← المكتبة
▭▭ صفحتان
إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان - ابن قيم الجوزية - ت الفقي - ط دار المعرفة
A−
A+
31
توحيد الربوبية الذي قرره علماء الكلام لا يكفي في الايمان
1
ومعافاة أبدانهم ، وبشتر عوراتهم ، وتأمين روعاتهم ، بل حاجتهم إلى تأليهه ومحبته وعبوديته أعظم ، فإن ذلك هو الغاية المقصودة لهم ، ولا صلاح لهم ولا نعيم ولا فلاح ولا لذة ولا سعادة بدون ذلك بحال ، ولهذا كانت « لا إله إلا الله : أحسن الحسنات ، وكان توحيد الإلهية رأس الأمر ، وأما توحيد الربوبية الذي أقر به المسلم والكافر، وقرره أهل الكلام في كتبهم ، فلا يكفى وحده ، بل هو الحجة عليهم ، كما بين ذلك سبحانه في كتابه الكريم في عدة مواضع ، ولهذا كان حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً ، كما في الحديث الصحيح الذي رواه معاذ بن جبل رضى الله عنه عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال «أتدرى ماحق الله على عباده ؟ قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : حقه على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً ، أتدرى ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك ؟ قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : حقهم عليه أن لا يعذبهم بالنار (۱) ) ولذلك يحب سبحانه عباده المؤمنين الموحدين ويفرح بتو بتهم ، كما أن في ذلك أعظم لذة العبد وسعادته ونعيمه ، فليس في الكائنات شيء غير عز وجل يسكن القلب إليه ، ويطمئن به ويأنس به ، ويتنعم بالتوجه إليه ، ومن عبد غيره سبحانه وحصل له به نوع منفعة ولذة ، فمضرته بذلك أضعاف أضعاف منفعته ، وهو بمنزلة أكل الطعام المسموم اللذيذ ، وكما أن السموات والأرض لو كان فيهما آلهة غيره سبحانه لفسدتا ، كما قال تعالى : ((۲۱) : (۲۲) لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِمَة إِلا اللَّهُ لَفَسَدَنَا ) فكذلك القلب إذا كان فيه معبود غير الله تعالى فسد فساداً لا يرجى صلاحه إلا بأن يخرج ذلك المعبود منه ، ويكون الله تعالى وحده الله ومعبوده الذى يحبه ويرجوه ، و يخافه و يتوكل عليه وينيب إليه . الوجه الثالث : أن فقر العبد إلى أن يعبد الله سبحانه وحده لا يشرك به شيئاً ليس له
الله
،
نظير فيقاس به ، لكن يشبه من بعض الوجوه حاجة الجسد إلى الغذاء والشراب والنفس فيقاس بها ، لكن بينهما فروق كثيرة ، فإن حقيقة العبد قلبه وروحه ، ولا صلاح له إلا بالهه الحق الذي لا إله إلا هو ، فلا يطمئن إلا بذكره ، ولا يسكن إلا بمعرفته وحبه ، وهو كادح إليه كدها فملاقيه ، ولا بدله من لقائه ، ولا صلاح له إلا بتوحيد محبته وعبادته وخوفه ورجائه ، ولو حصل له من اللذات والسرور بغيره ما حصل فلا يدوم له ذلك ، بل ينتقل من نوع إلى نوع ، ومن شخص إلى شخص ويتنعم بهذا في حال وبهذا في حال ، وكثيراً ما يكون ذلك
)) رواه البخاري ومسلم