553 · ص555
ومن سورة الفلق
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه: الفَلَقُ: الصَّبحُ، والفَرَقُ مثله، وقيل الفَلَقُ: جُبٌّ فِيْ جَهَنَّم و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} قيل: وادٍ فِيْ جَهَنَّم نعوذ بالله مِنْهُ {وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ} اللَّيل إِذَا دَخَلَ بظُلمته، وقيل: القَمَرُ.
وقولُه تَعَالى: {وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ}.
اتَّفق القُرَّاءُ عَلَى تشديد الفاء عَلَى فعّالات وإنّما ذكرته؛ لأنَّ عبدَ اللهِ بن القاسم مولى أَبي بَكْر قَرَأَ: «ومِنْ شَرّ النّفِثاتِ» فنافثة ونافثات مثل ساحرة، وساحرات، وهو يدل عَلَى المرة الواحدة، فإذا شددته دل عَلَى التكرير، والتَّكثير مثل ساحرٍ وسحَّارٍ، والنفاثات السَّواحر: بنات لبيد بْن الأعصم كن سحرن رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فجُعل سحره في جف طلع أيب: فِيْ قشر طلع فِيْ رَاعُوْفَةِ بئرٍ، وهي صَخْرَةٌ يقومُ عليها الماتِحُ إِذَا دَخَل البئر، وكان السّحر وترًا فِيهِ إحدى عَشْرَةَ عُقدَة، واشَتَكى رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شكوى شَديدةً فبينا هُوَ كذلك إذ أتاه مَلَكَان فَجَلَسَ أحدهما عند رأسه، والآخر عند رجليه، فَقَالَ أحدهما لصاحبه: ما علّته، قَالَ: به طب، أيب:
سحرٌ، قَالَ: مَنْ طَبَّه، قَالَ: بناتُ لَبيد، قَالَ: وأينَ ذَلِكَ، قَالَ: فِيْ جُفِّ طلعةٍ تحتَ رَاعُوفة بئرِ بني فلان، فانتَبَه رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وبَعَثَ عليًّا كرم اللَّه وجهه وعمَّارًا فاستخرجا السِّحر. وأنزلَ اللَّه تَعالى المعوذتين وهما إحدى عشرةَ آية عَلَى عَدَدِ العُقد، وكلما تلوا آية انحلَّت عقدة ووجد رَسُول اللَّه خفّةً حَتَّى حلُّوا العقد فقام رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كأنما أُنشط من عِقَالٍ، وأمر بالتَّعوذ، والتَّبرك بهما وكان كثيرَ ما يعوِذ بهما سبطيه الحسن والحسين سيدي شباب أهلِ الجَنَّة.
وقولُه تَعَالى: {وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ}.
اتَّفقَ القُرَّاءُ عَلَى فتح الحاء من «حَاسِدٍ» وإنما ذكرتُه لأنَّ ابنَ مُجاهدٍ حَدَّثَنِي عنْ الحمَّال، عنْ أَحْمَد بْن يَزيْدٍ، عنْ روح، عنْ أَحْمَد بْن مُوسَى، عنْ أَبِي عَمْرٍو «مِنْ شَرِّ حًاسدٍ» بالِإمالة من أجل كسرة السين قَدْ ذكرت العلة فِيْ إمالة كلِّ فاعلٍ، وجوازه وامتناع الِإمالة إِذَا كَانَ فِيهِ حرفٌ مُسْتَعْلٍ.
554 · ص556
ومن سورة النَّاس
قَرَأَ الكِسَائِيّ وحده فِيْ رواية أبي عُمَر: «بِرَبِّ النَّاسِ» بالِإمالة.
وقرأ الباقون بالتَّفخيم، فمَن أمال فمن أجلِ كسرةِ السّين مثل النار، ومَنْ فَتَحَ فعلى الَأصلِ؛ لأنَّ الأصلَ فِيْ النَّاس النيس أَوْ النّوس فصارت الواو والياء ألفًا لانفتاح ما قبلهما.
وقال آخرون: الأصلُ النسى فجعل لام الفعل ياء من نسيت، قَالَ: ثُمَّ قدموا وأخروا كما قَالَ عاث وعثا.
وقولُه تَعَالى: {مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ}.
بفتح الواو؛ إجمال لأنَّ الوسواسَ اسمُ الشَّيطان، وهو الغَرورَُ والخَنَّاسُ، والجَانُّ، والعفريتُ، والجلانُ، والبلانُ، والعطبُ، والدلسُ، والدلامنُ، والخيتعورُ، والشّيصبانُ، والمهذبُ، والشيطانُ، واللَّعِينُ، والموسوسُ، والأزنيبُ، والسَّفيهُ، قيل فِيْ قولُه تَعَالى: {أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا} قَالَ: السَّفِيْهُ: إبليس، والوَسْوَاسُ: صوتُ حلى النِّساء أيضًا وأنشدَ:
تَسْمَعُ الحَلْي وَسْوَاْسًا إِذَا انْصَرَفَتْ ... كَما اسْتَغَاث برِيْحٍ عشْرِقٍ زَجِلُ
فأمَّا الوِسْوَاسُ بكسرِ الواو فمصدر وَسْوَسَ يُوَسْوِسُ وَسْوَسَةً ووِسْواسًا {فِيْ صُدُوْرِ النَّاسِ} والنَّاسُ جنّهم وأنسهم والناس يقع عَلَى الجِنّ والِإنس رأيت ناسًا من الجنّ، وناسًا من بني آدم، وَيُقَال لمن لا خير فِيهِ: نَسْنَاسٌ. وحدثنا عن ابن حميد، قال حدثنا سلمة، قَالَ: حَدَّثَنَا المُبارك بْن الأزهر، عنْ شريك بن عَبْد اللَّه بْن أَبِي نمر، عنْ صالح مولى التوأمة، عنْ ابْنُ عَبَّاس، قَالَ: إن من الملائكة قبيلًا يُقال لهم: الجن. فكان إبليس يوسوس ما بين السّماء والأرض فمسخه اللَّه شيطانًا.
وحدثنا عن ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاق، قَالَ:
النِّسْنَاسُ: خلقٌ باليَمن لأحدهم يدٌ ورجلٌ، وعينٌ واحدُ ينقر، أي: يقفز قفزًا، أهل اليمن يصطادونهم فخرج قومٌ فِيْ صيدٍ فرأوا ثلاثةً منهم فأدركوا واحدًا فعقروه، وذَبَحُوْهُ، وتوارى اثنان فِيْ الشَّجر، فَقَالَ: اذبحه فإنه سمين، قَالَ: ويقول أحد الاثنين: أكل ضرو، والضرو: شجرٌ، فدخلوا شجر الزيتون فأخذوا الثَّاني فذبحوه فَقَالَ