الصيام

الحنفية

المبسوط اقرأ →
بَابُ الصِّيَامِ
( قَالَ ) : وَإِذَا حَنِثَ الرَّجُلُ ، وَهُوَ مُعْسِرٌ ، فَعَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةٍ ، فَإِنْ أَصْبَحَ فِي يَوْمٍ مُفْطِرًا ، ثُمَّ عَزَمَ عَلَى الصَّوْمِ عَنْ كَفَّارَةِ يَمِينِهِ لَمْ يُجْزِهِ ; لِأَنَّهُ دَيْنٌ فِي ذِمَّتِهِ ، وَمَا كَانَ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ لَا يَتَأَدَّى إلَّا بِنِيَّةٍ مِنْ اللَّيْلِ ; وَهَذَا ; لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَأَدَّى بِالنِّيَّةِ مِنْ النَّهَارِ صَوْمُ يَوْمٍ تَوَقَّفَ الْإِمْسَاكُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ عَلَيْهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ النِّيَّةَ تَسْتَنِدُ إلَيْهِ ، وَهَذَا فِيمَا يَكُونُ عَيْنًا فِي الْوَقْتِ دُونَ مَا يَكُونُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ ، وَإِذَا أَفْطَرَتْ الْمَرْأَةُ فِي هَذَا الصَّوْمِ لِمَرَضٍ أَوْ حَيْضٍ فَعَلَيْهَا أَنْ تَسْتَقْبِلَ ; لِأَنَّهَا تَجِدُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ خَالِيَةً عَنْ الْحَيْضِ وَالْمَرَضِ ، فَلَا تُعْذَرُ فِيهَا بِالْإِفْطَارِ بِعُذْرِ الْحَيْضِ ، بِخِلَافِ الشَّهْرَيْنِ الْمُتَتَابِعَيْنِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي الصَّوْمِ ، وَلَا يُجْزِي الصَّوْمُ عَنْ هَذَا فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ; لِأَنَّهُ وَاجِبٌ فِي ذِمَّتِهِ بِصِفَةِ الْكَمَالِ ، وَالصَّوْمُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ نَاقِصٌ ; لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ، فَلَا يَتَأَدَّى بِهِ مَا وَجَبَ فِي ذِمَّتِهِ بِصِفَةِ الْكَمَالِ ، فَإِنْ كَانَ لِهَذَا الْمُعْسِرِ مَالٌ غَائِبٌ عَنْهُ ، أَوْ دَيْنٌ ، وَهُوَ لَا يَجِدُ مَا يُطْعِمُ أَوْ يَكْسُو 156 وَلَا مَا يُعْتِقُ أَجْزَأَهُ أَنْ يَصُومَ ; لِأَنَّ الْمَانِعَ قُدْرَتُهُ عَلَى الْمَالِ ، وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ بِالْمِلْكِ دُونَ الْيَدِ ، فَمَا يَكُونُ دَيْنًا عَلَى مُفْلِسٍ ، أَوْ غَائِبًا عَنْهُ ، فَهُوَ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى التَّكْفِيرِ بِهِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي مَالِهِ الْغَائِبِ عَبْدٌ ، فَحِينَئِذٍ لَا يُجْزِيهِ التَّكْفِيرُ بِالصَّوْمِ ; لِأَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ التَّكْفِيرِ بِالْعِتْقِ فَإِنَّ نُفُوذَ الْعِتْقِ بِاعْتِبَارِ الْمِلْكِ دُونَ الْيَدِ .
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْعَبْدُ آبِقًا ، وَهُوَ يَعْلَمُ حَيَاتَهُ ، فَإِنَّهُ لَا يُجْزِيهِ التَّكْفِيرُ بِالصَّوْمِ لِقُدْرَتِهِ عَلَى التَّكْفِيرِ بِالْعِتْقِ ، وَلَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مِثْلُهُ أَجْزَأَهُ الصَّوْمُ بَعْدَ مَا يَقْضِي دَيْنَهُ عَنْ ذَلِكَ الْمَالِ ، وَهَذَا غَيْرُ مُشْكِلٍ ; لِأَنَّهُ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ بِالْمَالِ غَيْرُ وَاجِدٍ لِمَالٍ يُكَفِّرُ بِهِ ، وَإِنَّمَا الشُّبْهَةُ فِيمَا إذَا كَفَّرَ بِالصَّوْمِ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ دَيْنَهُ بِالْمَالِ ، فَمِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ يَقُولُ : بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ ، وَيَسْتَدِلُّ بِالتَّقْيِيدِ الَّذِي ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ بَعْدَ مَا يَقْضِي دَيْنَهُ ; وَهَذَا لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُنَا الْوُجُودُ دُونَ الْغِنَى ، وَمَا لَمْ يَقْضِ الدَّيْنَ بِالْمَالِ ، فَهُوَ وَاجِدٌ . وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُجْزِيهِ التَّكْفِيرُ بِالصَّوْمِ لِمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْكِتَابِ مِنْ قَوْلِهِ : أَلَا تَرَى أَنَّ الصَّدَقَةَ تَحِلُّ لِهَذَا ، وَفِي هَذَا التَّعْلِيلِ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا قَبْلَ قَضَاءِ الدَّيْنِ وَبَعْدَهُ وَهَذَا لِأَنَّ الْمَالَ الَّذِي فِي يَدِهِ مُسْتَحَقٌّ بِدَيْنِهِ ، فَيُجْعَلُ كَالْمَعْدُومِ فِي حَقِّ التَّكْفِيرِ بِالصَّوْمِ كَالْمُسَافِرِ إذَا كَانَ مَعَهُ مَاءٌ ، وَهُوَ يَخَافُ الْعَطَشَ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ ; لِأَنَّ الْمَاءَ مُسْتَحَقٌّ لِعَطَشِهِ فَيُجْعَلُ كَالْمَعْدُومِ فِي حَقِّ التَّيَمُّمِ ، وَإِنْ صَامَ الْعَبْدُ عَنْ كَفَّارَةِ يَمِينِهِ ، فَعَتَقَ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْهُ ، وَأَصَابَ مَالًا لَمْ يُجْزِهِ الصَّوْمُ ; لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى الْأَصْلِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْبَدَلِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا مِثْلَهُ فِي الْحُرِّ الْمُعْسِرِ إذَا أَيْسَرَ ، فَكَذَلِكَ فِي غَيْرِهِ ; لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِلْكَفَّارَةِ بِالْمَالِ مُتَحَقِّقٌ فِي حَقِّهِ ، وَلَكِنْ لِانْعِدَامِ الْمِلْكِ كَانَ يُكَفِّرُ بِالصَّوْمِ ، وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ بِالْعِتْقِ فَكَانَ هُوَ وَالْحُرُّ سَوَاءً .

المالكية

حاشية الدسوقي على الشرح الكبير اقرأ →
باب الصيام
مواهب الجليل في شرح مختصر خليل اقرأ →
وَانْظُرْ قَوْلَهُ هُوَ أَنْ لَا يَغُمَّ عَلَيْهِ الْهِلَالُ فِي أَوَّلِهِ مَعَ قَوْلِهِ إذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُهُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَتَرَاءَى النَّاسُ فِيهِ الْهِلَالَ قَبْلَ حُصُولِ الرُّؤْيَةِ
ص ( وَلَوْ بِصَحْوٍ بِمِصْرٍ )
ش : أَشَارَ بِلَوْ لِقَوْلِ سَحْنُونٍ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الشَّاهِدَيْنِ إذَا لَمْ يَشْهَدْ غَيْرُهُمَا فِي الْمِصْرِ الْكَبِيرِ وَالصَّحْوِ قَالَ : وَأَيُّ رِيبَةٍ أَكْبَرُ مِنْ هَذَا نَقَلَهُ فِي النَّوَادِرِ وَغَيْرِهَا .
( قُلْت ) وَلَمْ أَرَ مَنْ نَقَلَ عَنْهُ كَمْ يَكْفِي فِي ذَلِكَ ، وَهَكَذَا قَالَ اللَّخْمِيُّ بَعْدَ أَنْ حَكَى كَلَامَهُ مَا نَصُّهُ : وَلَمْ يُرْوَ عَنْهُ فِي الْعَدَدِ الَّذِي يُكْتَفَى بِهِ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ ، انْتَهَى .
ص ( فَإِنْ لَمْ يَرَ بَعْدَ ثَلَاثِينَ صَحْوًا كَذِبَا ) ش تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ : لَيْسَ بِمُفَرَّعِ عَلَى شَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ فِي الصَّحْوِ وَالْمِصْرِ كَمَا قِيلَ : بَلْ هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ ، انْتَهَى .
( ( قُلْتُ ) ) وَمَا قَالَهُ ظَاهِرٌ قَالَ فِي النَّوَادِرِ وَمِنْ الْمَجْمُوعَةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ نَافِعٍ وَهُوَ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ فِي شَاهِدَيْنِ شَهِدَا عَلَى هِلَالِ شَعْبَانَ فَيُعَدُّ لِذَلِكَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ لَمْ يَرَ النَّاسُ الْهِلَالَ لَيْلَةَ إحْدَى وَثَلَاثِينَ وَالسَّمَاءُ مُصْحِيَةٌ قَالَ : هَذَانِ شَاهِدَا سُوءٍ ، انْتَهَى .
وَهُوَ ظَاهِرٌ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ عَلَيْهِمَا بِكَوْنِهِمَا شَاهِدَا سُوءٍ إنَّمَا يَظْهَرُ حِينَئِذٍ وَأَمَّا مَعَ وُجُودِ الْغَيْمِ أَوْ صِغَرِ الْمِصْرِ وَقِلَّةِ النَّاسِ فَيُحْمَلُ أَمْرُهُمَا عَلَى السَّدَادِ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الصِّيَامِ وَلَا مِنْ كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ وَلَا مِنْ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ وَلَعَلَّهَا فِي سَمَاعِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ وَيُشِيرُ ابْنُ غَازِيٍّ بِقَوْلِهِ كَمَا قِيلَ لِابْنِ الْحَاجِبِ وَشُرَّاحِهِ وَابْنِ نَاجِي وَالشَّارِحِ فَإِنَّهُمْ فَرَّعُوا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ وَيُوجَدُ فِي بَعْضِ نُسَخِ ابْنِ الْحَاجِبِ نِسْبَتُهَا لِلْمُدَوَّنَةِ وَلَيْسَتْ فِيهَا وَلِهَذَا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَوْلُهُ فِيهَا عَائِدٌ لِلْمَسْأَلَةِ ( حِكَايَةً ) قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ : وَقَعَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِالْقَيْرَوَانِ وَجَلَسَ شَيْخُنَا أَبُو مَهْدِيٍّ لِرُؤْيَةِ هِلَالِ شَوَّالٍ بِجَامِعِ الزَّيْتُونَةِ لَيْلَتَيْنِ وَلَمْ يَرَ وَانْحَرَفَ عَلَى قَاضِي الْقَيْرَوَانِ فِي تَسَرُّعِهِ لِقَبُولِ الشَّهَادَةِ ، وَلَوْ كَانَ تَثَبَّتَ مَا وَقَعَ فِي مَسْأَلَةٍ . وَقَالَ مَالِكٌ فِي شُهُودِهَا مَا قَالَ وَلَمْ يَقَعْ فِي عَصْرِنَا قَطُّ وَلَا بَلَغَنَا أَنَّهَا وَقَعَتْ فِي غَيْرِهِ .
المدونة اقرأ →
265 كِتَابُ الصِّيَامِ بَابٌ فِي السُّحُورِ وَمَنْ أَكَلَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ قَالَ سَحْنُونٌ .
قُلْتُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ : مَا الْفَجْرُ عِنْدَ مَالِكٍ ؟ فَقَالَ : سَأَلْنَا مَالِكًا عَنْ الشَّفَقِ مَا هُوَ فَقَالَ : الْحُمْرَةُ .
قَالَ مَالِكٌ : وَإِنَّهُ لَيَقَعُ فِي قَلْبِي وَمَا هُوَ إلَّا شَيْءٌ فَكَّرْتُ فِيهِ مُنْذُ قَرِيبٍ ، أَنَّ الْفَجْرَ وَيَكُونُ قَبْلَهُ بَيَاضٌ سَاطِعٌ فَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الصَّائِمَ مِنْ الْأَكْلِ ، فَكَمَا لَا يَمْنَعُ الصَّائِمَ ذَلِكَ الْبَيَاضُ مِنْ الْأَكْلِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ الْفَجْرَ الْمُعْتَرِضَ فِي الْأُفُقِ ، فَكَذَلِكَ الْبَيَاضُ الَّذِي يَبْقَى بَعْدَ الْحُمْرَةِ لَا يَمْنَعُ مُصَلِّيًا أَنْ يُصَلِّيَ الْعِشَاءَ .
الذخيرة اقرأ →
كتاب الصيام

الشافعية

المجموع شرح المهذب اقرأ →
( الشَّرْحُ ) حَدِيثُ ضُبَاعَةَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَتَقَدَّمَتْ طُرُقُهُ ، وَبَيَانُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مَعَ بَيَانِ الْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ الْوَارِدَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ مَعَ بَيَانِ الْفَصْلِ جَمِيعًا وَبَسَطْنَاهَا وَاضِحَةً فِي فَصْلِ إحْصَارِ الْغَرِيمِ وَالْمَرِيضِ ، وَيَحْصُلُ مِمَّا قَرَّرْنَاهُ هُنَاكَ ، أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ لَمْ يَتَحَلَّلْ إلَّا بِالْهَدْيِ اخْتِيَارٌ مِنْهُ لِلضَّعِيفِ مِنْ الْقَوْلَيْنِ ( الْأَصَحُّ ) أَنَّهُ لَا دَمَ ، هَذَا إذَا أَطْلَقَ أَنَّهُ يَتَحَلَّلُ ، أَمَّا إذَا قَالَ : أَتَحَلَّلُ بِالْهَدْيِ لَزِمَهُ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ قَالَ : أَتَحَلَّلُ بِلَا هَدْيٍ ، فَلَا يَلْزَمُهُ بِلَا خِلَافٍ كَمَا سَبَقَ إيضَاحُهُ هُنَاكَ .
( وَقَوْلُهُ ) لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ لَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ مِنْهَا بِغَيْرِ عُذْرٍ احْتِرَازٌ مِنْ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ وَصَوْمِهِ ( وَقَوْلُهُ ) كَالصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ تَصْرِيحٌ مِنْهُ بِمَا هُوَ . مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمَنْ دَخَلَ فِي صَلَاةٍ مَفْرُوضَةٍ مُؤَدَّاةٍ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا أَوْ مَقْضِيَّةٍ أَوْ صَوْمٌ وَاجِبٌ بِقَضَاءٍ أَوْ نَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةٍ الْخُرُوجُ بِلَا عُذْرٍ ، وَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ وَاسِعًا وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ وَاضِحَةً فِي بَابِ التَّيَمُّمِ ، وَفِي آخِرِ بَابِ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ وَآخِرِ كِتَابِ الصِّيَامِ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
تحفة المحتاج في شرح المنهاج اقرأ →
( كِتَابُ الصِّيَامِ )
هُوَ لُغَةً الْإِمْسَاكُ وَشَرْعًا الْإِمْسَاكُ الْآتِي بِشُرُوطِهِ الْآتِيَةِ وَأَرْكَانُهُ النِّيَّةُ وَالْإِمْسَاكُ عَمَّا يَأْتِي زَادَ جَمْعٌ صَائِم وَالصَّائِمُ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى عَدِّ الْمُصَلِّي وَالْمُتَوَضِّئِ مَثَلًا رُكْنًا وَيُحْتَمَلُ عَدَمُ الْبِنَاءِ وَالْفَرْقُ كَمَا مَرَّ وَفَرْضُ رَمَضَانَ فِي شَعْبَانَ ثَانِي سِنِي الْهِجْرَةِ وَيَنْقُصُ وَيَكْمُلُ وَثَوَابُهُمَا وَاحِدٌ كَمَا لَا يَخْفَى وَمَحَلُّهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ فِي الْفَضْلِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ لِأَيَّامِهِ أَمَّا مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى يَوْمِ الثَّلَاثِينَ مِنْ ثَوَابٍ وَاجِبُهُ وَمَنْدُوبُهُ عِنْدَ سُحُورِهِ وَفِطْرِهِ فَهُوَ زِيَادَةٌ يَفُوقُ بِهَا النَّاقِصَ وَكَانَ حِكْمَةُ { ۝ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكْمُلْ لَهُ رَمَضَانُ إلَّا سَنَةً وَاحِدَةً وَالْبَقِيَّةُ نَاقِصَةٌ } زِيَادَةَ تَطْمِينِ نُفُوسِهِمْ عَلَى مُسَاوَاةِ النَّاقِصِ لِلْكَامِلِ 371 فِيمَا قَدَّمْنَاهُ ( يَجِبُ صَوْمُ رَمَضَانَ ) إجْمَاعًا وَهُوَ مَعْلُومٌ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ مِنْ الرَّمْضِ وَهُوَ شِدَّةُ الْحَرِّ ؛ لِأَنَّ وَضْعَ اسْمِهِ عَلَى مُسَمَّاهُ وَافَقَ ذَلِكَ وَكَذَا فِي بَقِيَّةِ الشُّهُورِ كَذَا قَالُوهُ وَهُوَ إنَّمَا يَأْتِي عَلَى الضَّعِيفِ أَنَّ اللُّغَاتِ اصْطِلَاحِيَّةٌ .
أَمَّا عَلَى أَنَّهَا تَوْقِيفِيَّةٌ أَيْ أَنَّ الْوَاضِعَ لَهَا هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَعَلَّمَهَا جَمِيعًا لِآدَمَ عِنْدَ قَوْلِ الْمَلَائِكَةِ لَا عِلْمَ لَنَا فَلَا يَأْتِي ذَلِكَ وَهُوَ أَفْضَلُ الْأَشْهُرِ حَتَّى مِنْ عَشْرِ الْحِجَّةِ لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ { ۝ رَمَضَانُ سَيِّدُ الشُّهُورِ } وَبَحْثُ أَبِي زُرْعَةَ تَفْضِيلَ يَوْمِ عِيدِ الْفِطْرِ إذَا كَانَ يَوْمَ جُمُعَةٍ عَلَى أَيَّامِ رَمَضَانَ الَّتِي لَيْسَتْ يَوْمَ جُمُعَةٍ فِيهِ نَظَرٌ وَإِنْ أُطِيلَ فِي الِاسْتِدْلَالِ لَهُ وَتَفْضِيلُ بَعْضِ أَصْحَابِنَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى يَوْمِ عَرَفَةَ الَّذِي لَيْسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ شَاذٌّ وَإِنْ وَافَقَ مَذْهَبَ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَلَا دَلِيلَ فِيهِ نَعَمْ يَوْمُ عَرَفَةَ أَفْضَلُ أَيَّامِ السَّنَةِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فَبِفَرْضِ شُمُولِهِ لِأَيَّامِ رَمَضَانَ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ يُجَابُ بِأَنَّ سَيِّدِيَّةَ رَمَضَانَ مَخْصُوصَةٌ بِغَيْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ لِمَا صَحَّ فِيهِ مِمَّا يَقْتَضِي ذَلِكَ وَبِفَرْضِ عَدَمِ شُمُولِهِ يُجَابُ بِأَنَّ سَيِّدِيَّةَ رَمَضَانَ مِنْ حَيْثُ الشَّهْرُ وَسَيِّدِيَّةَ يَوْمِ عَرَفَةَ مِنْ حَيْثُ الْأَيَّامُ فَلَا تَنَافِي بَيْنَهُمَا .
وَإِنَّمَا لَمْ نَقُلْ بِذَلِكَ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ يَوْمَيْ الْعِيدِ وَالْجُمُعَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ فِيهِمَا نَظِيرُ مَا صَحَّ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ حَتَّى يَخْرُجَا مِنْ ذَلِكَ الْعُمُومِ وَيَأْتِي فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ فِي عَشْرِ الْحِجَّةِ وَعَشْرِ رَمَضَانَ الْأَخِيرِ مَا لَهُ تَعَلُّقٌ بِذَلِكَ وَأَفْهَمَ الْمَتْنُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ قَوْلُ رَمَضَانَ بِدُونِ " شَهْرِ " مُطْلَقًا وَهُوَ كَذَلِكَ لِلْأَخْبَارِ الْكَثِيرَةِ فِيهِ وَاسْتَنَدَ مَنْ كَرِهَهُ لِمَا لَيْسَ بِمُسْتَنَدٍ 372 وَهُوَ الْخَبَرُ الضَّعِيفُ { ۝ أَنَّهُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى } ( بِإِكْمَالِ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ ) يَوْمًا وَهُوَ وَاضِحٌ قَالَ الدَّارِمِيُّ وَمَنْ رَأَى هِلَالَ شَعْبَانَ وَلَمْ يَثْبُتْ ثَبَتَ رَمَضَانُ بِاسْتِكْمَالِهِ ثَلَاثِينَ مِنْ رُؤْيَتِهِ لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ لِنَفْسِهِ فَقَطْ ( أَوْ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ ) بَعْدَ الْغُرُوبِ لَا بِوَاسِطَةِ نَحْوِ مِرْآةٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ لَيْلَةِ الثَّلَاثِينَ مِنْهُ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَرَ وَإِنْ أَطْبَقَ الْغَيْمُ لِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ الَّذِي لَا يَقْبَلُ تَأْوِيلًا وَلَا مَطْعَنَ فِي سَنَدِهِ يُعْتَدُّ بِهِ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهُمَا { ۝ صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ } .
وَمِنْ ثَمَّ لَمْ تَجُزْ مُرَاعَاةُ خِلَافِ مُوجِبِهِ وَكَهَذَيْنِ الْخَبَرُ الْمُتَوَاتِرُ بِرُؤْيَتِهِ وَلَوْ مِنْ كُفَّارٍ لِإِفَادَتِهِ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ وَظَنِّ دُخُولِهِ بِالِاجْتِهَادِ كَمَا يَأْتِي أَوْ بِالْأَمَارَةِ الظَّاهِرَةِ الدَّالَّةِ الَّتِي لَا تَتَخَلَّفُ عَادَةً 373 كَرُؤْيَةِ الْقَنَادِيلِ الْمُعَلَّقَةِ بِالْمَنَائِرِ ، وَمُخَالَفَةُ جَمْعٍ فِي هَذِهِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ ؛ لِأَنَّهَا أَقْوَى مِنْ الِاجْتِهَادِ الْمُصَرَّحِ فِيهِ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ لَا قَوْلُ مُنَجِّمٍ وَهُوَ مَنْ يَعْتَمِدُ النَّجْمَ وَحَاسِبٍ وَهُوَ مَنْ يَعْتَمِدُ مَنَازِلَ الْقَمَرِ وَتَقْدِيرَ سَيْرِهِ وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ تَقْلِيدُهُمَا نَعَمْ لَهُمَا الْعَمَلُ بِعِلْمِهِمَا وَلَكِنْ لَا يُجْزِئُهُمَا عَنْ رَمَضَانَ كَمَا صَحَّحَهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَإِنْ أَطَالَ جَمْعٌ فِي رَدِّهِ وَلَا بِرُؤْيَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 374 فِي النَّوْمِ قَائِلًا غَدًا مِنْ رَمَضَانَ لِبُعْدِ ضَبْطِ الرَّائِي لَا لِلشَّكِّ فِي الرُّؤْيَةِ .
وَفِيهِ وَجْهٌ بِالْوُجُوبِ كَكُلِّ مَا يَأْمُرُ بِهِ وَلَمْ يُخَالِفْ مَا اسْتَقَرَّ فِي شَرْعِهِ لَكِنَّهُ شَاذٌّ فَقَدْ حَكَى عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى الْأَوَّلِ وَلَا بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ قَبْلَ الْغُرُوبِ سَوَاءٌ مَا قَبْلَ الزَّوَالِ وَمَا بَعْدَهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ وَإِنْ حَصَلَ غَيْمٌ وَكَانَ مُرْتَفِعًا قَدْرًا لَوْلَاهُ لَرُئِيَ قَطْعًا خِلَافًا لِلْإِسْنَوِيِّ ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ إنَّمَا أَنَاطَ الْحُكْمَ بِالرُّؤْيَةِ بَعْدَ الْغُرُوبِ وَلِمَا يَأْتِي أَنَّ الْمَدَارَ عَلَيْهَا لَا عَلَى الْوُجُودِ
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج اقرأ →
148 كِتَابُ الصِّيَامِ
هُوَ لُغَةً الْإِمْسَاكُ ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى حِكَايَةٌ عَنْ مَرْيَمَ { إنِّي نَذَرْت لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا } أَيْ إمْسَاكًا وَسُكُوتًا عَنْ الْكَلَامِ . وَشَرْعًا : إمْسَاكُ مُسْلِمٍ مُمَيِّزٍ عَنْ الْمُفْطِرَاتِ ، سَالِمٍ مِنْ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالْوِلَادَةِ فِي جَمِيعِهِ ، وَمِنْ الْإِغْمَاءِ وَالسُّكْرِ فِي بَعْضِهِ . وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِهِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ مَعَ مَا يَأْتِي آيَةُ { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ } وَالْأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ أَيَّامُ شَهْرِ رَمَضَانَ وَجَمَعَهَا جَمْعَ قِلَّةٍ لِيُهَوِّنَهَا ، وَقَوْلُهُ { كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ } قِيلَ مَا مِنْ أُمَّةٍ إلَّا وَقَدْ فُرِضَ عَلَيْهِمْ رَمَضَانُ إلَّا أَنَّهُمْ ضَلُّوا عَنْهُ أَوْ التَّشْبِيهُ فِي أَصْلِ الصَّوْمِ دُونَ وَقْتِهِ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ : رَمَضَانُ أَفْضَلُ الْأَشْهُرِ لِحَدِيثِ { ۝ رَمَضَانُ سَيِّدُ الشُّهُورِ } وَخَبَرِ { ۝ بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ } وَفُرِضَ فِي شَعْبَانَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ .
الأم اقرأ →
باب الصيام
الأم اقرأ →
باب الصيام
الأم اقرأ →
كتاب الصيام
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام … اقرأ →
394 كِتَابُ الصِّيَامِ
أَمَّا الصَّوْمُ فِي اللُّغَةِ : فَهُوَ الْإِمْسَاكُ ، يُقَالُ صَامَ فُلَانٌ بِمَعْنَى أَمْسَكَ عَنِ الْكَلَامِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا [ مَرْيَمَ : 26 ] ، أَيْ : صَوْمًا وَسُكُوتًا أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ : فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا [ مَرْيَمَ : 26 ] وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِوَقْتِ الْهَاجِرَةِ ، قَدْ صَامَ النَّهَارُ لِإِمْسَاكِ الشَّمْسِ فِيهِ عَنِ السَّيْرِ وَتَقُولُ خَيْلٌ صِيَامٌ بِمَعْنَى وَاقِفَةٌ ، قَدْ أَمْسَكَتْ عَنِ السَّيْرِ قَالَ النَّابِغَةُ : ﴿﴾ خَيْلٌ صِيَامٌ وَخَيْلٌ غَيْرُ صَائِمَةٍ ﴿﴾ ﴿﴾ تَحْتَ الْعَجَاجِ وَأُخْرَى تَعْلِكُ اللُّجُمَا ﴿﴾ وَقَالَ الْآخَرُ : ﴿﴾ نَضْرِبُ الْهَامَ وَالدَّوَابِرَ مِنْهَا ﴿﴾ ﴿﴾ ثُمَّ صَامَتْ بِنَا الْجِيَادُ صِيَامًا ﴿﴾ أَيْ : قَامَتْ فَلَمْ تَنْبَعِثْ ، ثُمَّ جَاءَ الشَّرْعُ فَقَرَّرَ الصَّوْمَ ، إِمْسَاكًا مَخْصُوصًا فِي زَمَانٍ مَخْصُوصٍ ، فَانْتَقَلَ الصَّوْمُ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ فِي اللُّغَةِ إِلَى مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ فِي الشَّرْعِ .
فَصْلٌ : وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِ الصِّيَامِ قَوْلُهُ تَعَالَى : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ [ الْبَقَرَةِ : 183 ] الْآيَةَ قَوْلُهُ تَعَالَى : كُتِبَ عَلَيْكُمْ أَيْ : فُرِضَ عَلَيْكُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى : كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [ الْمُجَادَلَةِ : 21 ] أَيْ : فَرَضَ اللَّهُ ثُمَّ قَالَ : أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ [ الْبَقَرَةِ : 184 ] فَلَمْ يُعَيِّنْ فِيهَا زَمَانَ الصِّيَامِ ثُمَّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ إِلَى قَوْلِهِ : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [ الْبَقَرَةِ : 185 ] فَعَيَّنَ زَمَانَهُ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَهُ مُبْهَمًا ، وَحَتَّمَ صِيَامَهُ بَعْدَ أَنْ كَانَ الْإِنْسَانُ فِيهِ مُخَيَّرًا بَيْنَ صِيَامِهِ وَإِفْطَارِهِ ، وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ : وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ [ الْبَقَرَةِ : 184 ] ، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ 395 التَّفْسِيرِ ، حَتَّى نَسَخَ اللَّهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : فَلْيَصُمْهُ ، وَدَلَّ عَلَى وُجُوبِ الصِّيَامِ مِنْ طَرِيقِ السُّنَّةِ مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ۝ بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ، وَصَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ ، وَحَجِّ الْبَيْتِ وَدَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ۝ أَنَّ رَجُلًا ثَائِرَ الشِّعْرِ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسْمَعُ لِصَوْتِهِ دَوِيٌّ ، يَسْأَلُ عَنِ الْإِسْلَامِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ : " أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ ، وَتَصُومَ شَهْرَ رَمَضَانَ ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ " وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ۝ صَلُّوا خَمْسَكُمْ ، وَأَدُّوا زَكَاتَكُمْ طَيِّبَةً بِهَا نُفُوسُكُمْ ، وَصُومُوا شَهْرَكُمْ وَحُجُّوا بَيْتَ رَبِّكُمْ تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكُمْ ثُمَّ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى وُجُوبِ الصِّيَامِ ، وَهُوَ أَحَدُ أَرْكَانِ الدِّينِ فَمَنْ جَحَدَهُ فَقَدْ كَفَرَ ، وَمَنْ أَقَرَّ بِهِ وَلَمْ يَفْعَلْهُ فَقَدْ فَسَقَ ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ ، فَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ لَا أَوْجَبْتُمْ عَلَيْهِ الْقَتْلَ ، كَمَا أَوْجَبْتُمُوهُ عَلَى تَارِكِ الصَّلَاةِ ، قُلْنَا لِأَمْرَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّ الصَّلَاةَ مُشَابِهَةٌ لِلْإِيمَانِ : لِأَنَّهُمَا قَوْلُ اللِّسَانِ وَاعْتِقَادٌ بِالْقَلْبِ وَعَمَلٌ بِالْجَوَارِحِ ، فَقُتِلَ تَارِكُهَا كَمَا يُقْتَلُ تَارِكُ الْإِيمَانِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الصِّيَامُ .
وَالثَّانِي : أَنَّ الصَّلَاةَ لَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهَا مِنْ تَارِكِهَا إِلَّا بِفِعْلِهِ فَلِذَلِكَ كَانَ تَرْكُهَا مُوجِبًا لِقَتْلِهِ ، وَالصِّيَامُ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ تَارِكِهِ بِأَنْ يُمْنَعَ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ وَمَا يُؤَدِّي إِلَى إِفْطَارِهِ ، فَلَمْ يَكُنْ تَرْكُهُ مُوجِبًا لِقَتْلِهِ . فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَا فَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بَالِغٍ عَاقِلٍ ، مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَحُرٍّ وَعَبْدٍ وَأَمَّا الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ فَلَا صَوْمَ عَلَيْهِمْ لِارْتِفَاعِ الْقَلَمِ عَنْهُمَا .
396
روضة الطالبين وعمدة المفتين اقرأ →
فَصْلٌ
لَوْ ضَمِنَ رَجُلٌ الْعُهْدَةَ لِلْمُسْتَأْجِرِ ، فَفِي " الْفَتَاوَى " أَنَّهُ يَصِحُّ وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ عِنْدَ ظُهُورِ الِاسْتِحْقَاقِ . وَعَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ : أَنَّهُ لَا يَصِحُّ .
قُلْتُ : وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِكِتَابِ الْإِجَارَةِ ، مَسَائِلُ :
إِحْدَاهَا : إِذَا تَوَجَّهَ الْحَبْسُ عَلَى الْأَجِيرِ ، قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي " الْفَتَاوَى " : إِنْ أَمْكَنَ الْعَمَلُ فِي الْحَبْسِ ، جُمِعَ بَيْنَهُمَا . وَإِنْ تَعَذَّرَ ، فَإِنْ كَانَتِ الْإِجَارَةُ عَلَى الْعَيْنِ ، قُدِّمَ حَقُّ الْمُسْتَأْجِرِ كَمَا يُقَدَّمُ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ ، وَلِأَنَّ الْعَمَلَ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ ، وَالْحَبْسُ لَيْسَ مَقْصُودًا فِي نَفْسِهِ ، ثُمَّ الْقَاضِي يَسْتَوْثِقُ [ عَلَيْهِ مُدَّةَ الْعَمَلِ ] إِنْ خَافَ هَرَبَهُ عَلَى مَا يَرَاهُ . وَإِنْ كَانَتِ الْإِجَارَةُ فِي الذِّمَّةِ ، طُولِبَ بِتَحْصِيلِهِ بِغَيْرِهِ . فَإِنِ امْتَنَعَ ، حُبِسَ بِالْحَقَّيْنِ . الثَّانِيَةُ : لَا يَلْزَمُ الْمُؤَجِّرُ أَنْ يَدْفَعَ عَنِ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ الْحَرِيقَ وَالنَّهْبَ وَغَيْرَهُمَا ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ تَسْلِيمُ الْعَيْنِ وَرَدُّ الْأُجْرَةِ إِنْ تَعَذَّرَ الِاسْتِيفَاءُ . وَأَمَّا الْمُسْتَأْجِرُ ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ خَطَرٍ ، لَزِمَهُ كَالْمُودَعِ .
266 الثَّالِثَةُ : إِذَا وَقَعَتِ الدَّارُ عَلَى مَتَاعِ الْمُسْتَأْجِرِ ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُؤَجِّرِ ، وَلَا أُجْرَةَ تَخْلِيصِهِ . الرَّابِعَةُ : اسْتَأْجَرَهُ لِبِنَاءِ دَرَجَةٍ ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهَا انْهَدَمَتْ فِي الْحَالِ ، فَهَذَا قَدْ يَكُونُ لِفَسَادِ الْآلَةِ ، وَقَدْ يَكُونُ لِفَسَادِ الْعَمَلِ ، وَالرُّجُوعُ فِيهِ إِلَى أَهْلِ الْعُرْفِ . فَإِنْ قَالُوا : هَذِهِ الْآلَةُ قَابِلَةٌ لِلْعَمَلِ الْمُحْكَمِ وَهُوَ الْمُقَصِّرُ ، لَزِمَهُ غَرَامَةُ مَا تَلِفَ .
الْخَامِسَةُ : إِذَا جَعَلَ [ غَلَّةً ] فِي الْمَسْجِدِ وَأَغْلَقَهُ ، لَزِمَهُ أُجْرَتُهُ ، لِأَنَّهُ كَمَا يَضْمَنُ الْمَسْجِدَ بِالْإِتْلَافِ يَضْمَنُ مَنْفَعَتَهُ ، ذَكَرَ هَذِهِ الْمَسَائِلَ الْخَمْسَ الْغَزَالِيُّ فِي " الْفَتَاوَى " ، وَتَقْيِيدُهُ فِي الْمَسْجِدِ بِمَا إِذَا أَغْلَقَهُ ، لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ ، بَلْ لَوْ لَمْ يُغْلِقْهُ ، يَنْبَغِي أَنْ تَجِبَ الْأُجْرَةُ ، لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ . السَّادِسَةُ : اسْتَأْجَرَ بَهِيمَةً إِلَى بَلَدٍ لِحَمْلِ مَتَاعٍ ، ثُمَّ أَرَادَ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ بَيْعَهُ وَالرُّجُوعَ ، وَطَلَبَ رَدَّ بَعْضِ الْأُجْرَةِ ، فَلَيْسَ لَهُ شَيْءٌ ، لِأَنَّ الْإِجَارَةَ عَقْدٌ لَازِمٌ ، بَلْ إِنْ بَاعَهُ ، فَلَهُ حَمْلُ مِثْلِهِ إِلَى الْمَقْصِدِ الْمُسَمَّى .
السَّابِعَةُ : فِي فَتَاوَى الْقَاضِي حُسَيْنٍ : أَنَّهُ لَوْ أَكْرَهَ الْإِمَامُ رَجُلًا عَلَى غُسْلِ مَيِّتٍ ، فَلَا أُجْرَةَ لَهُ ، لَأَنَّ غُسْلَهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ ، فَإِذَا فَعَلَهُ بِأَمْرِ الْإِمَامِ ، وَقَعَ عَنِ الْفَرْضِ ، وَلَوْ أَكْرَهَهُ بَعْضُ الرَّعِيَّةِ ، لَزِمَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ أَنَّهُ مِمَّا يُسْتَأْجَرُ عَلَيْهِ ، هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي حُسَيْنٍ ، وَوَافَقَهُ جَمَاعَةٌ .
قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ : هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ تَرِكَةٌ ، وَلَا فِي بَيْتِ الْمَالِ سَعَةٌ . فَإِنْ كَانَ لَهُ تَرِكَةٌ ، فَمُؤْنَةُ تَجْهِيزِهِ فِي تَرِكَتِهِ ، وَإِلَّا ، فَفِي بَيْتِ الْمَالِ إِنِ اتَّسَعَ ، فَيَسْتَحِقَّ الْمُكْرَهُ الْأُجْرَةَ . قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ السِّيَرِ : هَذَا التَّفْصِيلُ حَسَنٌ ، فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ إِطْلَاقُهُمْ .
267 الثَّامِنَةُ : أَجَّرَتْ نَفْسَهَا لِلْإِرْضَاعِ ، هَلْ عَلَيْهَا الْفِطْرُ فِي رَمَضَانَ إِذَا احْتَاجَ الرَّضِيعُ إِلَيْهِ ؟ فِيهِ كَلَامٌ سَبَقَ وَاضِحًا فِي كِتَابِ الصِّيَامِ .
التَّاسِعَةُ : اسْتَأْجَرَ ابْنَهُ الَّذِي بَلَغَ سِنًّا يَعْمَلُ مِثْلُهُ فِيهِ لِيُسْقِطَ نَفَقَتَهُ عَنْ نَفْسِهِ عَلَيْهِ وَيُنْفِقَ عَلَيْهِ مِنْ أُجْرَتِهِ ، جَازَ ، كَمَا يَشْتَرِي مَالَهُ ، ذَكَرَهُ فِي فَتَاوَى الْقَاضِي حُسَيْنٍ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

الحنابلة

المغني اقرأ →
كتاب الصيام
كشاف القناع عن متن الإقناع اقرأ →
( كِتَابُ الصِّيَامِ ) مَصْدَرُ صَامَ كَالصَّوْمِ ( وَهُوَ ) لُغَةً الْإِمْسَاكُ ، وَمِنْهُ { إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا } وَقَوْلُ الشَّاعِرِ : ﴿﴾ خَيْلٌ صِيَامٌ وَخَيْلٌ غَيْرُ صَائِمَةٍ ﴿﴾ ﴿﴾ تَحْتَ الْعَجَاجِ وَأُخْرَى تَعْلُكُ ﴿﴾ اللُّجُمَا يُقَالُ لِلْفَرَسِ : صَائِمٌ إذَا أَمْسَكَ عَنْ الْعَلَفِ ، مَعَ الْقِيَامِ ، أَوْ عَنْ الصَّهِيلِ فِي مَوْضِعِهِ ، وَيُقَالُ : صَامَتْ الرِّيحُ ، إذَا أَمْسَكَتْ عَنْ الْهُبُوبِ و ( شَرْعًا إمْسَاكٌ عَنْ أَشْيَاءَ مَخْصُوصَةٍ ) هِيَ مُفْسِدَاتُهُ الْآتِيَةُ فِي الْبَابِ بَعْدَهُ ( بِنِيَّةٍ فِي زَمَنٍ مُعَيَّنٍ ) ، وَهُوَ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ ، ( مِنْ شَخْصٍ مَخْصُوصٍ ) وَهُوَ الْمُسْلِمُ الْعَاقِلُ غَيْرَ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ .
( صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ ) مِنْ كُلِّ عَامٍ ( أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ وَفُرُوضِهِ ) الْمُشَارِ إلَيْهَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ : { ۝ بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ } الْحَدِيثَ ( فُرِضَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ ) إجْمَاعًا ( فَصَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 300 تِسْعَ رَمَضَانَاتٍ ) إجْمَاعًا .
( وَالْمُسْتَحَبُّ قَوْلُ : شَهْرُ رَمَضَانَ ) كَمَا قَالَ تَعَالَى { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ } ( وَلَا يُكْرَهُ قَوْلُ رَمَضَانَ بِإِسْقَاطِ شَهْرٍ ) لِظَاهِرِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَذَكَرَ الْمُوَفَّقُ أَنَّهُ يُكْرَهُ إلَّا مَعَ قَرِينَةِ الشَّهْرِ ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَجْهًا : يُكْرَهُ .
وَفِي الْمُنْتَخَبِ : لَا يَجُوزُ ، لِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { ۝ لَا تَقُولُوا جَاءَ رَمَضَانُ فَإِنَّ رَمَضَانَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى } وَقَدْ ضُعِّفَ وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : هُوَ مَوْضُوعٌ وَسُمِّيَ رَمَضَانَ لِحَرِّ جَوْفِ الصَّائِمِ فِيهِ وَرَمْضِهِ ، وَالرَّمْضَةُ شِدَّةُ الْحَرِّ ، وَقِيلَ : لَمَّا نَقَلُوا أَسْمَاءَ الشُّهُورِ عَنْ اللُّغَةِ الْقَدِيمَةِ وَافَقَ شِدَّةَ الْحَرِّ وَقِيلَ : لِأَنَّهُ يُحَرِّقُ الذُّنُوبَ وَقِيلَ : مَوْضُوعٌ لِغَيْرِ مَعْنًى كَبَقِيَّةِ الشُّهُورِ ، وَجَمْعُهُ : رَمَضَانَاتٌ وَأَرْمِضَةٌ ، وَرَمَاضِينُ وَأَرْمُضٌ وَرَمَاضٌ وَرَمَاضِيّ وَأَرَامِيضُ .
( وَيُسْتَحَبُّ لِلنَّاسِ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ أَنْ يَتَرَاءُوا هِلَالَ رَمَضَانَ وَيَجِبُ صَوْمُهُ ) أَيْ شَهْرِ رَمَضَانَ ( بِرُؤْيَةِ هِلَالِهِ ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ } - إلَى قَوْلِهِ - { فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ } وَالْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى وُجُوبِهِ إذَنْ ( فَإِنْ لَمْ يُرَ ) الْهِلَالَ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ ( مَعَ الصَّحْوِ كَمَّلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ صَامُوا ) بِغَيْرِ خِلَافٍ وَصَلُّوا التَّرَاوِيحَ كَمَا لَوْ رَأَوْهُ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ .
وَيُسْتَحَبُّ تَرَائِي الْهِلَالِ احْتِيَاطًا لِلصَّوْمِ وَحِذَارًا مِنْ الِاخْتِلَافِ وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : { ۝ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَحَفَّظُ فِي شَعْبَانَ مَا لَا يَتَحَفَّظُ فِي غَيْرِهِ ثُمَّ يَصُومُ لِرُؤْيَةِ رَمَضَانَ } رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا { ۝ أَحْصُوا هِلَالَ شَعْبَانَ لِرَمَضَانَ } رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَإِذَا رَأَى الْهِلَالَ كَبَّرَ ثَلَاثًا وَقَالَ " اللَّهُمَّ أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالْيُمْنِ وَالْإِيمَانِ وَالْأَمْنِ وَالْأَمَانِ رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ " وَيَقُولُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ : هِلَالَ خَيْرٍ وَرُشْدٍ ، وَيَقُولُ : " آمَنْتُ بِاَلَّذِي خَلَقَكَ " ثُمَّ يَقُولُ : " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ بِشَهْرِ كَذَا وَجَاءَ بِشَهْرِ كَذَا " قَالَهُ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى وَرَوَى الْأَثْرَمُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ إذَا رَأَى الْهِلَالَ قَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُمَّ أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالْأَمْنِ وَالْإِيمَانِ ، وَالسَّلَامَةِ وَالْإِسْلَامِ ، وَالتَّوْفِيقِ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى ، رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ } .
( وَإِنْ حَالَ دُونَ مَنْظَرِهِ ) أَيْ مَطْلِعِ الْهِلَالِ 301 ( غَيْمٌ أَوْ قَتَرٌ أَوْ غَيْرُهُمَا ) كَالدُّخَانِ ، وَالْقَتَرُ وَالْقَتَرَةُ مُحَرَّكَتَيْنِ : الْغَبَرَةُ ( لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ لَمْ يَجِبْ صَوْمُهُ قَبْلَ رُؤْيَةِ هِلَالِهِ أَوْ إكْمَالِ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ ) يَوْمًا ( نَصًّا ، وَلَا تَثْبُتُ بَقِيَّةُ تَوَابِعِهِ ) كَصَلَاةِ التَّرَاوِيحِ وَوُجُوبِ الْإِمْسَاكِ عَلَى مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا ، ( وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ وَأَصْحَابُهُ وَجَمْعٌ ) مِنْهُمْ أَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ عَقِيلٍ ذَكَرَهُ فِي الْفَائِقِ وَصَاحِبُ التَّبْصِرَةِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ : هَذَا مَذْهَبُ أَحْمَدَ الْمَنْصُوصُ الصَّرِيحُ عَنْهُ ، وَقَالَ : لَا أَصْلَ لِلْوُجُوبِ فِي كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَلَا فِي كَلَامِ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَرَدَّ صَاحِبُ الْفُرُوعِ جَمِيعَ مَا احْتَجَّ بِهِ الْأَصْحَابُ لِلْوُجُوبِ وَقَالَ : لَمْ أَجِدْ عَنْ أَحْمَدَ كَلَامًا صَرِيحًا بِالْوُجُوبِ وَلَا أَمَرَ بِهِ فَلَا يَتَوَجَّهُ إضَافَتُهُ إلَيْهِ انْتَهَى .
لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعَا { ۝ : صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ; وَلِأَنَّهُ يَوْمُ شَكٍّ وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ الشَّهْرِ ، فَلَا يُنْتَقَلُ عَنْهُ بِالشَّكِّ ( وَالْمَذْهَبُ : يَجِبُ صَوْمُهُ ) أَيْ صَوْمُ يَوْمِ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ إنْ حَالَ دُونَ مَطْلَعِهِ غَيْمٌ أَوْ قَتَرٌ وَنَحْوُهُمَا ( بِنِيَّةِ رَمَضَانَ حُكْمًا ظَنِّيًّا بِوُجُوبِهِ احْتِيَاطًا لَا يَقِينًا ) ، اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ وَأَكْثَرُ شُيُوخِ أَصْحَابِنَا وَنُصُوصُ أَحْمَدَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ وَابْنِهِ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَسٍ وَمُعَاوِيَةَ وَعَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ بِنْتَيْ أَبِي بَكْرٍ ، وَقَالَهُ جَمْعٌ مِنْ التَّابِعِينَ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ مَرْفُوعًا قَالَ : { ۝ إذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَمَعْنَى " فَاقْدُرُوا لَهُ " أَيْ : ضَيِّقُوا لِقَوْلِهِ تَعَالَى { : وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ } أَيْ : ضُيِّقَ وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ شَعْبَانَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ يَوْمًا ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ : اُقْدُرُوا زَمَانًا يَطْلُعُ فِي مِثْلِهِ الْهِلَالُ ، وَهَذَا الزَّمَانُ يَصِحُّ وُجُودُهُ فِيهِ أَوْ يَكُونُ مَعْنَاهُ : فَاعْلَمُوا مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ أَنَّهُ تَحْتَ الْغَيْمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { إلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنْ الْغَابِرِينَ } أَيْ : عَلِمْنَاهَا .
مَعَ أَنَّ بَعْضَ الْمُحَقِّقِينَ قَالُوا : الشَّهْرُ أَصْلُهُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ يُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ إسْمَاعِيلَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ قَالَ : " كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إذَا مَضَى مِنْ شَعْبَانَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا بَعَثَ مَنْ يَنْظُرُ لَهُ فَإِنْ رَآهُ فَذَاكَ وَإِنْ لَمْ يَرَهُ وَلَمْ يَحُلْ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ 302 وَلَا قَتَرٌ أَصْبَحَ مُفْطِرًا ، وَإِنْ حَالَ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ أَوْ قَتَرٌ أَصْبَحَ صَائِمًا " ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ رَاوِي الْخَبَرِ وَأَعْلَمُ بِمَعْنَاهُ فَتَعَيَّنَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ كَمَا رُجِعَ إلَيْهِ فِي تَفْسِيرِ خِيَارِ الْمُتَبَايِعَيْنِ يُؤَكِّدُهُ قَوْلُ عَلِيٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ : " لَأَنْ أَصُومَ يَوْمًا مِنْ شَعْبَانَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُفْطِرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ " ; وَلِأَنَّهُ يَحْتَاطُ لَهُ ، وَيَجِبُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ ، وَأُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ خَبَرَ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْوِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ وَقَدْ خَالَفَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ فَرَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ { ۝ : فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَصُومُوا ثَلَاثِينَ } وَرِوَايَتُهُ أَوْلَى ; لِإِمَامَتِهِ وَاشْتِهَارِ عَدَالَتِهِ وَثِقَتِهِ وَمُوَافَقَتِهِ لِرَأْيِ أَبِي هُرَيْرَةَ .
وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : ذِكْرُ شَعْبَانَ فِيهِ مِنْ تَفْسِيرِ ابْنِ أَبِي إيَاسٍ ، وَلَيْسَ هُوَ بِيَوْمِ شَكٍّ كَمَا يَأْتِي ( وَيُجْزِئُهُ ) صَوْمُ يَوْمِ الثَّلَاثِينَ حِينَئِذٍ ( إنْ بَانَ مِنْهُ ) أَيْ : مِنْ رَمَضَانَ بِأَنْ ثَبَتَتْ رُؤْيَتُهُ بِمَكَانٍ آخَرَ ; لِأَنَّ صِيَامَهُ وَقَعَ بِنِيَّةِ رَمَضَانَ قِيلَ لِلْقَاضِي : لَا يَصِحُّ إلَّا بِنِيَّةٍ وَمَعَ الشَّكِّ فِيهَا لَا يَجْزِمُ بِهَا فَقَالَ : لَا يُمْنَعُ التَّرَدُّدُ فِيهَا لِلْحَاجَةِ كَالْأَسِيرِ وَصَلَاةٍ مِنْ خَمْسٍ .
( وَيُصَلِّي التَّرَاوِيحَ لَيْلَتَهُ ) إذَنْ ( احْتِيَاطًا لِلسُّنَّةِ ) قَالَ أَحْمَدُ : الْقِيَامُ قَبْلَ الصِّيَامِ ( وَتَثْبُتُ بَقِيَّةُ تَوَابِعُهُ ) أَيْ : الصَّوْمِ ( مِنْ وُجُوبِ كَفَّارَةٍ بِوَطْءٍ فِيهِ وَنَحْوِهِ ) كَوُجُوبِ الْإِمْسَاكِ عَلَى مَنْ لَمْ يُبَيِّتْ النِّيَّةَ ، وَنَحْوِهِ لِتَبَعِيَّتِهَا لِلصَّوْمِ ( مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ أَنَّهُ مِنْ شَعْبَانَ ) بِأَنْ لَمْ يُزْمِعْ الصَّحْوُ هِلَالَ شَوَّالٍ بَعْدَ ثَلَاثِينَ لَيْلَةٍ مِنْ اللَّيْلَةِ الَّتِي غُمَّ فِيهَا هِلَالُ رَمَضَانَ فَيَتَعَيَّنُ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ بِالْوَطْءِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ ( وَلَا تَثْبُتُ بَقِيَّةُ الْأَحْكَامِ مِنْ حُلُولِ الْآجَالِ وَوُقُوعِ الْمُعَلَّقَاتِ ) مِنْ طَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ .
( وَغَيْرِهَا ) كَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَمُدَّةِ الْإِيلَاءِ عَمَلًا بِالْأَصْلِ خُولِفَ لِلنَّصِّ ، وَاحْتِيَاطًا لِلْعِبَادَةِ عَامَّةً .
" تَتِمَّةٌ " قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : الْبُعْدُ مَانِعٌ كَالْغَيْمِ فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ حَنْبَلِيٍّ يَصُومُ مَعَ الْغَيْمِ أَنْ يَصُومَ مَعَ الْبُعْدِ لِاحْتِمَالِهِ انْتَهَى قَالَ ابْنُ قُنْدُسٍ : الْمُرَادُ بِالْبُعْدِ الْبُعْدُ الَّذِي يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ كَالْمَطْمُورِ وَالْمَسْجُونِ وَمَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَطْلِعِ شَيْءٌ يَحُولُ ، كَالْجَبَلِ وَنَحْوِهِ " .
شرح منتهى الإرادات اقرأ →
469 كِتَابُ الصِّيَامِ لُغَةً : الْإِمْسَاكُ يُقَالُ : صَامَ النَّهَارَ إذَا وَقَفَ سَيْرُ الشَّمْسِ وَلِلسَّاكِتِ : صَائِمٌ ، لِإِمْسَاكِهِ عَنْ الْكَلَامِ وَمِنْهُ { إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا } أَيْ : سُكُوتًا وَإِمْسَاكًا عَنْ الْكَلَامِ ، وَصَامَ الْفَرَسُ : أَمْسَكَ عَنْ الْعَلَفِ وَهُوَ قَائِمٌ ، أَوْ عَنْ الصَّهِيلِ فِي مَوْضِعِهِ وَشَرْعًا ( إمْسَاكٌ بِنِيَّةٍ عَنْ أَشْيَاءَ مَخْصُوصَةٍ ) وَهِيَ مُفْسِدَاتُهُ وَتَأْتِي ( فِي زَمَنٍ مُعَيَّنٍ ) وَهُوَ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ ( مِنْ شَخْصٍ مَخْصُوصٍ ) هُوَ الْمُسْلِمُ الْعَاقِلُ غَيْرُ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ ( وَصَوْمُ ) شَهْرِ ( رَمَضَانَ فَرْضٌ ) اُفْتُرِضَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ إجْمَاعًا ، فَصَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِسْعَ رَمَضَانَاتٍ إجْمَاعًا ، وَالْأَصْلُ فِي فَرْضِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا { ۝ بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَسُمِّيَ شَهْرُ الصَّوْمِ رَمَضَانَ ، قِيلَ : لِحَرِّ جَوْفِ الصَّائِمِ فِيهِ ، وَرَمَضِهِ ، وَالرَّمْضَاءُ : شِدَّةُ الْحَرِّ ، أَوْ أَنَّهُ وَافَقَ هَذَا الشَّهْرُ أَيَّامَ شِدَّةِ الْحَرِّ وَرَمَضِهِ ، حِينَ نَقَلُوا أَسْمَاءَ الشُّهُورِ عَنْ اللُّغَةِ الْقَدِيمَةِ ، أَوْ لِأَنَّهُ يُحْرِقُ الذُّنُوبَ ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ ، وَالْمُسْتَحَبُّ قَوْلُ : شَهْرُ رَمَضَانَ ، كَمَا فِي الْآيَةِ ، وَلَا يُكْرَهُ قَوْلُ : رَمَضَانَ ، بِلَا شَهْرٍ ، كَمَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَخْبَارِ .
الإنصاف اقرأ →
كتاب الصيام
الفروع اقرأ →
كتاب الصيام
المبدع في شرح المقنع اقرأ →
كتاب الصيام
المبدع في شرح المقنع اقرأ →
باب الصيام

الظاهرية

المحلى بالآثار اقرأ →
285 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ
كِتَابُ الصِّيَامِ 726 - مَسْأَلَةٌ : الصِّيَامُ قِسْمَانِ فَرْضٌ ، وَتَطَوُّعٌ ، وَهَذَا إجْمَاعُ حَقٍّ مُتَيَقَّنٍ ، وَلَا سَبِيلَ فِي بِنْيَةِ الْعَقْلِ إلَى قِسْمٍ ثَالِثٍ ؟

المقارن

بداية المجتهد ونهاية المقتصد اقرأ →
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا
كِتَابُ الصِّيَامِ
وَهَذَا الْكِتَابُ يَنْقَسِمُ أَوَّلًا قِسْمَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : فِي الصَّوْمِ الْوَاجِبِ .
وَالْآخَرُ : فِي الْمَنْدُوبِ إِلَيْهِ .
وَالنَّظَرُ فِي الصَّوْمِ الْوَاجِبِ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : فِي الصَّوْمِ .
وَالْآخَرُ فِي الْفِطْرِ .
أَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ وَهُوَ الصِّيَامُ فَإِنَّهُ يَنْقَسِمُ أَوَّلًا إِلَى جُمْلَتَيْنِ :
إِحْدَاهُمَا : مَعْرِفَةُ أَنْوَاعِ الصِّيَامِ الْوَاجِبِ .
وَالْأُخْرَى : مَعْرِفَةُ أَرْكَانِهِ .
وَأَمَّا الْقِسْمُ الَّذِي يَتَضَمَّنُ النَّظَرَ فِي الْفِطْرِ فَإِنَّهُ يَنْقَسِمُ إِلَى مَعْرِفَةِ الْمُفْطِرَاتِ ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ الْمُفْطِرِينَ وَأَحْكَامِهِمْ .
فَلْنَبْدَأْ بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَهِيَ مَعْرِفَةُ أَنْوَاعِ الصِّيَامِ فَنَقُولُ : 237 [ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ مِنَ الصَّوْمِ الْمَفْرُوضِ ]
[ الْجُمْلَةُ الْأُولَى ]
[ أَنْوَاعُ الصِّيَامِ الْوَاجِبِ ]
إِنَّ الصَّوْمَ الشَّرْعِيَّ مِنْهُ وَاجِبٌ ، وَمِنْهُ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ .
وَالْوَاجِبُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ : مِنْهُ مَا يَجِبُ لِلزَّمَانِ نَفْسِهِ ، ( وَهُوَ صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ بِعَيْنِهِ ) . وَمِنْهُ مَا يَجِبُ لِعِلَّةٍ ( وَهُوَ صِيَامُ الْكَفَّارَاتِ ) . وَمِنْهُ مَا يَجِبُ بِإِيجَابِ الْإِنْسَانِ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ ( وَهُوَ صِيَامُ النَّذْرِ ) .
وَالَّذِي يَتَضَمَّنُ هَذَا الْكِتَابُ الْقَوْلَ فِيهِ مِنْ أَنْوَاعِ هَذِهِ الْوَاجِبَاتِ هُوَ صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَقَطْ . وَأَمَّا صَوْمُ الْكَفَّارَاتِ فَيُذْكَرُ عِنْدَ ذِكْرِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي تَجِبُ مِنْهَا الْكَفَّارَةُ ، وَكَذَلِكَ صَوْمُ النَّذْرِ وَيُذْكَرُ فِي كِتَابِ النَّذْرِ .
فَأَمَّا صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ : فَهُوَ وَاجِبٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ .
فَأَمَّا الْكِتَابُ : فَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) .
وَأَمَّا السُّنَّةُ : فَفِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " ۝ بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ " وَذَكَرَ فِيهَا الصَّوْمَ . وَقَوْلِهِ لِلْأَعْرَابِيِّ : " ۝ وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ ، قَالَ : هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا ؟ قَالَ : لَا إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ " .
وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ : فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ إِلَيْنَا خِلَافٌ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ فِي ذَلِكَ .
وَأَمَّا عَلَى مَنْ يَجِبُ وُجُوبًا غَيْرَ مُخَيِّرٍ : فَهُوَ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ الْحَاضِرُ الصَّحِيحُ إِذَا لَمْ تَكُنْ فِيهِ الصِّفَةُ الْمَانِعَةُ مِنَ الصَّوْمِ وَهِيَ : الْحَيْضُ لِلنِّسَاءِ ، هَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) .
بداية المجتهد ونهاية المقتصد اقرأ →
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كِتَابُ الصِّيَامِ الثَّانِي
وَهُوَ الْمَنْدُوبُ إِلَيْهِ
وَالنَّظَرُ فِي الصِّيَامِ الْمَنْدُوبِ إِلَيْهِ هُوَ فِي تِلْكَ الْأَرْكَانِ الثَّلَاثَةِ ، وَفِي حُكْمِ الْإِفْطَارِ فِيهِ .
فَأَمَّا الْأَيَّامُ الَّتِي يَقَعُ فِيهَا الصَّوْمُ الْمَنْدُوبُ إِلَيْهِ وَهُوَ الرُّكْنُ الْأَوَّلُ ، فَإِنَّهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : أَيَّامٌ مُرَغَّبٌ فِيهَا ، وَأَيَّامٌ مَنْهِيٌّ عَنْهَا ، وَأَيَّامٌ مَسْكُوتٌ عَنْهَا . وَمِنْ هَذِهِ مَا هُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
أَمَّا الْمُرَغَّبُ فِيهِ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ : فَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ .
وَأَمَّا الْمُخْتَلَفُ فِيهِ : فَصِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ وَسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ ، وَالْغُرَرِ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ( وَهِيَ : الثَّالِثَ عَشَرَ ، وَالرَّابِعَ عَشَرَ ، وَالْخَامِسَ عَشَرَ .
أَمَّا صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ ، فَلِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ وَقَالَ فِيهِ : " ۝ مَنْ كَانَ أَصْبَحَ صَائِمًا فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ ، وَمَنْ كَانَ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ " .
وَاخْتَلَفُوا فِيهِ هَلْ هُوَ التَّاسِعُ أَوِ الْعَاشِرُ . وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافُ الْآثَارِ :
خَرَّجَ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : " ۝ إِذَا رَأَيْتَ هِلَالَ الْمُحَرَّمِ فَاعْدُدْ وَأَصْبِحْ يَوْمَ التَّاسِعِ صَائِمًا ، قُلْتُ : هَكَذَا كَانَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصُومُهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ " .
وَرُوِيَ : " ۝ أَنَّهُ حِينَ صَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ يَوْمٌ يُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ " . قَالَ : فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ ، فَلِأَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَفْطَرَ يَوْمَ عَرَفَةَ ، وَقَالَ فِيهِ : " ۝ صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْآتِيَةَ " . وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ ، وَاخْتَارَ الشَّافِعِيُّ الْفِطْرَ فِيهِ لِلْحَاجِّ، وَصِيَامَهُ لِغَيْرِ 258 الْحَاجِّ جَمْعًا بَيْنَ الْأَثَرَيْنِ . وَخَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ : " ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ " .
وَأَمَّا السِّتُّ مِنْ شَوَّالٍ ، فَإِنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " ۝ مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ " إِلَّا أَنَّ مَالِكًا كَرِهَ ذَلِكَ ، إِمَّا مَخَافَةَ أَنْ يُلْحِقَ النَّاسُ بِرَمَضَانَ مَا لَيْسَ فِي رَمَضَانَ ، وَإِمَّا لِأَنَّهُ لَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ الْحَدِيثُ أَوْ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ وَهُوَ الْأَظْهَرُ .
وَكَذَلِكَ كَرِهَ مَالِكٌ تَحَرِّيَ صِيَامِ الْغُرَرِ مَعَ مَا جَاءَ فِيهَا مِنَ الْأَثَرِ مَخَافَةَ أَنْ يَظُنَّ الْجُهَّالُ بِهَا أَنَّهَا وَاجِبَةٌ ، وَثَبَتَ : " ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَصُومُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ ، وَأَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ لَمَّا أَكْثَرَ الصِّيَامَ : " أَمَا يَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ؟ قَالَ : فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ، قَالَ : خَمْسًا ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ، قَالَ : سَبْعًا ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ، قَالَ : تِسْعًا ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ، قَالَ : أَحَدَ عَشَرَ ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : لَا صَوْمَ فَوْقَ صِيَامِ دَاوُدَ ، شَطْرُ الدَّهْرِ : صِيَامُ يَوْمٍ ، وَإِفْطَارُ يَوْمٍ " .
وَخَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ : " ۝ أَنَّهُ كَانَ يَصُومُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ " .
وَثَبَتَ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَتِمَّ قَطُّ شَهْرًا بِالصِّيَامِ غَيْرَ رَمَضَانَ ، وَإِنَّ أَكْثَرَ صِيَامِهِ كَانَ فِي شَعْبَانَ .