← المكتبة ▭ صفحة واحدة
نتائج الفكر في النحو
السهيلي النحو والصرف 581 هـ
A− A+
243 · ص266
كانت " كأن " مخالفة لأخواتها من وجه وموافقة من وجه، من حيث كانت مركبة من " كاف " التشبيه، و " أن " التي للتوكيد، فكان أصلها: " إن زيداً الأسد "، أي: مثل الأسد، ثم أرادوا أن يبينوا أنه ليس هو بعينه فأدخلوا الكاف على الحديث المؤكد إن، لتؤذن أن الحديث مشبه به. وحكم " إن " إذا دخل عليها عامل أن تفتح الهمزة منها، فصار اللفظ: (كأن زيداً الأسد "، فلما في كلمة من التشبيه المخبر به عن " زيد "، صار " زيد " بمنزلة من أخبر عنه بالفعل، فوقع موقع النعت والحال، وعمل ذلك المعنى وتعلقت به المجرورات ومن حيث كان في الكلمة وعني إن دخلت في هذا الباب، ووقع في خبرها الفعل نحو قولك: " كأن زيداً يقوم ". والجملة نحو: " كأن زيداً أبوه أمير ". ولو لم يكن إلا مجرد التشبيه لم يجز هذا، لأن الاسم لا يشبه بفعل ولا بجملة، ولكنه حديث مؤكد بإن، والكاف تدل على أن خبراً أشبه من هذا الخبر، وذلك الخبر الذي شبه بهذا الخبر هو الذي دل عليه " زيد "، فكان المعنى: زيد قائم وكأنه قاعد. و" زيد أبوه وضيع وكأن أبوه أمير "، فشبهت حديثا بحديث، والذي يؤكد الحديث " أن " والذي يدل على التشبيه " الكاف "، فلم يكن بد من اجتماعهما. * * * فصل وكل هذه الحروف تمنع ما قبلها أن يعمل فيما بعدها لفظا أو معنى. أما اللفظ فلأنه لا يجتمع عاملان في اسم واحد، وهذه الحروف عوامل. وأما المعنى فلا تقول: " سرني زيد قائم "، أي: سرني هذا الحديث. ولا " كرهت زيد قائم " أي: كرهت هذا الحديث، كما يكون ذلك في كان وليس لأن كان ليست بفعل محض فجاز أن تقول: " كأن زيد قائم ". أي: كأن هذا الحدبث، ولم يجز في " سرني " ولا " بلغني ". فإن أدخلت " ليت " أو " لعل " أو " إن " المكسورة لم يجز أيضا، لأن هذه المعاني ينبغي أن يكون لها صدر الكلام فلا يقع قبلها فعل معمل ولا ملغى.
244 · ص267
فإن جئت بـ " أن " المفتوحة قلت: " بلغني أن زيداً منطلقاً، فأعملت الفعل في معمول معنوي، وهو الحديث، لأن الجملة الملفوظ بها حديث في المعنى. وإنما جاز هذا لامتناع الفعل أن يعمل فيما عملت فيه " أن "، ولا بد له من معمول فيه، فتسلط على المعمول المعنوي وهو الحديث، حيث لم يمكن أن يعمل في اللفظي الذي عملت فيه " أن ". وكذلك: " كرهت أن زيداً منطلق "، المفعول وهو الحديث، وهو معنى لا لفظ. فإن قيل: وهلَّا كان لأن صدر الكلام كما كان لليت ولعل ولجميع الحروف الداخلة على الجمل؟. قلنا: ليس في " أن " معنى زائد على الجملة أكثر من التوكيد، وتوكيد الشيء هو بمثابة تكراره لا بمثابة معنى زائد فيه، فصح أن يكون الحديث المؤكد بها معمولاً لما قبلها، حيث منعت هي من عمل ما قبلها في اللفظ الذي بعدها، فتسلط العامل الذي قبلها على الحديث، ولم يكن له مانع في صدر الكلام يقطعه عنه كما كان ذلك في غيرها. فإن كسرت همزتها كان الكسر فيها إشعاراً بتجريد المعنى الذي هو التأكيد عن توطئة الجملة للعمل في معناها. فليس بين المكسورة والمفتوحة فرق في المعنى، إلا أنهم إذا أرادواً توطئة الجملة لأن يعمل الفعل الذي قبلها في معناها وأن يصيروها في معنى الحديث. فتحوا الهمزة، وإذا أرادوا قطع الجملة مما قبلها وأن يعتمدوا على التوكيد اعتمادهم على الترجي والتمني كسروا الهمزة ليؤذنوا بالابتداء والانقطاع عما قبل، وأنهم قد جعلوا التوكيد صدر الكلام، لأنه معنى كسائر المعاني، وإن لم يكن في الفائدة مثل غيره. وكان الكسر بهذا الموطن أولى لأنه أثقل من الفعل، والثقل أولى ما يعتمد عليه ويصدر الكلام به، والفتح أولى بما جاء بعد الكلام لخفته، وأن المتكلم ليس في عنفوان نشاطه وجمامه، مع أن المفتوحة قد تلي الضم والكسر من قولك: لأنك، وبأنك، وعلمت أنك، فلو كسرت لتوالي الثقل. فإن قيل: فما المانع من أن تكون هي وما بعدها في موضع المبتدأ، كما كانت