135 · ص471
وقال الجصاص: (يحتمل تخصيص النبي - صلى الله عليه وسلم - بالخطاب وجوهاً: أحدها: اكتفاءً بعلم المخاطبين بأن ما خوطب به النبي - صلى الله عليه وسلم - خطاب لهم إذ كانوا مأمورين بالاقتداء به إلا ما خص به دونهم فخصه بالذكر، ثم عدل بالخطاب إلى الجماعة إذ كان خطابه خطاباً للجماعة، والثاني: أن تقديره: يا أيها النبي قل لأمتك إذا طلقتم النساء، والثالث: على العادة في خطاب الرئيس الذي يدخل فيه الأتباع كقوله تعالى: {إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} [الأعراف:١٠٣]) ١.
وقال الآلوسي: (اختير لفظ النبي لما فيه من الدلالة على علو مرتبته) ٢. والله أعلم.
قال تعالى: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢)} [الطلاق:٢].
١٣٩/ ٢ - قال ابن عقيل: (قال تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق:٢] فكان عمل التقييد بالعدالة عمل التخصيص المخرج من الجملة بعضها؛ فصارت العدالة مخصصة بعض الرجال بالشهادة اهـ) ٣.
الدراسة:
يتخرج من كلام ابن عقيل ثلاث مسائل:
المسألة الأولى:
أن التقييد يعمل عمل التخصيص فيخرج من الجملة بعضها ٤.
قال الجصاص: (الأسماء المطلقة والمقيدة كثيرة، ويجب اعتبارها في كثير من الأحكام، فما كان في العادة مطلقاً فُهم على إطلاقه، والمقيَّدُ فيها على تقييده، ولا يُتجاوز به موضعه) ٥.
١ أحكام القرآن ٣/ ٦٠٥.
٢ روح المعاني ٢٨/ ١٢٨.
٣ الواضح ١/ ٢٥٧.
٤ ينظر: شرح الكوكب المنير ٣/ ٣٩٥.
٥ أحكام القرآن ١/ ٣١.
136 · ص475
وأما الجواب عن آية الدين التي استدل بها أبو حنيفة: فهو أنها نص في الأموال، ولا يصح استعمال العموم فيها، والرجعة ليست بمال، ولا يقصد فيها المال، ولا يصح قياس الرجعة على الأموال لوجود الفارق بينهما، وهو أن الأموال يصح الإبراء منها بخلاف الرجعة ١، والرجعة من الأمور التي يطلع عليها الرجال فلم يكن للنساء في شهادتها مدخل كالحدود والقصاص ٢. والله تعالى أعلم.
قال تعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (٦)} [الطلاق:٦].
١٤٠/ ٣ - قال ابن عقيل: (قوله تعالى: {وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق:٦]: (اقتضى ذلك أن البوائن ٣ الحوامل لا نفقة عليهن، وعلى هذا لغة العرب لا نعرف سوى ذلك اهـ) ٤.
الدراسة:
يُفهم من ظاهر كلام ابن عقيل أن المطلقة البائن لا نفقة لها ولو كانت حاملاً.
ويتفرع على هذا مسألتان:
المسألة الأولى:
١ ينظر: الحاوي الكبير ١٧/ ٩.
٢ ينظر: المغني ١٤/ ١٢٧.
٣ الذي في المطبوع: [البوائن الحوامل]، وهو خطأ واضح وبيِّن، ولكن أقول: لعل فيه سقط كلمة [غير] فتكون العبارة [أن البوائن غير الحوامل] وهذا وارد في أخطاء الطباعة، لا سيما وأن هذا هو ما يدل عليه سياق كلامه، وهو أن تعليق الحكم عند وجود الحمل دليل على اختلاف الحكم عند عدم وجود الحمل، وقوله: (وعلى هذا لغة العرب لا نعرف سوى ذلك) يدل على موافقته الإجماع.
٤ الواضح ٣/ ٢٧٢.