← المكتبة ▭▭ صفحتان
الوابل الصيب من الكلم الطيب - ابن القيم - ت عوض - ط الريان
شمس الدين محمد بن ابو بكر ابن قيم الجوزية كتب ابن القيم
A− A+
19
فيتحدث به فينتقل من ديوان السر إلى ديوان العلانية ثم يصير في ذلك الديوان على حسب العلانية فإن تحدث به للسمعة وطلب الجاه والمنزلة عند غير الله تعالى أبطله كما لو فعله لذلك(۱) فإن قيل : فإذا تاب هذا هل يعود إليه ثواب العمل ؟ قيل : إن كان قد عمله لغير الله تعالى وأوقعه بهذه النية فإنه لا ينقلب صالحا بالتوبة ، بل حسب التوبة أن تمحو عنه عقابه فيصير لا له ولا عليه. وإما أن عمله لله تعالى خالصا ثم عرض له عجب ورياء أو تحدث به ثم تاب من ذلك وندم فهذا قد يعود له ثواب عمله ولا يحبط . وقد يقال : إنه لا يعود إليه بل يستأنف العمل والمسألة مبنية على أصل ، وهو أن الردة هل تحبط العمل بمجردها أو لا يحبطه إلا · الموت عليها ؟ فيه للعلماء قولان مشهوران وهما روايتان عن الإمام أحمد رضي الله عنه . فإن قلنا تحبط العمل بنفسها فمتى أستلم استأنف العمل وبطل ما كان قد عمل قبل الاسلام. وإن قلنا لا يحبط العمل إلا إذا مات مرتدا ، فمتى عاد إلى الاسلام عاد إليه ثواب عمله (۲)) . وهكذا العبد إذا فعل حسنة ثم فعل سيئة تحبطها ثم تاب من تلك السيئة هل يعود إليه ثواب تلك الحسنة المتقدمة ؟ يخرج على هذا الاصل . ولم يزل في نفسي من هذه المسألة ولم أزل حريصا على الصواب فيها وما رأيت أحدا شفي فيها ، والذي يظهر - والله تعالى أعلم وبه المستعان ولا قوة إلا به ـ ان الحسنات والسئات تتدافع وتتقابل ويكون الحكم فيها للغالب وهو يقهر المغلوبون ويكون الحكم له حتى كان المغلوب لم يكن ، فإذا غلبت على العبد الحسنات رفعت حسناته الكثيرة سيئاته ، ومتى تاب من السيئة ترتب على توبته منها حسنات كثيرة قد تربى وتزيد على الحسنة التي حبطت بالسيئة ، فإذا عزمت التوبة وصحت ونشأت من صميم القلب أحرقت ما مرت عليه من السيئات (۱) قال المنذري وردي عن أبي الدرداء او عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وساقا حديثا ثم قال أظن موقوفا والله أعلم (۲) وهذا ما نرجو أن الصواب بجانبه أن شاء الله تعالى ، وهو أولى لفاعل الحسنة ثم اردفها بسيئة تحبطها ثم تاب عن ذلك والله أعلم ۲۲