← المكتبة ▭ صفحة واحدة
لباب التفاسير للكرماني (ناقص)
أبو القاسم الكرماني التفسير 532 هـ
A− A+
3003 · ص2943
وذكر بعض المفسرين في هذه الآية: أن خبرَ الواحد العدل يجبُ العملُ به؛ لأنَّ الله تعالى أمر بالتثبُّت في خبر الفاسق، ولو تثبّتنا في خبر العدل لسويّنا بينهما. وذهب بعضهم إلى أنَّ الوليدَ كان ثقةً عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصار فاسقاً بكذبه، فخبر الواحد متردِّدٌ حتَّى يُخبر آخرُ بمثله. وقيل: إنَّ الوليدَ لم يقصد الكذبَ؛ لأنه ظنَّ لمّا اجتمعوا لإكرامه أنْ يكونوا همُّوا بقتله (١). {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ}: أي: فلا تقولوا الباطلَ فإنَّ الله يخبره. وقيل: معناه: وفيكم رسول الله والرأي معه. {لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ}: لنالكم المكروهُ، أي: لو عمل برأيكم لكان يُخطئُ في أفعاله، كما لو قبل (٢) من الوليد فَقَتَلَ وقَتَلْتُم، وأخذ المال وأخذتم. {لَعَنِتُّمْ}: لأثمتم. وقيل: معناه: لو فعل جميعَ ما تختارون (٣) وتريدون لنَالَكم ضررٌ. وقيل: لغويتم. وقيل: لهلكتم. وقيل: لنالكم شدة. وقوله: {لَوْ يُطِيعُكُمْ}: جاء على الأصل؛ لأنَّ الطاعةَ موافقةُ الدَّاعي، غير أنَّ المستعملَ في حق الأكبر الإجابةُ، وفي حق الأدون الطاعةُ. {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ} قيل (٤): بنصب الأدلة. وقيل: حسّنه وزيَّنه بتوفيقه له. وقيل: بما وعد عليه من النصر والفتح في الدنيا، والجنة والنعيم في الأخرى. والمعنى: لكنَّ اللهَ حببَ إليكم الإيمانَ فأطعتموه فوقاكم الله العنَتَ. {وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ}: أي: قبّحه. وقيل: بما أوعد عليه العذابَ في الدنيا والآخرة. {وَالْفُسُوقَ}: وهو (٥) الكذب والخروج من أمر الله وارتكاب الكبائر. وقيل: الفسوق الكبائر {وَالْعِصْيَانَ}: الصغائر. {أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧)}: الذين قد أصابوا طريقَ الحق ولم يَضِلوا عن الهدى. {فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً}: مفعول له، أي: حبَّبَ وكرَّه للفضل والنعمة. وقيل: نصب على المصدر. {وَاللَّهُ عَلِيمٌ}: بخلقه {حَكِيمٌ (٨)}: في تدبيره. {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا}: في الصحيحين عن أنس - رضي الله عنه - أنه قال: قيل: لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يا نبَّي الله لو أتيتَ عبدَ الله بنَ أُبيّ فانطلق إليه (٦) رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - على حمار، وانطلق المسلمون يمشون، وهي أرض سبِخةٌ، فلما أتاه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - راث حمارُه، فقال عبد الله (٧): إليك عنّي، فوالله لقد آذاني نتنُ روثِ (٨) حمارِك، فقال رجلٌ من الأنصار: والله لروثُ حمار (٩) رسول الله أطيبُ ريحاً منك فغضب لعبد الله رجلٌ من قومه، وغضب لكلّ واحدٍ منهما
(١) انظر: أحكام القرآن؛ للجصَّاص (٣/ ٥٢٩)، غرائب التفسير (٢/ ١١٢٢)، المحرر الوجيز (٥/ ١٤٧)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٢٢٣). (٢) في (ب) " كما لو قيل ". (٣) في (ب) " يختارون ". (٤) " قيل " ساقطة (أ). (٥) " وهو " ساقطة (أ). (٦) في (ب) " فانطلق به ". (٧) " عبد الله " ساقطة (ب). (٨) " روث " ساقطة (أ). (٩) في (أ) " والله لحمار ".
3004 · ص2944
أصحابُه، فكان بينهما (١) حربٌ بالجريد والأيدي والنِّعَال، فأنزلت فيهم: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} ٢) وعن (٣) سعيد بن جبير: أنَّ الأوسَ (٤) والخزرجَ (٥) كان بينهما حرب في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (٦) بالسَّعف والنعال، فترلت فيهم هذه الآية (٧). قتادة: نزلتْ في رجلين اختصما في مالٍ، فجرّ قومُ المدّعِي المدّعَى عليه، فجاء قومُ المدّعَى عليه فمنعوه، فوقع بينهم قتالٌ بالأيدي والنعال (٨). وقيل: ابتداؤه من امرأةٍ من الأنصار، يقال لها: أمّ زيدٍ (٩) بغضت زوجَها، فأرادت أنْ تلحق بأهلها، فجعلها في غُرفةٍ له، وأمر أهلَه أنْ يحتفظوا بها، وخرج إلى حاجةٍ، فأرسلتْ إلى أهلها،
(١) في (أ) " بينهم " (أ). (٢) أخرجه البخاري (بنحوه) في صحيحه في كتاب الصلح، باب: ما جاء في الإصلاح بين الناس، برقم (٢٦٩١)، ومسلم في كتاب الجهاد والسِّير، باب: في دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم -، وصبره على أذى المنافقين، برقم (٤٦٣٧)، كلاهما عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -، وانظر: أسباب النزول؛ للواحدي (ص: ٣٢٤). (٣) في (أ) " عن ". (٤) الأوس: وهم بطن من الأنصار، ينتسبون إلى أوس بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر، من بني مزيقياء، من الأزد، من كهلان، تحول بنوه من اليمن إلى المدينة، وجاء الإسلام وهم فيها، وتفرعت عنهم بطون متعددة، وكان صنمهم في الجاهلية " مناة " منصوباً بفدك مما يلي ساحل البحر، يشاركهم فيه الخزرج. [انظر: الأنساب؛ للسمعاني (١/ ٢٢٨)، الأعلام (٢/ ٣١)]. (٥) الخزرج: وهم بطن من الأنصار، ينتسبون إلى الخزرج بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر، من بني مزيقياء، من الأزد، من كهلان، بنوه من أصل يماني نزلوا المدينة هم وأبناء عمهم الأوس، وتعرف القبيلتان بالأنصار. [انظر: الأنساب؛ للسمعاني (٢/ ٣٥٩)، الأعلام (٢/ ٣٠٤)]. (٦) في (ب) " كان بينهما على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قتالٌ ". (٧) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٣٣٠)، الجامع لأحكام القرآن (١٦/ ٣٠٠). (٨) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٣٣٠)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٢٢٦). (٩) أمُّ زَيْدٍ الأنصارية: لم أقف لها على ترجمة، وقد أوردها ابن الأثير مبهمة مع ذكر ما أشار إليه المفسرون من قصتها مع زوجها، وقد ذكروا أن اسمه عمران، قال ابن الأثير: " أم زيد. روى أسباط، عن السدَّي قال: كانت امْرَأَة من الأنصار يقال لها: أمُّ زيدٍ اختصمت مع زوجها، وأرادت أن تلحق بأهلها، فمنعها، فاقتتل زوجها وأهلها، فنزل قوله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا}، لا أدري هي واحدة ممن قبلها، أم غيرها، لأنه لم يرفع في نسبها حتى تُعرف، فذكرناها احتياطاً إلى أن تُحَقق ". [انظر: أسد الغابة (٧/ ٣٢٣)].
→ السابق 3003–3004 / 3779 التالي ←