الفدية وجزاء الصيد
الحنابلة
المغني
اقرأ →
258 بَابُ الْفِدْيَةِ وَجَزَاءِ الصَّيْدِ ( 2638 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ حَلَقَ أَرْبَعَ شَعَرَاتٍ فَصَاعِدًا ، عَامِدًا أَوْ مُخْطِئًا ، فَعَلَيْهِ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، أَوْ إطْعَامُ ثَلَاثَةِ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ ، أَوْ ذَبْحُ شَاةٍ ، أَيَّ ذَلِكَ فَعَلَ أَجْزَأَهُ ) الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي سِتَّةِ فُصُولٍ : ( 2639 ) الْفَصْلُ الْأَوَّل ، أَنَّ عَلَى الْمُحْرِمِ فِدْيَةً إذَا حَلَقَ رَأْسَهُ . وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى وُجُوبِ الْفِدْيَةِ عَلَى مَنْ حَلَقَ وَهُوَ مُحْرِمٌ بِغَيْرِ عِلَّةٍ . وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ } . { وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ : لَعَلَّك آذَاك هَوَامُّك ؟ قَالَ : نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : احْلِقْ رَأْسَك ، وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ ، أَوْ اُنْسُكْ شَاةً } . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . وَفِي لَفْظٍ : " أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعِ تَمْرٍ " . وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ إزَالَةِ الشَّعْرِ بِالْحَلْقِ ، أَوْ النُّورَةِ ، أَوْ قَصِّهِ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا . ( 2640 ) الْفَصْلُ الثَّانِي ، أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَامِدِ وَالْمُخْطِئِ ، وَمَنْ لَهُ عُذْرٌ وَمَنْ لَا عُذْرَ لَهُ ، فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ . وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيَّ وَنَحْوُهُ عَنْ الثَّوْرِيِّ . وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، لَا فِدْيَةَ عَلَى النَّاسِي . وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ } . وَلَنَا ، أَنَّهُ إتْلَافٌ ، فَاسْتَوَى عَمْدُهُ وَخَطَؤُهُ ، كَقَتْلِ الصَّيْدِ ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ الْفِدْيَةَ عَلَى مَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ لِأَذًى بِهِ وَهُوَ مَعْذُورٌ ، فَكَانَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلَى وُجُوبِهَا عَلَى غَيْرِ الْمَعْذُورِ ، وَدَلِيلًا عَلَى وُجُوبِهَا عَلَى الْمَعْذُورِ بِنَوْعٍ آخَرَ ، مِثْلُ الْمُحْتَجِمِ الَّذِي يَحْلِقُ مَوْضِعَ مَحَاجِمِهِ ، أَوْ شَعْرًا عَنْ شَجَّتِهِ ، وَفِي مَعْنَى النَّاسِي النَّائِمُ الَّذِي يَقْلَعُ شَعْرَهُ ، أَوْ يُصَوِّبُ شَعْرَهُ إلَى تَنُّورٍ فَيَحْرِقُ لَهَبُ النَّارِ شَعْرَهُ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ . ( 2641 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ ، أَنَّ الْفِدْيَةَ هِيَ إحْدَى الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ وَالْخَبَرِ ، أَيَّهَا شَاءَ فَعَلَ ; لِأَنَّهُ أُمِرَ بِهَا بِلَفْظِ التَّخْيِيرِ ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمَعْذُورِ وَغَيْرِهِ ، وَالْعَامِدِ وَالْمُخْطِئِ . وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ . وَعَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ إذَا حَلَقَ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَعَلَيْهِ الدَّمُ ، مِنْ غَيْرِ تَخْيِيرٍ . وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَيَّرَ بِشَرْطِ الْعُذْرِ ، فَإِذَا عُدِمَ الشَّرْطُ وَجَبَ زَوَالُ التَّخْيِيرِ . وَلَنَا ، أَنَّ الْحُكْمَ ثَبَتَ فِي غَيْرِ الْمَعْذُورِ بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ تَبَعًا لَهُ ، وَالتَّبَعُ لَا يُخَالِفُ أَصْلَهُ ، وَلِأَنَّ كُلَّ كَفَّارَةٍ ثَبَتَ التَّخْيِيرُ فِيهَا إذَا كَانَ سَبَبُهَا مُبَاحًا ثَبَتَ كَذَلِكَ إذَا كَانَ مَحْظُورًا ، كَجَزَاءِ الصَّيْدِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْن قَتْلِهِ لِلضَّرُورَةِ إلَى أَكْلِهِ ، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا الشَّرْطُ لِجَوَازِ الْحَلْقِ لَا لِلتَّخْيِيرِ .