← المكتبة ▭▭ صفحتان
لباب التفاسير للكرماني (ناقص)
أبو القاسم الكرماني التفسير 532 هـ
A− A+
3350 · ص3290
وقيل: أمر بالتقوى في أحكام الطلاق ثلاثَ مراتٍ، ووعد في كلّ مرةٍ نوعاً من الجزاء، فقال: أولاً: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا}، يُخرجه مما دخل فيه وهو يكرهه، ويُتيحُ له محبوبَه من حيثُ لا يتأمّل. وقال في الثاني: يُسهّل عليه الصعبَ من أمره، ويُتيحُ له خيراً ممَّن طلّقها، إنْ كان الطلاقُ من جهتها. والثالث: وعد (١) عليه أفضلَ الجزاء، وهو ما يكونُ في الآخرة من النَّعماء (٢). {ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ}: أي: المفروضُ المتقدّم ذكرُه فرضُ الله. {أَنْزَلَهُ}: من اللّوح المحفوظ {إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (٥)}: سبق. {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ}: أي: أنزلوهن الدارَ والمسكنَ الذي أنتم به سكنتم ونزلتم (٣). {مِنْ وُجْدِكُمْ}: من غنائكم الذي به ملكتم المساكنَ. وقيل: الأمرُ بالسُّكنى قد تقدّم، وهذا أمرٌ بالإنفاق عليهن. والمعنى: أشركوهن (٤) فيما وجدتم من المال. وقيل: {مِنْ وُجْدِكُمْ}: سعتكم وقُدرتكم (٥). {وَلَا تُضَارُّوهُنَّ}: أي: في السُّكنى، ولا في النفقة. والمضارّةُ: المضايقةُ والمزاحمةُ. {لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ}: فتُحوِجوهنَّ إلى الخروج (٦). {وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ}: أي: المطلَّقات ذوات الأحمال. {فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}: أجمعوا على أنَّ المطلَّقةَ إذا كانت حاملاً فلها النَّفقةُ، وكذلك كُلُّ (٧) مطلَّقةٍ ما دامت في العدّة فلها السُّكنى والنفقةُ. وقال بعضُهم: إذا بانت فلها السُّكنى دون النفقة (٨). {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ}: يعني: النساءَ البوائنَ أولادَكم منهن. {فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}: على الإرضاع؛ لأنه لا يجبُ عليها الإرضاع. {وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ}: ليأمرُ بعضُكم بعضاً بالجميل في إرضاع الولد. وقيل: {بِمَعْرُوفٍ}: بمشورةٍ في الإرضاع. وقيل: هو أنْ لا يضرَّ الرجلُ بالمرأة، ولا المرأةُ بالرجل في الإرضاع. {وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ}: تضايقتم واختلفتم في الإرضاع، فأبت الأمُّ أو أبى الأب، أو تضايقتم في الأجرة. {فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (٦)}: بدفع (٩) الصبيِّ إلى امرأةٍ أخرى، ولا تجبرُ (١٠) الأمَّ على الإرضاع، فإنْ لم يقبل الصبيُّ ثديَ غيرها أُجبرت على إرضاعه بأُجرة المثل (١١). {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ}: أي: لينفق الكثيرُ المالِ على المطلَّقة، وعلى أمِّ الولد من غِناه وثروته. {وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ}: أي: رزقه الله على قدر قوّته. وقيل: ضيِّق وقتِّر (١٢). {فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ}: أي: لينفق من ذلك الذي يؤتى وإنْ كان قليلاً. {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا}: ما أعطاها من الرزق. وقيل: " {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا}: أي: بقدر عقلها. حكاه النقاش " (١٣)، فعلى هذا التأويل لا يكونُ متّصلاً بما قبلها. {سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)}: أي: بعد ضِيقٍ في المعيشة سعةً. وهذا وعدٌ للمؤمنين، كقوله: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [الشرح: ٥]، أي: عاجلاً وآجلاً (١٤). {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ}: أهل قريةٍ {عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ} (١٥): خالفت (١٦) اللهَ ورُسُلَه (١٧). وقيل: هم قومٌ عُذِبوا بمعصيتهم وتعدِّيهم (١٨) في الطَّلاق (١٩). {فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (٨)}: قيل: فيه تقديمٌ وتأخير، أي: عذَّبناها عذاباً شديداً في الدنيا، ونُحاسبُها (٢٠) حساباً شديداً في القيامة (٢١). وجاء بلفظ الماضي للتَّحقيق، كأكثر ألفاظ القيامة (٢٢). وقيل: حاسبناها في الدنيا، أي (٢٣): أخذنا ما لنا وأعطينا ما لهم، والمعنى: أخذناهم بالذنوب. وقيل: جازيناها، من قوله: {فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ} [المؤمنون: ١١٧]. وقيل: ضيّقنا عليها (٢٤). ومعنى {نُكْرًا}: فظيعاً (٢٥) شديداً. وقيل: لا يُعهدُ مثلُه (٢٦). {فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا}: نالت وبيلَ فعلِها وعقوبةَ صُنعها. {وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (٩)}: أي: آخر أمرها خُسراناً، لا رِبحَ فيه. ثم فسّر فقال (٢٧): {أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ}: يا ذوي العقول. ولبُّ كلّ خالصُه، وقيل: اللُّبُّ: القلب (٢٨).
(١) في (ب) " توعد ". (٢) انظر: البرهان؛ للكرماني (ص: ٣١٣)، البحر المحيط (١٠/ ٢٠١). (٣) في (ب) " وسكنتم ونزلتم ". (٤) في (أ) " أتركوهنَّ ". (٥) وكلُّها معانٍ متقاربة. [انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ١٦٣)، جامع البيان (٢٨/ ١٤٥)]. (٦) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٤٦)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٣). (٧) " كُلُّ " ساقطة من (ب). (٨) وهو مذهب مالك والشافعي، ورواية عن أحمد. [انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٣٣)، زاد المسير (٨/ ٧٤)، تفسير البغوي (٨/ ١٥٤)]. (٩) في (ب) " يُدفعُ ". (١٠) في (أ) " ولا تُجبرُ ". (١١) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٣٤)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٦٣). (١٢) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٤٨)، زاد المسير (٨/ ٧٥). (١٣) لم أقف عليه. (١٤) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٤٦)، زاد المسير (٨/ ٧٥)، تفسير البيضاوي (٢/ ٥٠٣). (١٥) في (أ) " عَتَتْ {عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا}: خالفت اللهَ {وَرُسُلِهِ} ". (١٦) في (ب) " خالفَ ". (١٧) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٥٠)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٤٦). (١٨) في (أ) " وتعذيبهم ". (١٩) ذكره ابن جرير بسنده في جامع البيان (٢٨/ ١٥٠) عن عمرو بن أبي سلمة عن عمر بن سليمان، وأورده النَّحَّاس في إعراب القرآن (٤/ ٢٩٩). (٢٠) في (أ) " ويُحاسبها ". (٢١) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ١٦٤)، تفسير الثعلبي (٩/ ٣٤٢). (٢٢) انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ٣٤٢)، تفسير البيضاوي (٢/ ٥٠٣). (٢٣) " أي " ساقطة من (أ). (٢٤) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٥٠)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٤٤٢)، زاد المسير (٨/ ٧٦). (٢٥) في (أ) " قطيعاً ". (٢٦) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٥٠)، تفسير الثعلبي (٩/ ٣٤٢). (٢٧) " فقال " ساقطة من (أ). (٢٨) انظر: المفردات (ص: ٧٣٣)، مادة "لَبَّ".