← المكتبة ▭▭ صفحتان
إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان - ابن قيم الجوزية - ت الفقي - ط دار المعرفة
شمس الدين ابو عبدالله محمد بن ابي بكر بن ايوب بن سعد ابن قيم الجوزية كتب ابن القيم
A− A+
42
الله محسن أبدا إلى عبده وهو الغنى الحميد ٤١ وسعادته وفلاحه في عبادة الله تعالى والاستعانة به ، وهلاكه وشقاؤه وضرره العاجل والآجل في عبادة المخلوق والاستعانة به الوجه الثامن : أن الله سبحانه غنى كريم ، عزيز رحيم . فهو محسن إلى عبده مع غناه عنه ، يريد به الخير ، ويكشف عنه الضر ، لا لجلب منفعة إليه من العبد ، ولا لدفع مضرة ، بل رحمة منه وإحسانا . فهو سبحانه لم يخلق خلقه ليتكثر بهم من قلة ، ولا ليعتز بهم من بهم من ذلة ، ولا ليرزقوه ولا لينفعوه ، ولا ليدفعوا عنه ، كما قال تعالى : ( « ٥١ : ٥٦ » وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ ( ٥٧ » مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمون « ٥٨ » إن اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ المتينُ ) وقال تعالى : ( ۱۷۵ : ۱۱۱) وَقُلِ الْحَمدُ لِلهِ الَّذِي لَم يَتَّخِذ ولدا ولم يَكُنْ لَهُ شَرِيك في المُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيُّ مِنَ الدُّلَ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا ) فهو سبحانه لا يوالى من يواليه من الذل ، كما يوالى المخلوق المخلوق ، وإنما يوالى أولياءه إحسانا ورحمة ومحبة لهم . وأما العباد فإنهم كما قال تعالى ( ٤٧ : ٣٨) وَاللهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاء ) فهم لفقرهم وحاجتهم إنما يحسن بعضهم إلى بعض لحاجته إلى ذلك وانتفاعه به عاجلا أو آجلا ولولا تصور ذلك النفع لما أحسن إليه . فهو في الحقيقة إنما أراد الإحسان إلى نفسه ، وجعل إحسانه إلى غيره وسيلة وطريقا إلى وصول نفع ذلك الإحسان إليه . فإنه إما أن يحسن إليه لتوقع جزائه في العاجل ، فهو محتاج إلى ذلك الجزاء ، أو معاوضة بإحسانه ، أو لتوقع حمده وشكره ، وهو أيضاً إنما يحسن إليه ليحصل منه ما هو محتاج إليه من الثناء والمدح ، فهو محسن إلى نفسه بإحسانه إلى الغير، وإما أن يريد الجزاء من الله تعالى في الآخرة ، فهو أيضاً محسن إلى نفسه بذلك ، وإنما أخر جزاءه إلى يوم فقره وفاقته ، فهوغير ملوم في هذا القصد ، فإنه فقير محتاج ، وفقره وحاجته أمر لازم له من لوازم ذاته ، فكماله أن يحرص على ما ينفعه ولا يعجز عنه ، وقال تعالى : ((۷:۱۷ » إن أَحْسَنَهُ أَحْسَتُم لِأَنْفُسِكُمْ ) ، وقال : (۲٥ : ۲۷۲ » وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ) ، وقال تعالى ، فيما رواه عنه رسوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم : « يا عبادي إنكم لن تبلغوا نفعى فتنفعونى ، ولن تبلغوا ضرى فتضروني ؛ ياعبادي ، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ، ثم أوفيكم ) إياها ، فمن وجد خيراً فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه (۱) رواه مسلم والترمذي وابن ماجه عن أبي ذر رضي الله عنه في حديثه الطويل «< (1)