← المكتبة ▭ صفحة واحدة
الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها
سعيد بن ناصر الغامدي الفرق والأديان والردود
A− A+
1907 · ص1914 · ج3
والإنسان والحياة والتقدم، فما كان أمامهم إلَّا أن يحاربوا الدين كله، سعيًا لإسقاط هيمنة الكنيسة الظالمة الجاهلة المحرفة، وإسقاط تسلط أرباب الدين الظلمة، ولكنهم لم يكتفوا برفع الظلم عن أنفسهم من خلال تبيين الحقيقة على وجهها ومعرفة الدين الحق، أو من خلال رفع مظالم الرهبان والقساوسة، بل اتجهوا بكل عنف وقسوة وطيش لهدم الدين كله، ونفي الألوهية والربوبية، وتأليه الإنسان. ولما أخذ أبناء المسلمين عنهم في هذا العصر ما أخذوا من عقائد وأفكار، أخذوا هذه القضايا، ونقلوا حلقات الصراع بين الكنيسة والعلم والعقل والإنسان، وأحداثها الدامية الطويلة، نقلوها إلى الإسلام دين العلم والعقل واحترام الإنسان، والذي لم يكن يومًا مّا ضد أي شيء من هذه القضايا، بل كان لها راعيًا وحافظًا وحارسًا وحاميًا. ولكن الحقد الذي انغرست بذوره في قلوب وعقول المستطرقة عقولهم من أبناء المسلمين، أبت إلَّا أن تنبت ثمار الشنآن فأصبحوا كما قال اللَّه تعالى: {وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥)} ١. فإذا ذكر هيجل أو نيتشه أو ماركس أو سارتر أو سيبنوزا إذا هم يستبشرون، وإذا ذكر اللَّه تعالى أو رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم- أو أصحابه أو علماء المسلمين أو مصطلحات الإسلام أو مضامين الإيمان إذا وجوههم مظلمة كأنما أغشيت قطعًا من الليل مظلمًا. وقد شاهدت ذلك ورأيته رأي العين في كتبهم ومجلاتهم وفي مجامعهم وأنديتهم، وما ذاك إلَّا لتأثير العقيدة الضالة في قلوبهم. فالفكر عندهم ما قاله الغرب أو تلامذته من طه حسين والطهطاوي حتى عشماوي وعصفور وأدونيس، فإذا دار الكلام عن هؤلاء وأضرابهم وأشباههم بل وحتى أتباعهم من فروخ الحداثة الصغار؛ سموا ذلك الكلام
١ الآية ٤٥ من سورة الزمر.
1908 · ص1915 · ج3
فكرًا وأدبًا وحوار مثقفين، وندوة فكرية، وأمسية نقدية أو أدبية. وإذا جيء بقول اللَّه تعالى أو كلام رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم- أو كلام أحد من علماء المسلمين أو مفكريهم قالوا هذه خطابية ووعظ، وكلام مدرسي، وإنشاء مدرسي، وربما قالوا: هذه أصولية وتطرف وإرهاب!!!. كل ذلك لأن القوم قد أشربوا العجْل الحداثي وتعلقوا بالسامريّ العلماني، وأقعوا عاكفين عليها، حتى أصابتهم الذلة في عقولهم وقلوبهم فأصبحوا يرون الحق باطلًا ويسعون لحربه واجتنابه، ويرون الباطل حقًا ويسعون لنشره واتباعه وتكثير سواد أتباعه، {إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (١٥٢)} ١. وقد بدأت دعوى: أنه لا حكم في الإسلام من بدايات الاتصال بالغرب، اتصال التلمذة والشعور بالنقص، والتبعية المفعمة بتقليد الغالب المسيطر، حيث عاد المنهزمون إيمانيًا وفكريًا ليطرحوا فكرة عزل الدين عن الحياة على أساس أنها هي قاعدة التقدم والنهضة والرقي والازدهار!! حسب ما شُبَّه لهم، وحسب ما تلقنوه في الغرب، أو ما وصل إليهم من خلال المبتعثين والصحف التي كان يسيطر عليها نصارى الشام ومصر، من موارنة وأقباط. وحيث إن هذه الطلائع في جو لا يسمح لها بإنكار الدين كله ومحاربته والسعي للقضاء عليه، أو لأنهم ما زالت عندهم بقية من اعتراف بالدين بصورة ممسوخة مجزوءة، فإنهم لم يعلنوا الحرب الشاملة عليه، كما هو حال العلمانيين اليوم. ولذلك طرحت طلائع العلمانية فكرة أنه لا حكم في الإسلام، وكان من أبرز من دعا إلى ذلك رفاعة الطهطاوي، وعلي عبد الرازق ٢، وخير
١ الآية ١٥٢ من سورة الأعراف. ٢ علي عبد الرازق، عالم مصري أزهري، سافر إلى إنجلترا ودرس في جامعة أكسفورد =
→ السابق 1907–1908 / 2275 التالي ←