81 · ص82 · ج5 ب
ومن قيل فيه ذلك، فحديثه صالحٌ للاعتبار، فإن انضم إليه مثله كان الحديث حسنًا. [ص ١٠١] انظر "فتح المغيث" ١ (ص ٢٤).
هذا لو فُرِض أنه لم يوثِّق أبا الزبير أحدٌ، فأما إذا وُثِّق ــ وهو الواقع ــ تعين الترجيح.
أما قول شعبة: "رأيته يزن ويسترجح في الميزان" فذلك وإن كان ينافي كمال المروءة، فليس بجرح.
قال ابن حبان ٢: ومن استرجح في الوزن لنفسه، لم يستحق الترك.
وأما كلمته الثانية فلم تصح؛ لأنها من رواية سويد بن عبد العزيز، وهو ضعيف.
وأما قصته الثالثة؛ فالافتراء حقيقته مطلق الكذب، وظاهر السياق أنه سبَّه، والافتراء إذا أُطلق في حكاية السبّ، فالظاهر أنه أُرِيد به القذف.
وجوابه:
١ - أن الافتراء ليس نصًّا في القذف، فقد يُراد به مطلق السب، ولاسيما إذا كان شنيع اللفظ، كالإعضاض.
[ص ١٠٢] فعليه، فقد يكون السائل أساء الأدب، فأعضَّه أبو الزبير، وقد جاء في الحديث: "من تعزَّى بعزاء الجاهلية، فأعِضُّوه بِهَنِ أبيه، ولا تكنوا" ٣.
١ (١/ ٨٣).
٢ في "الثقات": (٥/ ٣٥٢).
٣ أخرجه أحمد رقم (٢١٢١٨)، والنسائي في "الكبرى" رقم (٨٨١٣)، والبخاري في "الأدب المفرد" رقم (١٠٠٠)، وابن حبان رقم (٣١٥٣)، وغيرهم من حديث أبي بن كعب رضي الله عنه. وانظر "السلسلة الصحيحة" (٢٦٩).
82 · ص83 · ج5 ب
٢ - وعلى تسليم أن شعبة أراد بها القذف، فلم يبين لفظ أبي الزبير، فيحتمل أنه قال كلمة يراها شعبة قذفًا، وغيره لا يوافقه، ولهذا قال الفقهاء: إذا قال الشاهد: أشهد أن فلانًا قذف فلانًا؛ لم يقبل حتى يفسّر.
ولا يَرِدُ على هذا قول شعبة: فقلت له: أتفتري .. إلخ.
وسكوت أبي الزبير عن نفي ذلك؛ لأن شعبة قد يكون إنما قال له: أتقول هذا لرجل مسلم؟ ثم أخبر شعبة عن ذلك بالمعنى على رأيه. أو يكون أبو الزبير ترك نفي ذلك؛ لأنه على كل حال قد جرى منه شيءٌ غير لائق، فرأى الأولى المبادرة إلى الاعتذار، بأنها كلمة سبقت على لسانه لشدة الغضب.
٣ - وعلى تسليم أنه قذفه قذفًا صريحًا، فقد يكون أبو الزبير مطلعًا على أن ذلك هو الواقع، وسكت عن ذكر ذلك لشعبة؛ لأنه على كل حال مما لا يليق، وإنما سبق أولًا على لسانه لشدة الغضب، ورأى أن هذا العذر كافٍ.
ويُسْتأنس لما ذُكِر أنه لو كان القذف صريحًا، والمقذوف سالمًا لذهب فشكاه إلى الوالي، والحدود يومئذٍ قائمة.
٤ - وعلى كل حال، فقد أجاب أبو الزبير عن نفسه [ص ١٠٣] بقوله: "إنه أغضبني". أي: فلشدة الغضب جرت على لسانه ــ وهو لا يشعر ــ كلمة مما اعتاد الناسُ النطقَ به.