115 · ص102 · ج1
وليس في الدنيا نهر تجري فيه السفن أكثر من نيل مصر، ويحمل المركب الواحد ما يحمله خمسمائة بعير وأكثر.
وقالت الحكماء في مصر: إنها تغني في الصيف عن الخيش والثلج وبطون الأرض، وفي الشتاء عن الوقود والفراء، وجعل شتاؤها ربيعاً، وصيفها قيظاً، كل ما تعده الملوك لغير مصر، فهي مستغنية عنه كالمُرَمَّلات ١ في الصيف، والخيش، والثلج، والكافور، والصندل، و [ما يتخذ] ٢ في الطرق والأسواق في سائر البلاد سواها التي لا يقدر ساكنوها على التصرف في بردها ولا حرها، ومصر كما قال الشاعر:
وكالفصل ٣ … تغدو الريح فيه مريضة
فلا حره حر ولا برده برد
وقالوا: هي كالفصل اعتدالاً، وكالعُرُوات في نيسان طيباً، وغير محتاجة إلى استعمال المرتك ٤ في الصيف، كفعل أهل البصرة من حكها، ومعافاة من رمد أهل الكوفة [وركود هواء بغداد] ٥ ومن برد الجبل كأرمينية وبلدان خراسان، والجزيرة التي يقيم ساكنوها الشهر وأكثر لا يظهرون، ومن لم يعد قوته ٦ هلك.
ومصر معافاة من ميازيب الشام وتواتر السحب، وفي الشتاء من الحمرة والصفرة، والآيات ٧ الهائلة التي تنغص العيش، وتبلي الجسم، ولا يهنأ طعام ولا شراب.
وقال بعض الحكماء: عوفيت مصر من مشاتي الجبال، ومصايف عُمان،
١ المرملات: النسج الرقيق.
٢ من الفضائل الباهرة.
٣ أى أن جوها يطرد على وتيرة واحدة كأنه فصل واحد.
٤ الحجر المحرق ويكون من سائر المعادن (الجواليقى: المعرب ص ٣٦٥ حاشية ١،٢).
٥ من الفضائل الباهرة.
٦ لدى ابن ظهيرة وهو ينقل عن ابن زولاق «ومن لم يعرفوا به هلك».
٧ لدى ابن ظهيرة ص ١٣٦ وهو ينقل عن ابن زولاق «والثياب».