الله تعالى : ( الله ولى الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات الى النور ) . ولا خروج الى النور الا بالقرآن ، فاذا أجمعوا على باطل كانت نتيجة اجماعهم اما بقاء الناس في الظلمات ، واما اعادة الناس من النور الى الظلمات ، وهو ما يشهد التاريخ بخلافه ، اذ أن أمة القرآن بقيادة رسولهم صلى الله عليه وسلم ومن بعده من الأئمة جاهدوا الناس لانقاذهم من شؤم الظلام الى وضح النور وما زال اجماعهم هكذا في مجال الرأى والفكر والاستنباط " وحينما أعطى الله تعالى أمة القرآن سلطان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان ذلك سلطانا من الله تعالى لهم أن يصيبوا الحق فيما كان معروفا أو منكرا عند الله حينما يجمعون على أحدهما أو عليهما معا أو يختلفون فلا يعدوهم الحق . وكذلك يقول الله تعالى عن أمة القرآن : ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ! . فالوسط : من يرتضى قوله . والشاهد : من يكون قوله حجة في مجلس القضاء للفصل في الخصومات ، وهو ايذان بأن الحق لا يعدوهم مجتمعين أو مختلفين • وهذه الصفة وان كانت لأمة القرآن فانما اكتسبوها من القرآن ، فلولا أن القرآن مهيمن على جميع الكتب ورسوله شاهد على شهداء الأمم كلها ، وفيصل بين الحق الذي هو من عند الله وبين باطل تلك الأمم ، لما كان لأهله تلك ، ولا تلك العظمة المستمدة من القرآن على مستوى العالم كله في الصفة