الحج

العقيقةالجناياتالإحرامالنذرالأضحيةجزاء الصيدمواقيت الحجالفوات والإحصارالهديالإحصارالفديةصفة الحجمحظورات الإحرامالتمتعالحج عن الغيرصفة الحج والعمرةمحرمات الإحرامالإحرام والتلبيةالإحصار والفواتإضافة الإحرام إلى الإحرامبيان أن العمرة واجبة كالحجبيان وقت الحج والعمرةبيان وقت فرض الحج وكونه على التراخيجزاء الطائرالجنايات في الحجدخول المحرم مكةالطيب للإحرامما يحل للمحرم قتلهمن لم يدرك عرفةالإجارة على الحجالإجارة على الحج والوصيةالإجارة على الحج والوصية بهإحرام العبد والمرأةالإحرام والتلبية وما يتعلق بهماالإحرام وما يحرم فيهالإحصار بالعدوالإحصار بالمرضالإحصار بغير حبس العدوالإحصار في الحج أو العمرةآداب دخول مكة وما يتعلق بهأركان الحج والعمرةالأرنبالاستثناء في الحجاستحباب الاستلام في الوترالاستراحة في الطوافالاستسلاف للحجالاستطاعة بالغيرالاستطاعة بنفسه وغيرهأصل ما يحل للمحرم قتله من الوحش ويحرم عليهالاضطباعإقلال الكلام في الطوافأم حبينإمكان الحج وأنه من رأس المالالأيام المعلومات والأيام المعدوداتأين محل هدي الصيدأين يستحب لزوم التلبيةبقر الوحش وحمار الوحش والثيتل والوعلبيان إفراد الحج عن العمرةبيان إفراد الحج عن العمرة وغير ذلكبيان التمتع بالعمرة وبيان المواقيت وغير ذلكبيان وجوه الإحرام وما يتعلق بهابيض النعامة يصيبه المحرمتحريم الصيدترك الحائض الوداعتعريف الحج وبيان بعض أحكامهتفريع حج الصبي والمملوكتفريع المواقيتالتلبية في كل حالالثعلبالجرادالحال التي يجب فيها الحجالحال التي يجوز أن يحج فيها الرجل عن غيرهالحال التي يكون المرء فيها معوزا بما لزمه من فديةالحج بغير نيةحج الصبي ومن في معناهحج الصبي يبلغ والمملوك يعتق والذمي يسلمحج المرأة والعبدحصر العبد المحرم بغير إذن سيده والمرأة تحرم بغير إذن زوجهاالخلاف في الحج عن الميتالخلاف في رفع الصوت بالتلبية في المساجدالخلاف في الطواف على غير طهارةالخلاف فيمن أهل بحجتين أو عمرتيندخول المحرم الحمامدخول مكة لغير إرادة حج ولا عمرةدخول مكة وما يتعلق بهدخول مكة وما يتعلق بها من الطواف والسعي وغيرهالدماء الواجبة في المناسكدواب الصيد التي لم تسمذكر الإحرامذكر الحج ودخول مكةالرجل ينذر الحج أو العمرةرفع الصوت بالتلبيةالشك في الطوافالصبي إذا بلغ والعبد إذا عتق والذمي إذا أسلم ، وقد أحرمواالصبي إذا بلغ والعبد إذا عتق والذمي إذا أسلم وقد أحرمواصفة الحج والعمرة وما يتعلق بذلكصوم المتمتع بالعمرة إلى الحجصيد الحرمين ونباتهماصيد الحرمين ونبتهماالصيد للمحرمالضبالضبعالطواف بعد عرفةالطواف في الثوب النجس والرعاف والحدث والبناء على الطوافالعلل فيما أخذ من الصيد لغير قتلهالغسل بعد الإحرامالغسل لدخول مكةالغسل للإهلالالفدية وجزاء الصيدفرض الحج على من وجب عليه الحجالفواتالفوات في الحجفوت الحج بلا حصر عدو ولا مرض ولا غلبة على العقلفي حج الصبيفي الطواف بالراكب مريضا أو صبيافي الطواف متى يجزئه ومتى لا يجزئهفي الغزالفي مواقيت الحجفي الوصية بالحجفي اليربوعفيما يمتنع على المحرم من اللبسقتل الصيد خطأقتل المحرم الصيد عمدا أو خطأالقران وغير ذلكالقول عند رؤية البيتكمال الطوافكمال عمل الطوافكيف الاستطاعة إلى الحجكيف التلبيةكيف يعدل الصيامكيفية الجزاءلا يقال شوط ولا دورلبس المحرم وطيبه جاهلالبس المنطقة والسيف للمحرمليس على النساء سعيما تلبس المرأة من الثيابما جاء في تعجيل الطواف بالبيت حين يدخل مكةما جاء في موضع الطوافما يؤدى عن الرجل البالغ الحجما يتوقى المحرم وما أبيح لهما يجب في محظورات الإحرام من كفارة وغيرهاما يجتنبه المحرم من الطيب ولبس الثيابما يجزئ من العمرة إذا اجتمعت إلى غيرهاما يستحب من القول في أثر التلبيةما يفتتح به الطواف وما يستلم من الأركانما يفعل من دفع من عرفةما يفعله بعد الحلما يقال عند استلام الركنما يلبس المحرم من الثيابما يلزم عند الإحرام وبيان الطواف والسعي وغير ذلكمجاوزة الميقات بغير إحراممجاوزة الوقت بغير إحراممحظورات أي ممنوعات الإحرامالمدة التي يلزم فيها الحج ولا يلزممن أهل بحجتين أو عمرتينمن أين نفقة من مات ولم يحجمن أين يبدأ بالطوافمن عاد لقتل الصيدمن ليس له أن يحج عن غيرهالمواقيت للنسك زمانا ومكاناموانع إتمام الحج بعد الشروع فيهالموضع الذي يستحب فيه الغسلميقات العمرة مع الحجنذر الهديهدي الذي يفوته الحجالهدي والأضاحي والعقيقةالهدي والأضاحي والعقيقة وما يتعلق بهاهل تجب العمرة وجوب الحجهل لمن أصاب الصيد أن يفديه بغير النعمهل له أن يحرم بحجتين أو عمرتين أو ما يتعلق بذلكهل له أن يحرم بحجتين أو عمرتين وما يتعلق بذلكهل يسمي الحج أو العمرة عند الإهلال أو تكفي النية منهماالوبرالوصية بالحجالوقت الذي تجوز فيه العمرةالوقت الذي يجوز فيه الحج والعمرةيذكر فيه الأيام المعلومات والمعدودات

الحنفية

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع اقرأ →
كِتَابُ الْحَجِّ الْكِتَابُ يَشْتَمِلُ عَلَى فَصْلَيْنِ : فَصْلٌ فِي الْحَجِّ ، وَفَصْلٌ فِي الْعُمْرَةِ أَمَّا فَصْلُ الْحَجِّ : فَالْكَلَامُ فِيهِ يَقَعُ فِي مَوَاضِعَ فِي بَيَانِ فَرْضِيَّةِ الْحَجِّ وَفِي بَيَانِ كَيْفِيَّةِ فَرْضِهِ ، وَفِي بَيَانِ شَرَائِطِ الْفَرْضِيَّةِ وَفِي بَيَانِ أَرْكَانِ الْحَجِّ ، وَفِي بَيَانِ وَاجِبَاتِهِ ، وَفِي بَيَانِ سُنَنِهِ ، وَفِي بَيَانِ التَّرْتِيبِ فِي أَفْعَالِهِ مِنْ الْفَرَائِضِ ، وَالْوَاجِبَاتِ ، وَالسُّنَنِ ، وَفِي بَيَانِ شَرَائِطِ أَرْكَانِهِ ، وَفِي بَيَانِ مَا يُفْسِدُهُ وَبَيَانِ حُكْمِهِ إذَا فَسَدَ ، وَفِي بَيَانِ مَا يُفَوِّتُ الْحَجَّ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ وَفِي بَيَانِ حُكْمِهِ إذَا فَاتَ عَنْ عُمْرِهِ أَصْلًا ، وَرَأْسًا أَمَّا الْأَوَّلُ : فَالْحَجُّ فَرِيضَةٌ ثَبَتَتْ فَرْضِيَّتُهُ بِالْكِتَابِ ، وَالسُّنَّةِ ، وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ وَالْمَعْقُولِ .
أَمَّا الْكِتَابُ : فَقَوْلَهُ تَعَالَى : { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا } ، فِي الْآيَةِ دَلِيلُ وُجُوبِ الْحَجِّ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَالَ { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ } ، وَعَلَى : كَلِمَةُ إيجَابٍ وَالثَّانِي أَنَّهُ قَالَ تَعَالَى : { وَمَنْ كَفَرَ } قِيلَ فِي التَّأْوِيلِ : وَمَنْ كَفَرَ بِوُجُوبِ الْحَجِّ حَتَّى رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : أَيْ وَمَنْ كَفَرَ بِالْحَجِّ فَلَمْ يَرَ حَجَّهُ بِرًّا ، وَلَا تَرْكَهُ مَأْثَمًا وقَوْله تَعَالَى لِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ } أَيْ : اُدْعُ النَّاسَ وَنَادِهِمْ إلَى حَجِّ الْبَيْتِ ، وَقِيلَ : أَيْ أَعْلِمْ النَّاسَ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ الْحَجَّ ، دَلِيلُهُ قَوْله تَعَالَى : { يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ } وَأَمَّا السُّنَّةُ : فَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ۝ بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ : شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ وَحَجِّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا } .
وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ۝ اُعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَصَلُّوا خَمْسَكُمْ ، وَصُومُوا شَهْرَكُمْ ، وَحُجُّوا بَيْتَ رَبِّكُمْ ، وَأَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ طَيِّبَةً بِهَا أَنْفُسُكُمْ تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكُمْ } .
وَرُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ : { ۝ مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمْنَعَهُ سُلْطَانٌ جَائِرٌ ، أَوْ مَرَضٌ حَابِسٌ ، أَوْ عَدُوٌّ ظَاهِرٌ ، فَلْيَمُتْ إنْ شَاءَ يَهُودِيًّا ، وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا ، أَوْ مَجُوسِيًّا } .
وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ : { ۝ مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً تُبَلِّغُهُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ فَلَمْ يَحُجَّ ، فَلَا عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا } .
وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ : فَلِأَنَّ الْأُمَّةَ أَجْمَعَتْ عَلَى فَرْضِيَّتِهِ .
وَأَمَّا الْمَعْقُولُ : فَهُوَ أَنَّ الْعِبَادَاتِ وَجَبَتْ لِحَقِّ الْعُبُودِيَّةِ ، أَوْ لِحَقِّ شُكْرِ النِّعْمَةِ إذْ كُلُّ ذَلِكَ لَازِمٌ فِي الْمَعْقُولِ وَفِي الْحَجِّ إظْهَارُ الْعُبُودِيَّةِ ، وَشُكْرُ النِّعْمَةِ ، أَمَّا إظْهَارُ الْعُبُودِيَّةِ ; فَلِأَنَّ إظْهَارَ الْعُبُودِيَّةِ هُوَ إظْهَارُ التَّذَلُّلِ لِلْمَعْبُودِ ، وَفِي الْحَجِّ ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْحَاجَّ فِي حَالِ إحْرَامِهِ يُظْهِرُ الشَّعَثَ ، وَيَرْفُضُ أَسْبَابَ التَّزَيُّنِ ، وَالِارْتِفَاقِ ، وَيَتَصَوَّرُ بِصُورَةِ عَبْدٍ سَخِطَ عَلَيْهِ مَوْلَاهُ ، فَيَتَعَرَّضُ بِسُوءِ حَالِهِ لِعَطْفِ مَوْلَاهُ ، وَمَرْحَمَتِهِ إيَّاهُ ، وَفِي حَالِ وُقُوفِهِ بِعَرَفَةَ بِمَنْزِلَةِ عَبْدٍ عَصَى مَوْلَاهُ فَوَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ مُتَضَرِّعًا حَامِدًا لَهُ مُثْنِيًا عَلَيْهِ مُسْتَغْفِرًا لِزَلَّاتِهِ مُسْتَقِيلًا لِعَثَرَاتِهِ ، وَبِالطَّوَافِ حَوْلَ الْبَيْتِ يُلَازِمُ الْمَكَانَ الْمَنْسُوبَ إلَى رَبِّهِ بِمَنْزِلَةِ عَبْدٍ مُعْتَكِفٍ عَلَى بَابِ مَوْلَاهُ لَائِذٍ بِجَنَابِهِ .
وَأَمَّا شُكْرُ النِّعْمَةِ ; فَلِأَنَّ الْعِبَادَاتِ بَعْضُهَا بَدَنِيَّةٌ ، وَبَعْضُهَا مَالِيَّةٌ ، وَالْحَجُّ عِبَادَةٌ لَا تَقُومُ إلَّا بِالْبَدَنِ ، وَالْمَالِ ; وَلِهَذَا لَا يَجِبُ إلَّا عِنْدَ وُجُودِ الْمَالِ وَصِحَّةِ الْبَدَنِ ، فَكَانَ فِيهِ شُكْرُ النِّعْمَتَيْنِ ، وَشُكْرُ النِّعْمَةِ لَيْسَ إلَّا اسْتِعْمَالُهَا 119 فِي طَاعَةِ الْمُنْعِمِ ، وَشُكْرُ النِّعْمَةِ وَاجِبٌ عَقْلًا ، وَشَرْعًا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
فتح القدير اقرأ →
403 - 404 كِتَابُ الْحَجِّ 405 - 410
رد المحتار على الدر المختار اقرأ →
( قَوْلُهُ وُجُوبًا ) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ مَشَى وَلِقَوْلِهِ مِنْ مَنْزِلِهِ ، وَقَوْلُهُ فِي الْأَصَحِّ رَاجِعٌ لِلْوُجُوبِ فِيهِمَا ، وَمُقَابِلُ الْأَوَّلِ رِوَايَةُ الْأَصْلِ : أَيْ الْمَبْسُوطِ لِمُحَمَّدٍ بِالتَّخْيِيرِ بَيْنَ الرُّكُوبِ وَالْمَشْيِ وَرِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّ الرُّكُوبَ أَفْضَلُ ، وَمُقَابِلُ الثَّانِي الْقَوْلُ بِأَنَّ مَحَلَّ وُجُوبِ ابْتِدَاءِ الْمَشْيِ مِنْ الْمِيقَاتِ وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ مِنْ مَحَلٍّ يُحْرِمُ مِنْهُ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْحَجِّ الْإِحْرَامُ وَانْتِهَاءَهُ طَوَافُ الزِّيَارَةِ فَيَلْزَمُهُ بِقَدْرِ مَا الْتَزَمَ وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ التَّصْحِيحُ الْأَوَّلُ ، لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ : لَوْ أَنَّ بَغْدَادِيًّا قَالَ إنْ كَلَّمْتُ فُلَانًا فَعَلَيَّ أَنْ أَحُجَّ مَاشِيًا فَلَقِيَهُ بِالْكُوفَةِ فَكَلَّمَهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَمْشِيَ مِنْ بَغْدَادَ ، وَتَمَامُهُ فِي الْفَتْحِ وَالْبَحْرِ . [ تَنْبِيهٌ ] صَرِيحُ كَلَامِهِمْ هُنَا أَنَّ الْحَجَّ مَاشِيًا أَفْضَلُ مِنْهُ رَاكِبًا خِلَافًا لِمَا قَدَّمَهُ الشَّارِحُ أَوَّلَ كِتَابِ الْحَجِّ ، وَقَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ هُنَاكَ ( قَوْلُهُ حَتَّى يَطُوفَ الْفَرْضَ ) وَفِي النَّذْرِ بِالْعُمْرَةِ حَتَّى يَحْلِقَ لُبَابٌ . قَالَ شَارِحُهُ : وَقِيَاسُهُ فِي الْحَجِّ أَنْ يُقَيَّدَ بِحَلْقِهِ قَبْلَ الطَّوَافِ أَوْ بَعْدَهُ لِيَخْرُجَ عَنْ إحْرَامِهِ . ا هـ .
قُلْت : لَكِنَّ مُجَرَّدَ الطَّوَافِ فِي الْحَجِّ إحْلَالٌ عَنْ غَيْرِ النِّسَاءِ فَتَأَمَّلْ ( قَوْلُهُ وَفِي أَقَلِّهِ بِحِسَابِهِ ) أَيْ يَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِقَدْرِهِ مِنْ قِيمَةِ الشَّاةِ الْوَسَطِ بَحْرٌ ( قَوْلُهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ ) لِعَدَمِ الْعُرْفِ بِالْتِزَامِ النُّسُكِ بِهِ وَلِأَنَّ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ يَجُوزُ 620 دُخُولُهُ بِلَا إحْرَامٍ فَلَمْ يَصِرْ بِهِ مُلْتَزِمًا لِلْإِحْرَامِ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ
البحر الرائق شرح كنز الدقائق اقرأ →
( قَوْلُهُ : عَلَى الْمَشْيِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ أَوْ إلَى الْكَعْبَةِ حَجَّ أَوْ اعْتَمَرَ مَاشِيًا فَإِنْ رَكِبَ أَرَاقَ دَمًا بِخِلَافِ الْخُرُوجِ أَوْ الذَّهَابِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ أَوْ الْمَشْيِ إلَى الْحَرَمِ أَوْ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ) لِمَا قَدَّمْنَا فِي بَابِ الْهَدْيِ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ ، وَالْفَارِقُ الْعُرْفُ ، وَعَدَمُهُ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ فِي الْكَعْبَةِ أَوْ غَيْرِهَا كَمَا فِي الْهِدَايَةِ ; لِأَنَّ إيجَابَ أَحَدِ النُّسُكَيْنِ لَيْسَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مَدْلُولُ اللَّفْظِ وَلَا يَسْتَلْزِمُهُ ، وَلَا بِاعْتِبَارِ الْحُكْمِ بِذَلِكَ مَجَازًا ، وَلَا بِالنَّظَرِ إلَى الْغَالِبِ بَلْ ; لِأَنَّهُ تُعُورِفَ إيجَابُ أَحَدِ النُّسُكَيْنِ بِهِ فَصَارَ مَجَازًا لُغَوِيًّا حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً مِثْلُ قَوْلِهِ عَلَيَّ حَجَّةٌ أَوْ عُمْرَةٌ مَاشِيًا وَتَمَامُهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ ، وَقَدْ قَدَّمَ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ لَا يَرْكَبُ حَتَّى يَطُوفَ لِلرُّكْنِ فَيَلْزَمُهُ الْمَشْيُ مِنْ بَيْتِهِ لَا مِنْ حَيْثُ يَحْرُمُ فَإِنْ كَانَ النَّاذِرُ فِي مَكَّةَ ، وَأَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ النُّسُكَ الَّذِي لَزِمَهُ حَجًّا فَإِنَّهُ يُحَرِّمُ مِنْ الْحَرَمِ وَيَخْرُجُ إلَى عَرَفَاتٍ مَاشِيًا إلَى أَنْ يَطُوفَ لِلرُّكْنِ ، وَإِنْ أَرَادَ إسْقَاطَهُ بِعُمْرَةٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْحِلِّ فَيُحْرِمُ مِنْهُ وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ فِي ذَهَابِهِ إلَى الْحِلِّ أَوْ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنْهُ مُحْرِمًا وَالْوَجْهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ مِنْ بَلْدَتِهِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ مُحْرِمًا مِنْهَا بَلْ هُوَ ذَاهِبٌ إلَى مَحَلِّ الْإِحْرَامِ فَيُحْرِمُ مِنْهُ أَعْنِي الْمَوَاقِيتَ فِي الْأَصَحِّ لِمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَوْ أَنَّ بَغْدَادِيًّا قَالَ إلَى آخِرِهِ ، وَإِنَّمَا لَزِمَهُ دَمٌ بِرُكُوبِهِ ; لِأَنَّهُ أَدْخَلَ نَقْصًا فِيهِ وَمِثْلُ الْخُرُوجِ السَّفَرُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَكَذَا الشَّدُّ وَالْهَرْوَلَةُ وَالسَّعْيُ إلَى مَكَّةَ ، وَقَيَّدَ بِالْمَشْيِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى أَسْتَارِ الْكَعْبَةِ أَوْ بَابِ الْكَعْبَةِ أَوْ مِيزَابِهَا أَوْ أُسْطُوَانَةِ الْبَيْتِ أَوْ إلَى عَرَفَاتٍ ، وَمُزْدَلِفَةَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ ، وَمَسْأَلَةُ الْمَشْيِ إلَى الْحَرَمِ قَوْلُهُ : وَقَالَا يَلْزَمُهُ أَحَدُ النُّسُكَيْنِ وَالْوَجْهُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُ تُعُورِفَ بَعْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إيجَابُ النُّسُكِ بِهِ فَقَالَا بِهِ كَمَا تُعُورِفَ بِالْمَشْيِ إلَى الْكَعْبَةِ فَيَرْتَفِعُ الْخِلَافُ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ .
الاختيار لتعليل المختار اقرأ →
188 كِتَابُ الْحَجِّ
وَهُوَ فَرِيضَةُ الْعُمْرِ ، وَلَا يَجِبُ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ حُرٍّ عَاقِلٍ بَالِغٍ صَحِيحٍ قَادِرٍ عَلَى الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ ، وَنَفَقَةِ ذَهَابِهِ وَإِيَابِهِ فَاضِلًا عَنْ حَوَائِجِهِ الْأَصْلِيَّةِ وَنَفَقَةِ عِيَالِهِ إِلَى حِينِ يَعُودُ وَيَكُونُ الطَّرِيقُ أَمْنًا ، وَلَا تَحُجُّ الْمَرْأَةُ إِلَّا بِزَوْجٍ أَوْ مَحْرَمٍ إِذَا كَانَ سَفَرًا ، وَنَفَقَةُ الْمَحْرَمِ عَلَيْهَا ، وَتَحُجُّ مَعَهُ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ إِذَنْ زَوْجِهَا .

المالكية

مواهب الجليل في شرح مختصر خليل اقرأ →
ص ( وَأَمَرَهُ مَقْدُورُهُ وَإِلَّا نَابَ عَنْهُ إنْ قَبْلَهَا كَطَوَافٍ لَا كَتَلْبِيَةٍ وَرُكُوعٍ )
ش : يَعْنِي أَنَّ الْوَلِيَّ إذَا أَحْرَمَ عَنْ الصَّبِيِّ فَإِنَّهُ يَأْمُرُهُ أَنْ يَأْتِيَ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ مِمَّا يَقْدِرُ عَلَى فِعْلِهِ وَمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى فِعْلِهِ فَإِنَّهُ يَنُوبُ عَنْهُ فِي فِعْلِهِ إنْ قَبِلَ ذَلِكَ الْفِعْلُ النِّيَابَةَ كَالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَالرَّمْيِ ، وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ النِّيَابَةَ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْ الصَّبِيِّ كَالتَّلْبِيَةِ وَالرُّكُوعِ لِلْإِحْرَامِ وَالرُّكُوعِ لِلطَّوَافِ ، وَهَذَا نَحْوُ قَوْلِهِ فِي التَّوْضِيحِ . قَاعِدَةٌ إنَّ كُلَّ مَا يُمْكِنُ الصَّبِيُّ فِعْلُهُ بِنَفْسِهِ وَمَا لَا يُمْكِنُ فِعْلُهُ فَإِنْ قَبِلَ النِّيَابَةَ فَعَلَ عَنْهُ وَإِلَّا سَقَطَ انْتَهَى .
وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ جِهَةِ كَوْنِ فِعْلِ الطَّوَافِ وَمَا أَشْبَهَهُ يَقْبَلُ النِّيَابَةَ فَإِنَّ حَقِيقَةَ النِّيَابَةِ أَنْ يَأْتِيَ النَّائِبُ بِالْفِعْلِ دُونَ الْمَنُوبِ عَنْهُ قَالَ فِي الصِّحَاحِ : نَابَ عَنَّى فُلَانٌ ، أَيْ قَامَ مَقَامِي وَلَيْسَ الْأَمْرُ فِي الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ كَذَلِكَ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يُطَافَ بِهِ وَيَسْعَى مَحْمُولًا وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ : ضَابِطُ ذَلِكَ كُلُّ مَا يُمْكِنُ الصَّبِيُّ فِعْلُهُ مُسْتَقِلًّا فَعَلَهُ وَمَا لَا يُمْكِنُهُ مُسْتَقِلًّا فَعَلَ بِهِ كَالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَمَا لَا يُمْكِنُهُ فِعْلُهُ مُسْتَقِلًّا وَلَا أَنْ يَفْعَلَ بِهِ فَإِنْ قَبِلَ النِّيَابَةَ كَالرَّمْيِ فَعَلَ عَنْهُ وَإِلَّا سَقَطَ كَالتَّلْبِيَةِ وَالرُّكُوعِ عَلَى الْمَشْهُورِ فِيهِمَا وَفِي كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ إشَارَةٌ إلَى ذَلِكَ وَنَصُّهُ وَبِالْجُمْلَةِ أَنَّ كُلَّ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَفْعَلَهُ الصَّبِيُّ فَلَا يَفْعَلُ عَنْهُ ، وَمَا لَا يُمْكِنُهُ فِعْلُهُ مُسْتَقِلًّا وَلَا أَنْ يَفْعَلَ بِهِ وَالْأَصْلُ سُقُوطُهُ كَالتَّلْبِيَةِ ، وَاخْتُلِفَ فِي الرُّكُوعِ وَالْأَشْهَرُ سُقُوطُهُ لِمَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ ، وَقَالَ حَمْدِيسٌ وَغَيْرُهُ : يَرْكَعُ عَنْهُ ; لِأَنَّ رُكُوعَ الطَّوَافِ جُزْءٌ مِنْ الْحَجِّ الَّذِي تَصِحُّ النِّيَابَةُ فِيهِ انْتَهَى وَبَقِيَ عَلَيْهِ التَّصْرِيحُ بِأَنْ يَقُولَ : وَمَا لَا يُمْكِنُهُ فِعْلُهُ مُسْتَقِلًّا وَلَا أَنْ يَفْعَلَ بِهِ وَقَبْلَ النِّيَابَةِ فَعَلَ عَنْهُ كَالرَّمْيِ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ مِنْ الصَّبِيِّ اسْتِقْلَالًا وَلَا بِمُشَارَكَةٍ فَيَفْعَلُ عَنْهُ وَمَا لَا يَقْبَلُ النِّيَابَةَ سَقَطَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ ) مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ التَّلْبِيَةَ لَا يَنُوبُ عَنْهُ فِيهَا هُوَ الْمَشْهُورُ قَالَ فِي الطِّرَازِ : وَإِذَا كَانَ الصَّبِيُّ يَتَكَلَّمُ فَإِنَّهُ يُلَقَّنُ التَّلْبِيَةَ وَإِنْ كَانَ لَا يَتَكَلَّمُ لِصِغَرِهِ سَقَطَ حُكْمُ التَّلْبِيَةِ فِي حَقِّهِ كَمَا يَسْقُطُ فِي حَقِّ الْأَخْرَسِ الْكَبِيرِ وَإِذَا سَقَطَ وُجُوبُهَا رَأْسًا سَقَطَ حُكْمُ الدَّمِ عَنْهَا إذَا لَمْ يَتْرُكْ وَاجِبًا ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ التَّلْبِيَةَ رُكْنٌ كَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ يُلَبِّي عَنْهُ وَلِيُّهُ كَمَا يَنْوِي عَنْهُ انْتَهَى .
وَالْقَوْلُ بِأَنَّ التَّلْبِيَةَ كَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ لِابْنِ حَبِيبٍ ، وَقَالَ الشَّارِحُ : لَا يُلَبِّي عَنْهُ ; لِأَنَّ التَّلْبِيَةَ مِنْ أَعْمَالِ الْأَبَدَانِ الصِّرْفَةِ وَلَمْ يَعْمَلْ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ وَلَمْ أَرَ مَنْ حَكَى فِي ذَلِكَ خِلَافًا قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ : وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَتَخَرَّجُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ بِجَوَازِ الرُّكُوعِ عَنْهُ قَوْلٌ بِجَوَازِ التَّلْبِيَةِ عَنْهُ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ مَعْجُوزٌ عَنْهَا ; لِأَنَّ الرُّكُوعَ لَمَّا كَانَ كَالْجُزْءِ مِنْ الطَّوَافِ ، وَالطَّوَافُ يَقْبَلُ النِّيَابَةَ نَاسَبَ أَنْ يَرْكَعَ عَنْهُ بِخِلَافِ التَّلْبِيَةِ انْتَهَى .
وَفِي قَوْلِهِ إنَّ الطَّوَافَ يَقْبَلُ النِّيَابَةَ نَظَرٌ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَتَقَدَّمَ فِي كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ أَنَّهُ يُلَبِّي عَنْهُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ التَّلْبِيَةَ رُكْنٌ ، وَذَلِكَ ; لِأَنَّ الْأَرْكَانَ لَا بُدَّ مِنْ الْإِتْيَانِ بِهَا وَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْأَعْمَالِ الْبَدَنِيَّةِ أَلَا تَرَى أَنَّ النِّيَّةَ مِنْ أَعْمَالِ الْقَلْبِ وَمَعَ ذَلِكَ يَنُوبُ عَنْهُ فِيهَا ; لِأَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ الْإِحْرَامُ إلَّا بِهَا ، وَالظَّاهِرُ فِي تَوْجِيهِ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يَرْكَعُ عَنْهُ لِلطَّوَافِ أَنَّ الطَّوَافَ لَمَّا كَانَ مِنْ الْأَرْكَانِ وَكَانَ الرُّكُوعُ مِنْ وَاجِبَاتِهِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا وَيُعِيدُ الطَّوَافَ لِأَجْلِهَا إنْ كَانَ بِمَكَّةَ أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا صَارَ كَالْجُزْءِ مِنْهُ فَأُمِرَ بِالرُّكُوعِ عَنْهُ ، وَوَجْهُ الْمَشْهُورِ أَنَّ الرُّكُوعَ لَمَّا كَانَ لَيْسَ شَرْطًا فِي صِحَّتِهِ وَإِلَّا لَرَجَعَ لَهُ مِنْ بَلَدِهِ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ شَرْطًا فِي صِحَّتِهِ سَقَطَ اعْتِبَارُهُ وَعَلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَا يَرْكَعُ عَنْهُ الْإِحْرَامُ بِلَا خِلَافٍ ; لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ سُنَنِ الْإِحْرَامِ اتِّفَاقًا ، وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّهُ يَرْكَعُ عَنْهُ لِلطَّوَافِ فَلَمْ يَذْكُرْهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَلَا ابْنُ عَرَفَةَ وَلَمْ أَرَهُ فِي النَّوَادِرِ وَذَكَرَهُ ابْنُ يُونُسَ وَعَزَاهُ لِحَمْدِيسٍ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ ، وَهَكَذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَعَزَاهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لِحَمْدِيسٍ وَغَيْرِهِ .
( الثَّانِي ) ذَكَرَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي أَلْغَازِهِ فِي بَابِ الْحَجِّ أَنَّ الصَّغِيرَ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ الطَّهَارَةَ وَلَا يُمْتَثَلُ 484 مَا يُؤْمَرُ بِهِ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ طَوَافِهِ فِيهِ سَتْرُ الْعَوْرَةِ وَطَهَارَتُهُ مِنْ الْخُبْثِ وَلَا يَبْطُلُ طَوَافُهُ بِطُرُوِّ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ وَلَيْسَ بِهِ سَلَسٌ ، ( قُلْت ) هُوَ الصَّغِيرُ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ الطَّهَارَةَ وَلَا يَمْتَثِلُ مَا أُمِرَ بِهِ انْتَهَى .
( قُلْت ) وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي طَوَافِهِ بَقِيَّةُ شُرُوطِ الطَّوَافِ مِنْ طَهَارَةِ الْحَدَثِ وَكَوْنِ الْبَيْتِ عَنْ يَسَارِهِ وَالْخُرُوجِ عَنْ الشَّاذَرْوَانِ ; لِأَنَّهُمْ لَمَّا ذَكَرُوا هَذِهِ الشُّرُوطَ لَمْ يَخُصُّوهَا بِأَحَدٍ ، وَلِقَوْلِ ابْنِ فَرْحُونٍ : وَلَا يُبْطِلُهُ طُرُوُّ الْحَدَثِ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُطْلَبُ أَوَّلًا بِالطَّهَارَةِ مِنْ الْحَدَثِ وَلِقَوْلِهِ فِي الذَّخِيرَةِ : وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ الصَّبِيُّ عَلَى الطَّوَافِ طَافَ بِهِ مَنْ طَافَ عَنْ نَفْسِهِ مَحْمُولًا عَلَى سُنَّةِ الطَّوَافِ ، انْتَهَى .
وَقَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ الشَّافِعِيُّ فِي مَنْسَكِهِ الْكَبِيرِ فِي الْكَلَامِ عَلَى شُرُوطِ الطَّوَافِ : قَالَ الشَّافِعِيَّةُ : وَإِذَا طَافَ الْوَلِيُّ بِغَيْرِ الْمُمَيِّزِ فَإِنْ كَانَا غَيْرَ مُتَوَضِّئَيْنِ لَمْ يَصِحَّ الطَّوَافُ وَكَذَا إنْ كَانَ الصَّبِيُّ مُتَوَضِّئًا وَالْوَلِيُّ مُحْدِثًا ، وَكَذَلِكَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَإِنْ كَانَ الْوَلِيُّ مُتَوَضِّئًا وَالصَّبِيُّ مُحْدِثًا فَوَجْهَانِ ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّهُ يَصِحُّ انْتَهَى . وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ الْمَالِكِيَّةِ فِي الْفَرْعَيْنِ غَرِيبٌ .
( الثَّالِثُ ) حُكْمُ الْمَجْنُونِ الْمُطْبِقِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرَتْهُ حُكْمُ الصَّبِيِّ كَمَا قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَنَصُّهُ بَعْدَ ذِكْرِهِ الْإِحْرَامَ بِالصَّبِيِّ وَالطَّوَافَ بِهِ وَالسَّعْيَ بِهِ وَالرَّمْيَ عَنْهُ ، وَالْمَجْنُونُ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ كَالصَّبِيِّ ، انْتَهَى .
ص ( وَأَحْضَرَهُمْ الْمَوَاقِفَ )
ش : الضَّمِيرُ لِلرَّضِيعِ وَالْمُطْبِقِ وَالصَّبِيِّ وَالْمُمَيِّزِ يَعْنِي أَنَّ الْوَلِيَّ لَا بُدَّ أَنْ يُحْضِرَ الطِّفْلَ غَيْرَ الْمُمَيِّزِ وَالْمَجْنُونَ وَالْمُمَيِّزَ مَوَاقِفَ الْحَجِّ ، وَالْمُرَادُ بِهَا عَرَفَةُ وَمُزْدَلِفَةُ وَمِنًى وَلَا يَنُوبُ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ ، وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ : لَمَّا قَدَّمَ أَنَّهُ يَنُوبُ عَنْهُمْ فِيمَنْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ خَافَ أَنْ يُتَوَهَّمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي إحْضَارِهِمْ الْمَوَاقِفَ فَأَجَابَ بِزَوَالِ ذَلِكَ انْتَهَى .
وَقَالَ الشَّارِحُ فِي الصَّغِيرِ : الضَّمِيرُ فِي إحْضَارِهِمْ عَائِدٌ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى إذَا طَرَأَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ انْتَهَى وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ ; لِأَنَّ مَنْ طَرَأَ عَلَيْهِ الْإِغْمَاءُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ فِي كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ وَمَا ذَكَرْتُهُ فِي تَفْسِيرِ الْمَوَاقِفِ يَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ فِي التَّوْضِيحِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَيُحْضِرُهُ الْمَوَاقِيتَ فِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ الْمِيقَاتَ وَاحِدٌ وَلَعَلَّهُ يُرِيدُ الْمَشَاعِرَ كَعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَمِنًى انْتَهَى .
وَفَسَّرَ بَعْضُهُمْ الْمَوَاقِفَ بِعَرَفَةَ ، قَالَ : وَجُمِعَتْ بِاعْتِبَارِ أَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ مِنْهَا يَصِحُّ فِيهِ الْوُقُوفُ وَهَذَا لَيْسَ بِظَاهِرٍ ; لِأَنَّهُ لَا يُطْلَبُ مِنْهُ إحْضَارُهُ فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ عَرَفَةَ وَمِثْلُهُ تَفْسِيرُ بَعْضِهِمْ الْمَوَاقِفَ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَقَالَ : أَقَلُّ الْجَمْعِ اثْنَانِ ; لِأَنَّ مِنًى مِنْ الْمَوَاقِفِ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ يُطْلَبُ بِهَا الْوُقُوفُ إثْرَ رَمْيِ الْجِمَارِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
المدونة اقرأ →
394 كِتَابُ الْحَجِّ الْأَوَّلُ مَا جَاءَ فِي الْقِرَانِ وَالْغُسْلِ لِلْمُحْرِمِ قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ : أَيُّ ذَلِكَ أَحَبُّ إلَى مَالِكٍ الْقِرَانُ أَمْ الْإِفْرَادُ بِالْحَجِّ أَمْ الْعُمْرَةُ ؟
قَالَ : قَالَ مَالِكٌ : الْإِفْرَادُ بِالْحَجِّ أَحَبُّ إلَيَّ .
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ : هَلْ يُوَسِّعُ مَالِكٌ فِي تَرْكِ الْغُسْلِ لِلرَّجُلِ أَوْ الْمَرْأَةِ إذَا أَرَادَ الْإِحْرَامَ ؟ قَالَ : لَا إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ .
قَالَ : وَقَالَ مَالِكٌ : وَالنُّفَسَاءُ تَغْتَسِلُ وَالْحَائِضُ تَغْتَسِلُ إذَا أَرَادَتْ الْإِحْرَامَ وَلَا تَدَعُ الْغُسْلَ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ ، وَكَانَ مَالِكٌ يَسْتَحِبُّ الْغُسْلَ وَلَا يَسْتَحِبُّ أَنْ يَتَوَضَّأَ مَنْ يُرِيدُ الْإِحْرَامَ وَيَدَعَ الْغُسْلَ .
قَالَ مَالِكٌ : إنْ اغْتَسَلَ بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ يُرِيدُ الْإِحْرَامَ ثُمَّ مَضَى مَنْ فَوْرِهِ إلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ فَأَحْرَمَ ، قَالَ : أَرَى غُسْلَهُ مُجْزِئًا عَنْهُ ، قَالَ : وَإِنْ اغْتَسَلَ بِالْمَدِينَةِ غُدْوَةً ثُمَّ أَقَامَ إلَى الْعَشِيِّ ثُمَّ رَاحَ إلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ فَأَحْرَمَ ؟ قَالَ : لَا يُجْزِئُهُ الْغُسْلُ ، قَالَ : وَإِنَّمَا يَجُوزُ الْغُسْلُ بِالْمَدِينَةِ لِرَجُلٍ يَغْتَسِلُ ثُمَّ يَرْكَبُ مِنْ فَوْرِهِ ، أَوْ رَجُلٍ يَأْتِي ذَا الْحُلَيْفَةِ فَيَغْتَسِلُ إذَا أَرَادَ الْإِحْرَامَ .
المدونة اقرأ →
439 كِتَابُ الْحَجِّ الثَّانِي قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ مُحْرِمًا عَبَثَ بِذَكَرِهِ فَأَنْزَلَ يُفْسِدُ ذَلِكَ حَجَّهُ ؟
قَالَ : قَالَ مَالِكٌ : إذَا كَانَ رَاكِبًا فَهَزَّتْهُ دَابَّتُهُ فَتَرَكَ ذَلِكَ اسْتِلْذَاذًا مِنْهُ لَهُ حَتَّى أَنْزَلَ ، فَقَدْ أَفْسَدَ حَجَّهُ ، أَوْ تَذَكَّرَ فَأَدَامَ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ تَلَذُّذًا مِنْهُ بِذَلِكَ وَهُوَ مُحْرِمٌ حَتَّى أَنْزَلَ ، قَالَ : قَالَ مَالِكٌ : قَدْ أَفْسَدَ حَجَّهُ وَعَلَيْهِ الْحَجُّ قَابِلًا .
المدونة اقرأ →
479 كِتَابُ الْحَجِّ الثَّالِثِ قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ : أَرَأَيْت كُلَّ هَدْيٍ قَلَّدَهُ رَجُلٌ مِنْ جَزَاءِ صَيْدٍ أَوْ نَذْرٍ أَوْ هَدْيِ الْقِرَانِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مَنْ الْهَدْيِ الْوَاجِبِ أَوْ التَّطَوُّعِ ، إذَا قَلَّدَهُ وَأَشْعَرَهُ وَهُوَ صَحِيحٌ يَجُوزُ فِي الْهَدْيِ ثُمَّ عَطِبَ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ عَمِيَ أَوْ أَصَابَهُ عَيْبٌ ، فَحَمَلَهُ صَاحِبُهُ أَوْ سَاقَهُ حَتَّى أَوْقَفَهُ بِعَرَفَةَ فَنَحَرَهُ بِمِنًى ؟
قَالَ : قَالَ مَالِكٌ : يُجْزِئُهُ ، قُلْت : فَلَوْ سَاقَهُ إلَى مِنًى وَقَدْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ أَيُجْزِئُهُ أَنْ يَنْحَرَهُ بِمِنًى أَوْ حَتَّى يَرُدَّهُ إلَى الْحِلِّ ثَانِيَةً فَيُدْخِلُهُ الْحَرَمَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ ؟
قَالَ : إنْ كَانَ قَدْ أَدْخَلَهُ مِنْ الْحِلِّ يُخْرِجُهُ إلَى الْحِلِّ ثَانِيَةً ، وَلَكِنْ يَسُوقُهُ إلَى مَكَّةَ فَيَنْحَرُهُ بِمَكَّةَ .
الذخيرة اقرأ →
229 كِتَابُ الْحَجْرِ
وَالْحَجْرُ : الْمَنْعُ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : " وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا " . أَيْ : تَحْرِيمًا مُحَرَّمًا ، وَمِنْهُ حُجْرَةُ الدَّارِ لِمَنْعِهَا مِنَ الدُّخُولِ إِلَيْهَا ، وَيُسَمَّى الْحَجْرُ عَقْلًا لِمَنْعِهِ صَاحِبَهُ مِنَ الرَّذَائِلِ ، وَهُوَ فِي الشَّرْعِ الْمَنْعُ مِنَ التَّصَرُّفِ ، قَالَهُ فِي التَّنْبِيهَاتِ .
وَأَسْبَابُهُ ثَمَانِيَةٌ : الصِّبَا ، وَالْجُنُونُ ، وَالتَّبْذِيرُ ، وَالرِّقُّ ، وَالْفَلَسُ ، وَالْمَرَضُ ، وَالنِّكَاحُ ، وَالرِّدَّةُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْمَرَضِ فِي الْوَصَايَا وَالتَّفْلِيسِ ، وَهَاهُنَا الْكَلَامُ عَلَى سَبَبِهِ :
السَّبَبُ الْأَوَّلُ : الصِّبَا . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : " وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ " . فَشَرَطَ الرُّشْدَ مَعَ الْبُلُوغِ ، وَفِي الْكِتَابِ : لَا يَخْرُجُ الْمَوْلَى عَلَيْهِ بِأَبٍ أَوْ وَصِيٍّ - وَإِنْ حَاضَتِ الْجَارِيَةُ وَتَزَوَّجَتْ وَاحْتَلَمَ الْغُلَامُ - مِنَ الْوَلَايَةِ إِلَّا بِالرُّشْدِ . قَالَ ابْنُ يُونُسَ : قَالَ بَعْضُ الْبَغْدَادِيِّينَ : لَا يَزُولُ حَجْرُ الصَّغِيرَةِ حَتَّى تَبْلُغَ وَتَتَزَوَّجَ وَيَدْخُلَ بِهَا زَوْجُهَا ، وَتَكُونَ مُصْلِحَةً لِمَالِهَا . وَقَالَ الْأَئِمَّةُ : يَنْفَكُّ الْحَجْرُ بِمُجَرَّدِ الْبُلُوغِ لِعُمُومِ الْآيَةِ .
لَنَا : أَنَّ مَقْصُودَ الرُّشْدِ : مَعْرِفَةُ الْمَصَالِحِ ، وَقِيلَ : اخْتِيَارُ الْأَزْوَاجِ يَكُونُ الْجَهْلُ 230 وَالنَّقْصُ فِي الْمَعْرِفَةِ حَاصِلَيْنِ . وَعَنْ شُرَيْحٍ قَالَ : [ كَتَبَ ] إِلَيَّ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : أَنْ لَا أُجِيزَ لِلْجَارِيَةِ عَطِيَّةً حَتَّى تُحَوَّلَ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَتَلِدَ وَلَدًا ; وَلِأَنَّ الْإِجْبَارَ لِلْأَبِ بَاقٍ وَهُوَ حَجْرٌ فَيَعُمُّ الْحَجْرُ ، وَمَنَعُوا صِحَّةَ الْأَوَّلِ ، وَفَرَّقُوا فِي الثَّانِي : بِأَنَّ مَصْلَحَةَ النِّكَاحِ إِنَّمَا تُعْلَمُ بِالْمُبَاشَرَةِ وَهِيَ مُتَعَذِّرَةٌ ، وَمُبَاشَرَةُ الْبَيْعِ وَالْمُعَامَلَةِ غَيْرُ مُتَعَذِّرَةٍ ، وَمَنَعْنَا نَحْنُ التَّمَسُّكَ بِالْآيَةِ أَيْضًا ; لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى : " فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا " مَعْنَاهُ إِصْلَاحُ الْمَالِ إِجْمَاعًا ، وَنَحْنُ نَمْنَعُ تَحَقُّقَهُ قَبْلَ الْغَايَةِ الْمَذْكُورَةِ .
وَأَمَّا الْجَارِيَةُ وَالْغُلَامُ اللَّذَانِ لَا وَصِيَّ لَهُمَا ، وَلَا جَعَلَهُمَا الْقَاضِي تَحْتَ وَلَايَةِ غَيْرِهِمَا فَبَلَغَا لَا يَخْرُجَانِ مِنَ الْوَلَايَةِ إِلَّا بِالرُّشْدِ ؛ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ طَرْدًا لِلْعِلَّةِ ، تَقَدَّمَ الْحَجْرُ أَمْ لَا . وَعِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِ مَالِكٍ : أَفْعَالُهُمَا نَافِذَةٌ بِمُجَرَّدِ الْبُلُوغِ ; لِعَدَمِ تَقَدُّمِ الْحَجْرِ ، وَالْبُلُوغُ مَظِنَّةُ الرُّشْدِ وَكَمَالِ الْعَقْلِ .
قَالَ اللَّخْمِيُّ : اخْتُلِفَ فِي وَقْتِ الِابْتِلَاءِ لِمَنْ كَانَ فِي وَلَاءٍ : فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ : بَعْدَ الْبُلُوغِ ; لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ قَبْلَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ ، وَالِاخْتِبَارُ بَعْدَ وُجُودِهِ ، وَعِنْدَ الْأَبْهَرِيِّ وَغَيْرِهِ : يَصِحُّ قَبْلَ الْبُلُوغِ . وَقَالَهُ ( ش ) ، وَابْنُ حَنْبَلٍ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ " فَجَعَلَ الْبُلُوغَ غَايَةً لِلِابْتِلَاءِ وَبَعْدَهُ وَعَقَّبَ الْبُلُوغَ بِالرَّفْعِ بِصِيغَةِ أُلْفًا . وَقَالَ أَصْحَابُ ابْنِ حَنْبَلٍ : يُخْتَبَرُ أَوْلَادُ التُّجَّارِ بِتَعْرِيضِهِمْ لِلْبَيْعِ ، وَأَوْلَادُ الْكُبَرَاءِ بِدَفْعِ نَفَقَةِ مُدَّةٍ ، وَالْمَرْأَةُ بِالتَّوْكِيلِ فِي شِرَاءِ الْكَتَّانِ ، وَفِي كُلِّ أَحَدٍ بِمَا يَلِيقُ بِهِ ، وَمَا يَنْبَغِي مُخَالَفَتُهُمْ فِي هَذَا . وَاخْتُلِفَ فِي اخْتِبَارِهِ بِمَالِهِ : فَظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ الْمَنْعُ ; لِقَوْلِهِ : إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ وَلَحِقَهُ دَيْنٌ لَمْ يَلْحَقْ ذَلِكَ الدَّيْنُ الْمَالَ الَّذِي فِي يَدِهِ . وَجَوَّزَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ لِوَلِيِّهِ إِذَا قَارَبَ الْبُلُوغَ بِقَدْرٍ مُعَيَّنٍ يَخْتَبِرُهُ بِهِ إِذَا رَأَى دَلِيلَ الرُّشْدِ ، فَمَنْ جَعَلَ ذَلِكَ لِوَلِيِّهِ اكْتَفَى بِعِلْمِهِ ، وَمَنْ جَعَلَهُ لِلْحَاكِمِ لَمْ يَكْتَفِ بِقَوْلِ وَلِيِّهِ دُونَ أَنْ تَشْهَدَ الْبَيِّنَةُ عِنْدَهُ بِذَلِكَ ; لِأَنَّهُ حُكْمٌ حُكْمِيٌّ ، وَاخْتُلِفَ فِي الشَّهَادَةِ فَقِيلَ : يَكْفِي شَاهِدَانِ ، وَقَالَ أَصْبَغُ : لَا بُدَّ فِي الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى مِنَ الِاشْتِهَارِ مَعَ الشَّهَادَةِ . قَالَ اللَّخْمِيُّ : وَهُوَ صَوَابٌ فِي الذَّكَرِ لِتَيَسُّرِ الِاشْتِهَارِ فِي حَقِّهِ ، وَالْأُنْثَى لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا إِلَّا الْقَلِيلُ .
وَاخْتُلِفَ فِي الرُّشْدِ . فِي الْكِتَابِ : إِصْلَاحُ الْمَالِ وَصَوْنُهُ عَنِ الْمَعَاصِي ، قَالَهُ 231 أَشْهَبُ ، وَلَا يُعْتَبَرُ سَفَهُ الدِّينِ . وَقَالَ ( ش ) : لَا بُدَّ فِي الرُّشْدِ مِنْ إِصْلَاحِ الْمَالِ وَالدِّينِ مَعًا ، وَوَافَقَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ ، وَخَالَفَهُ ( ح ) ، وَابْنُ حَنْبَلٍ ; لِأَنَّ مَنْ ضَعُفَ حَزْمُهُ عَنْ دِينِهِ الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ مِنْ مَالِهِ لَا يُوثَقُ بِهِ فِي مَالِهِ .
وَجَوَابُهُ : أَنَّ وَازِعَ الْمَالِ طَبِيعِيٌّ ، وَوَازِعُ الدِّينِ شَرْعِيٌّ ، وَالطَّبِيعِيُّ أَقْوَى بِدَلِيلِ قَبُولِ إِقْرَارِ الْفَاسِقِ الْفَاجِرِ ; لِأَنَّ وَازِعَهُ طَبِيعِيٌّ ، وَرَدِّ شَهَادَتِهِ ; لِأَنَّ الْوَازِعَ فِيهَا شَرْعِيٌّ ، فَاشْتُرِطَتِ الْعَدَالَةُ فِيهَا دُونَ الْإِقْرَارِ .
تَمَسَّكُوا بِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى : " فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا " نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الثُّبُوتِ فَيَكُونُ مُطْلَقًا ، وَقَدْ أَجْمَعْنَا عَلَى اعْتِبَارِهِ فِي إِصْلَاحِ الْمَالِ وَالدِّينِ وَأَنَّهُ إِذَا أَصْلَحَهُمَا كَانَ رَشِيدًا ، وَالْمُطْلَقُ إِذَا عُمِلَ فِي صُورَةٍ سَقَطَ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ فِيمَا عَدَاهَا .
جَوَابُهُمْ : أَنَّ النَّكِرَةَ فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ تَعُمُّ ، وَإِنَّمَا تَكُونُ مُطْلَقَةً إِذَا لَمْ يَكُنْ شَرْطٌ ، نَحْوَ : فِي الدَّارِ رَجُلٌ ، وَإِذَا عَمَّتْ تَنَاوَلَتْ صُورَةَ النِّزَاعِ ، سَلَّمْنَا عَدَمَ الْعُمُومِ ، لَكِنْ أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ إِصْلَاحَ الْمَالِ مُرَادٌ ، وَاخْتُلِفَ هَلْ غَيْرُهُ مُرَادٌ أَمْ لَا ؟ وَالْأَصْلُ عَدَمُ إِرَادَتِهِ ، بَلِ الْآيَةُ تَقْتَضِي عَدَمَ اشْتِرَاطِهِ لِقَوْلِهِ : " حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ " وَالْبُلُوغُ مَظِنَّةُ كَمَالِ الْعَقْلِ ، وَنَقْصِ الدِّينِ بِحُصُولِ الشَّهْوَةِ وَتَوَفُّرِ الدَّاعِيَةِ عَلَى الْمَلَاذِّ حِينَئِذٍ . فَلَمَّا اقْتُصِرَ عَلَى هَذِهِ الْغَايَةِ عَلِمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ إِصْلَاحُ الْمَالِ فَقَطْ ، وَلِأَنَّا نَجِدُ الْفَاسِقَ شَدِيدَ الْحِرْصِ عَلَى مَالِهِ فِي كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ . قَالَ اللَّخْمِيُّ : إِذَا أَحْرَزَ مَالَهُ وَلَمْ يُحْسِنِ التَّنْمِيَةَ لَا يَضُرُّهُ ; لِأَنَّ الْوَلِيَّ إِذَا أَمْسَكَ الْمَالَ عِنْدَهُ لَمْ يُنَمِّهِ ، وَلِإِجْمَاعِنَا عَلَى أَنَّ الْعَجْزَ عَنِ التَّجْرِ لَا يُوجِبُ الْحَجْرَ ، وَهَذَا إِذَا كَانَ عَيْنًا وَمَا لَا يُخْشَى فَسَادُهُ ، وَأَمَّا الرَّبْعُ يُخْشَى خَرَابُهُ مَعَهُ فَلَا يُدْفَعُ إِلَيْهِ ; لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى عَدَمِ الْإِحْرَازِ . وَفَسَادُ الدِّينِ إِنْ كَانَ لَا يُفْسِدُ الْمَالَ كَالْكَذِبِ وَشَهَادَةِ الزُّورِ لَا يَمْنَعُ ; لِإِجْمَاعِنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَسْتَأْنِفُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ حَجْرًا وَهُوَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ ، وَلَا يُدْفَعُ إِلَيْهِ مَالُهُ ; لِأَنَّهُ يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى ذَلِكَ .
وَكُلُّ مَنْ بَلَغَ مِنَ الْأَيْتَامِ بَعْدَ تَقَدُّمِ حَجْرٍ عَلَيْهِ فَهُوَ عَلَى السَّفَهِ حَتَّى يُخْتَبَرَ ؛ لِظَاهِرِ الْقُرْآنِ ، أَمَّا مَنْ لَهُ أَبٌ أَوْ يَتِيمٌ لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ ؛ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ : إِذَا احْتَلَمَ الْغُلَامُ ذَهَبَ 232 حَيْثُ شَاءَ وَلَا يَمْنَعُهُ الْأَبُ ، وَحَمَلَهُ عَلَى الرُّشْدِ لِوُجُودِ مَظِنَّتِهِ . وَقَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْيَتِيمِ غَيْرِ الْمَحْجُورِ ، وَلِأَنَّ غَالِبَ بَنِي آدَمَ " مَجْبُولُونَ عَلَى " حُبِّ الدُّنْيَا ، وَالْحِرْصِ عَلَيْهَا ، فَيَلْحَقُ النَّادِرُ بِالْغَالِبِ ، وَقِيلَ : هُمَا عَلَى السَّفَهِ قِيَاسًا عَلَى الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الْحَجْرَ لَا يُخِلُّ بِالْعَقْلِ ، وَقِيلَ : يَكْفِي فِي الْإِنَاثِ الدُّخُولُ ، وَعَنْ مَالِكٍ فِي كِتَابِ الْحَبْسِ : يَكْفِي الْبُلُوغُ ، وَالْبِكْرُ الَّتِي لَا أَبَ لَهَا قِيلَ : هِيَ عَلَى السَّفَهِ حَتَّى يَثْبُتَ رُشْدُهَا ، وَعَنْ سُحْنُونٍ : هِيَ كَالصَّبِيِّ ، وَيُمْكِنُ رَدُّ الْخِلَافِ إِلَى الْخِلَافِ فِي السَّفِيهِ الْمُهْمَلِ ، وَمَشْهُورُ الْمَذْهَبِ إِذَا لَمْ يَتَقَدَّمْ عَلَيْهَا حَجْرٌ أَنَّ أَفْعَالَهَا عَلَى الْجَوَازِ ، قَالَ صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ : الْأَحْوَالُ أَرْبَعَةٌ : حَالَةٌ يُحْكَمُ فِيهَا بِالسَّفَهِ وَإِنْ ظَهَرَ الرُّشْدُ ; لِأَنَّ الْغَالِبَ السَّفَهُ فِيهَا ، وَحَالَةٌ يُحْكَمُ فِيهَا بِالرُّشْدِ وَإِنْ عُلِمَ السَّفَهُ ، وَحَالَةٌ يَحْتَمِلُهَا وَالْأَظْهَرُ السَّفَهُ فَيُحْكَمُ بِهِ مَا لَمْ يَظْهَرِ الرُّشْدُ ، وَحَالَةٌ يَحْتَمِلُهُمَا وَالْأَظْهَرُ الرُّشْدُ فَيُحْكَمُ بِهِ مَا لَمْ يَظْهَرِ السَّفَهُ .
أَمَّا الْحَالَةُ الْأُولَى : فَلَا يَخْتَلِفُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ أَنَّ الْإِنْسَانَ قَبْلَ الْبُلُوغِ مَحْمُولٌ عَلَى السَّفَهِ وَإِنْ ظَهَرَ رُشْدُهُ ، وَأَنَّ تَصَرُّفَاتِهِ مِنَ الصَّدَقَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمَعْرُوفِ مَرْدُودَةٌ وَإِنَّ فِيهَا الْأَبَ أَوِ الْوَصِيَّ ، وَتَصَرُّفُ الْمُعَاوَضَةِ مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ الْوَلِيِّ إِنْ رَآهُ مَصْلَحَةً وَإِلَّا رَدَّهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ يُجْعَلُ لَهُ وَلِيٌّ ، وَإِنْ غُفِلَ عَنْ ذَلِكَ حَتَّى وَلِيَ أَمْرَ نَفْسِهِ فَلَهُ الْإِمْضَاءُ وَالرَّدُّ كَالْوَلِيِّ ; لِأَنَّهُ الْآنَ قَامَ مَقَامَهُ ، وَمَا كَانَ يَتَعَيَّنُ عَلَى الْوَلِيِّ إِمْضَاؤُهُ مِنَ السَّدَادِ ، هَلْ يَنْقُضُهُ إِذَا حَالَ سُوقُهُ أَوْ نَمَا بَعْدَ رَيْعِهِ إِيَّاهُ ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ ذَلِكَ لَهُ ; لِأَنَّهُ مُقْتَضَى النَّظَرِ الْآنَ ، وَقِيلَ : لَا نَظَرًا لِلْحَالَةِ السَّابِقَةِ . أَمَّا مَا كَسَرَ وَأَفْسَدَ فَفِي مَالِهِ مَا لَمْ يُؤْتَمَنْ عَلَيْهِ ، وَاخْتُلِفَ فِيمَا اؤْتُمِنَ عَلَيْهِ ، وَلَا يَلْزَمُهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ وَرُشْدِهِ عِتْقُ مَا حَلَفَ بِحُرِّيَّتِهِ وَحَنِثَ فِيهِ حَالَةَ صِغَرِهِ ; لِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ فِي الْمَالِ ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إِنْ حَنِثَ بَعْدَ رُشْدِهِ نَظَرًا لِوُقُوعِ السَّبَبِ فِي حَالَةِ عَدَمِ الِاعْتِبَارِ ، وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ : يَلْزَمُهُ نَظَرًا لِحَالَةِ الْحِنْثِ ، وَالْمَشْهُورُ لَا يَحْلِفُ إِذَا ادُّعِيَ عَلَيْهِ ، وَكَذَلِكَ إِنِ ادَّعَى مَعَ شَاهِدٍ عَلَى الْمَشْهُورِ ، وَيَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَإِنْ نَكَلَ غَرِمَ ، وَلَا يَحْلِفُ الصَّغِيرُ ، وَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ إِلَى بُلُوغِ الصَّغِيرِ فَيَحْلِفُ وَيَأْخُذُ ، 233 وَإِنْ نَكَلَا فَلَا ; لِأَنَّ الْوَازِعَ الدِّينِيَّ فِي الصَّغِيرِ مَنْفِيٌّ ، وَالْأَصْلُ اعْتِبَارُ الشَّاهِدِ ، وَلَا يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ثَانِيَةً ، وَعَنْ مَالِكٍ : يَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ فَيَمْلِكُ بِهِ كَمَا يَمْلِكُ بِالْأَسْبَابِ الْفِعْلِيَّةِ كَالِاصْطِيَادِ وَالِاحْتِطَابِ وَغَيْرِهِمَا ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ مِنَ الْحُقُوقِ وَالْأَحْكَامِ ; لِرَفْعِ الْقَلَمِ عَنْهُ فِي الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ .
وَأَمَّا الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ : الَّتِي يُحْكَمُ فِيهَا بِالرُّشْدِ ، وَإِنْ عُلِمَ السَّفَهُ . فَهِيَ حَالَةُ الْمُهْمَلِ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ ، خِلَافًا لِابْنِ الْقَاسِمِ ، وَحَالَةُ الْيَتِيمَةِ الْبِكْرِ الْمُهْمَلَةِ عِنْدَ سُحْنُونٍ .
وَأَمَّا الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ : الَّتِي يُحْكَمُ فِيهَا بِالسَّفَهِ وَالظَّاهِرُ الرُّشْدُ ، فَحَالَةُ الِابْنِ بَعْدَ بُلُوغِهِ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ عَلَى الْمَشْهُورِ ، وَذَاتِ الْأَبِ الْبِكْرِ أَوِ الْيَتِيمَةِ لَا وَصِيَّ لَهَا إِذَا تَزَوَّجَتْ وَدَخَلَتْ مِنْ غَيْرِ حَدٍّ وَلَا تَفْرِقَةَ بَيْنَ ذَاتِ الْأَبِ وَبَيْنَهَا عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، خِلَافًا لِمَنْ حَدَّدَ أَوْ فَرَّقَ بَيْنَ ذَاتِ الْأَبِ وَغَيْرِهَا .
وَأَمَّا الْحَالَةُ الرَّابِعَةُ : الَّتِي يُحْكَمُ فِيهَا بِالرُّشْدِ مَا لَمْ يَظْهَرِ السَّفَهُ ، فَالْمُعَنَّسَةُ الْبِكْرُ عِنْدَ مَنْ يَعْتَبِرُ تَعْنِيسَهَا ، وَاخْتُلِفَ فِي حَدِّهِ ، أَوِ الَّتِي دَخَلَ بِهَا زَوْجُهَا الْعَامَ أَوِ الْعَامَيْنِ أَوِ السَّبْعَةَ عَلَى الْخِلَافِ ، أَوِ الِابْنُ بَعْدَ بُلُوغِهِ وَذَاتُ الْأَبِ بَعْدَ بُلُوغِهَا عَلَى رِوَايَةِ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ . وَمَتَى بَلَغَ الصَّبِيُّ مَعْلُومُ الرُّشْدِ لَيْسَ لِلْأَبِ رَدُّ فِعْلِهِ وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ عَلَى خُرُوجِهِ مِنَ الْوَلَايَةِ ، فَقَدْ خَرَجَ مِنْهَا بِبُلُوغِهِ مَعَ رُشْدِهِ ، أَوْ مَعْلُومُ السَّفَهِ رَدَّ فِعْلَهُ ، أَوْ مَجْهُولُ الْحَالِ فَعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ : يُحْمَلُ عَلَى السَّفَهِ اسْتِصْحَابًا لَهُ حَتَّى يُرْشِدَهُ . وَقَالَهُ مَالِكٌ ، وَعَنْ مَالِكٍ : يُحْمَلُ عَلَى الرُّشْدِ حَتَّى يَثْبُتَ السَّفَهُ ، وَكِلَاهُمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ ، وَقِيلَ : لَا بُدَّ بَعْدَ الْبُلُوغِ مِنْ عَامٍ ، أَمَّا الصَّغِيرُ فَلَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ وَإِنْ أَذِنَ أَبُوهُ ، وَأَمَّا الْمُوصَى عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ أَوِ السُّلْطَانِ وَهُوَ صَغِيرٌ فَفِعْلُهُ مَرْدُودٌ ، وَإِنْ عُلِمَ 234 رُشْدُهُ حَتَّى يُخْرِجَهُ الْوَصِيُّ ، أَوِ السُّلْطَانُ ، أَوِ الْقَاضِي إِنْ كَانَ الْوَصِيُّ مِنْ قِبَلِهِ ، قَالَهُ ابْنُ زَرْبٍ ، وَقِيلَ : يُطْلِقُهُ مِنْ غَيْرِ إِذْنِ الْقَاضِي بِنَظَرِهِ قِيَاسًا عَلَى الْأَبِ ، وَقِيلَ : لَا بُدَّ مِنَ الْقَاضِي إِلَّا أَنْ يُعْلَمَ رُشْدُهُ بِعَقْدِ شُهُودٍ . وَأَمَّا وَصِيُّ الْأَبِ يَجُوزُ إِطْلَاقُهُ وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ ، وَقِيلَ : لَا . إِلَّا أَنْ يُتَبَيَّنَ رُشْدُهُ ، قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَرَدُّ أَفْعَالِهِ حَتَّى يُطْلَقَ وَإِنْ عُلِمَ رُشْدُهُ - هُوَ الْمَشْهُورُ ، وَقِيلَ : حَالُهُ مَعَهُ كَحَالِهِ مَعَ الْأَبِ ، رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ ، وَمَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا تُعْتَبَرُ الْوَلَايَةُ إِذَا ثَبَتَ الرُّشْدُ ، وَلَا يُؤَثِّرُ عَدَمُهَا إِذَا عُلِمَ السَّفَهُ فِي الْيَتِيمِ لَا فِي الْبِكْرِ . وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ ، وَعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ : أَنَّ ظُهُورَ الرُّشْدِ لَا يُعْتَبَرُ مَعَ الْوَلَايَةِ كَقَوْلِ مَالِكٍ .
وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ : هَلْ رَدُّ التَّصَرُّفِ لِوَصْفِ السَّفَهِ أَوْ لِلْوَلَايَةِ وَالْحَجْرِ ؟ وَإِذَا بَلَغَ الْمُهْمَلُ مِنَ الْوَلَايَةِ فَأَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : نُفُوذُ تَصَرُّفِهِ وَإِنْ أَعْلَنَ بِالسَّفَهِ اسْتُصْحِبَ السَّفَهُ ، أَوْ طَرَأَ بَعْدَ أَنْ أُنِسَ مِنْهُ الرُّشْدُ ؛ قَالَهُ مَالِكٌ نَظَرًا لِعَدَمِ الْوَلَايَةِ مَعَ الْبُلُوغِ . وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ : إِنِ اتَّصَلَ السَّفَهُ رُدَّ تَصَرُّفُهُ نَظَرًا لِلسَّفَهِ ، وَإِنْ سَفِهَ بَعْدَ أَنْ أُنِسَ رُشْدُهُ جَازَ فِعْلُهُ لِضَعْفِ السَّفَهِ بِطُرُوِّ الرُّشْدِ مَا لَمْ يَبِعْ بَيْعَ خَدِيعَةٍ بَيِّنَةٍ كَمَا يُسَاوِي أَلْفًا بِمِائَةٍ فَلَا يَنْفُذُ ، وَلَا يُتَّبَعُ بِالثَّمَنِ إِنْ أَفْسَدَهُ ، وَلَمْ يُعْتَبَرْ إِعْلَانُهُ بِالسَّفَهِ ، وَقَالَ أَصْبَغُ : يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ إِلَّا أَنْ يُعْلَمَ ، اتَّصَلَ سَفَهُهُ أَمْ لَا ؟ لِأَنَّ الْإِعْلَانَ دَلِيلُ قُوَّةِ السَّفَهِ ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : تُعْتَبَرُ حَالَةُ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ إِنْ كَانَ رَشِيدًا نَفَذَ وَإِلَّا فَلَا ، وَاتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى جَوَازِ فِعْلِهِ وَنُفُوذِهِ إِذَا جُهِلَ حَالُهُ ; لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى النَّاسِ الْحِرْصُ عَلَى الدُّنْيَا وَضَبْطُهَا .
وَفِي ذَاتِ الْأَبِ ثَمَانِيَةُ أَقْوَالٍ : تَخْرُجُ مِنَ الْوَلَايَةِ بِالْبُلُوغِ وَالرُّشْدِ عَنْ مَالِكٍ ، وَعَنْهُ : حَتَّى يَدْخُلَ بِهَا زَوْجُهَا ، وَيَشْهَدَ الْعُدُولُ بِصَلَاحِ حَالِهَا ، قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ : فَأَفْعَالُهَا قَبْلَ ذَلِكَ مَرْدُودَةٌ وَإِنْ عُلِمَ رُشْدُهَا ، وَتَخْرُجُ مِنَ الْوَلَايَةِ وَلَوْ بِقُرْبِ الدُّخُولِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ ، وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ تَأْخِيرَهَا الْعَامَ مِنْ غَيْرِ إِيجَابٍ ، الثَّالِثُ : كَذَلِكَ مَا لَمْ تُعَنَّسْ ، فَتُحْمَلُ عَلَى الرُّشْدِ إِلَّا أَنْ يُعْلَمَ السَّفَهُ ، وَقَبْلَهُ عَلَى السَّفَهِ وَإِنْ 235 عُلِمَ الرُّشْدُ ، وَإِنْ دَخَلَتْ قَبْلَ التَّعْنِيسِ بَيْتَهَا فَهِيَ عَلَى التَّعْنِيسِ عَلَى السَّفَهِ حَتَّى يُتَبَيَّنَ الرُّشْدُ ، وَبَعْدَ التَّعْنِيسِ عَلَى الرُّشْدِ حَتَّى يُعْلَمَ السَّفَهُ ، وَاخْتُلِفَ فِي حَدِّهِ فَقِيلَ : أَرْبَعُونَ عَامًا ، وَقِيلَ : مِنَ الْخَمْسِينَ إِلَى السِّتِّينَ فَتَكْمُلُ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ ، وَالسَّادِسُ : سَنَةٌ بَعْدَ الدُّخُولِ قَالَهُ مُطَرِّفٌ ، وَالسَّابِعُ : عَامَانِ ، وَالثَّامِنُ : سَبْعَةُ أَعْوَامٍ ؛ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَبِهِ جَرَى الْعَمَلُ عِنْدَنَا . وَأَمَّا ذَاتُ الْوَصِيِّ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ أَوِ السُّلْطَانِ فَلَا تَخْرُجُ مِنَ الْوَلَايَةِ وَإِنْ عَنَّسَتْ أَوْ تَزَوَّجَتْ وَطَالَ زَمَانُ الدُّخُولِ وَحَسُنَ حَالُهَا مَا لَمْ تُطْلَقْ مِنْ وَثَاقِ الْحَجْرِ بِمَا يَصِحُّ إِطْلَاقُهَا بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ . وَالْيَتِيمَةُ الْمُهْمَلَةُ فِيهَا قَوْلَانِ : تَخْرُجُ بِالْبُلُوغِ ، لَا تَخْرُجُ إِلَّا بِالتَّعْنِيسِ ، وَفِي تَعْنِيسِهَا خَمْسَةُ أَقْوَالٍ : ثَلَاثُونَ سَنَةً ، قَالَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ . وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ : أَقَلُّ مِنَ الثَلَاثِينَ ، وَعِنْدَ مَالِكٍ : أَرْبَعُونَ ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : مِنَ الْخَمْسِينَ إِلَى السِّتِّينَ ، وَعَنْ مَالِكٍ : حَتَّى تَقْعُدَ عَنِ الْمَحِيضِ أَوْ تُقِيمَ بَعْدَ الدُّخُولِ مُدَّةً تَقْتَضِي الرُّشْدَ .

الشافعية

المجموع شرح المهذب اقرأ →
( الشَّرْحُ ) قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ : إذَا نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ لَزِمَهُ الْمَشْيُ إلَيْهِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ ، هَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ ، وَسَبَقَ حِكَايَةُ خِلَافٍ شَاذٍّ فِيهِ فِي فَصْلِ مَنْ نَذَرَ صَلَاةً فِي الْمَسْجِدِ ، وَهَلْ يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ ، أَمْ لَهُ الرُّكُوبُ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ فِي كُتُبِ الْخُرَاسَانِيِّينَ ( أَصَحُّهُمَا ) عِنْدَهُمْ يَلْزَمُهُ ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَآخَرُونَ ، لِأَنَّهُ مَقْصُودٌ ( وَالثَّانِي ) لَا ، بَلْ لَهُ الرُّكُوبُ قَالُوا : هُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ الْحَجَّ رَاكِبًا أَفْضَلُ أَمْ مَاشِيًا ، وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ سَبَقَتْ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْحَجِّ بِدَلِيلِهَا ( أَصَحُّهَا ) الرُّكُوبُ ( وَالثَّانِي ) الْمَشْيُ ( وَالثَّالِثُ ) هُمَا سَوَاءٌ ، وَلَا فَضِيلَةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ ، وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ : هُمَا سَوَاءٌ مَا لَمْ يُحْرِمْ فَإِذَا أَحْرَمَ فَالْمَشْيُ أَفْضَلُ ، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ : مَنْ سَهُلَ عَلَيْهِ الْمَشْيُ فَهُوَ أَفْضَلُ فِي حَقِّهِ ، وَمَنْ ضَعُفَ وَسَاءَ خُلُقُهُ لَوْ مَشِيَ فَالرُّكُوبُ أَفْضَلُ .
( وَالْمَذْهَبُ ) أَنَّ الرُّكُوبَ أَفْضَلُ مُطْلَقًا ، قَالُوا : فَإِنْ قُلْنَا : " الْمَشْيُ أَفْضَلُ " لَزِمَهُ بِالنَّذْرِ ، وَإِنْ قُلْنَا : الرُّكُوبُ أَفْضَلُ أَوْ سَوَّيْنَا لَمْ يَلْزَمْهُ الْمَشْيُ بِالنَّذْرِ ، وَالْمَذْهَبُ لُزُومُ الْمَشْيِ ، وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ مَسَائِلُ : ( إحْدَاهَا ) لَوْ صَرَّحَ بِابْتِدَاءِ الْمَشْيِ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ إلَى الْفَرَاغِ ، لَزِمَهُ الْمَشْيُ مِنْ حِينِ يُحْرِمُ ، وَهَلْ يَلْزَمُهُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ( أَصَحُّهُمَا ) يَلْزَمُهُ ، فَلَوْ أَطْلَقَ الْحَجَّ مَاشِيًا ، فَإِنْ قُلْنَا لَا يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ مَعَ التَّصْرِيحِ فَهُنَا أَوْلَى وَإِلَّا فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ .
( أَحَدُهَا ) يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ ( وَالثَّانِي ) مِنْ الْمِيقَاتِ ( وَالثَّالِثُ ) وَهُوَ الْأَصَحُّ يَلْزَمُهُ مِنْ الْمِيقَاتِ ، إلَّا أَنْ يُحْرِمَ قَبْلَهُ فَيَلْزَمُهُ ( وَأَمَّا ) الْإِحْرَامُ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ مِنْ الْمِيقَاتِ ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا كَمَا حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ 491 وَالثَّانِي ) مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، وَجَعَلَ الْمُصَنِّفُ وَالْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُمَا الْمَشْيَ مَبْنِيًّا عَلَى الْإِحْرَامِ إنْ قُلْنَا يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ مِنْ الْمِيقَاتِ فَكَذَا الْمَشْيُ وَإِنْ قُلْنَا مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ فَكَذَا الْمَشْيُ ، هَذَا كُلُّهُ إذَا قَالَ : لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَحُجَّ مَاشِيًا فَلَوْ قَالَ : أَمْشِي حَاجًّا فَوَجْهَانِ ( الصَّحِيحُ ) أَنَّهُ كَقَوْلِهِ أَحُجُّ مَاشِيًا ، وَمُقْتَضَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وُجُوبُ اقْتِرَانِ الْحَجِّ وَالْمَشْيِ ( وَالثَّانِي ) أَنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ يَمْشِيَ مِنْ مَخْرَجِهِ إلَى الْحَجِّ .
( الثَّانِيَةُ ) فِي نِهَايَةِ الْمَشْيِ طَرِيقَانِ ( أَصَحُّهُمَا ) يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ حَتَّى يَتَحَلَّلَ التَّحَلُّلَيْنِ إنْ كَانَ مُحْرِمًا بِالْحَجِّ ، وَبِهَذَا الطَّرِيقِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ هُنَا وَالْجُمْهُورُ ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ ، وَلَهُ الرُّكُوبُ بَعْدَ التَّحَلُّلَيْنِ ، وَإِنْ بَقِيَ عَلَيْهِ رَمْيُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ ( وَالطَّرِيقُ الثَّانِي ) فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُمَا ( أَصَحُّهُمَا ) هَذَا ( وَالثَّانِي ) لَهُ الرُّكُوبُ بَعْدَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ ( وَأَمَّا ) الْمُحْرِمُ بِالْعُمْرَةِ فَيَلْزَمُهُ الْمَشْيُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا بِلَا خِلَافٍ . قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ إذَا كَانَ يَتَرَدَّدُ فِي خِلَالِ أَعْمَالِ النُّسُكِ لِغَرَضِ تِجَارَةٍ وَغَيْرِهَا ، فَلَهُ أَنْ يَرْكَبَ ، قَالَ : وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْأَصْحَابُ ، فَهَذَا مَا ذَكَرَهُ مَا لِأَصْحَابِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ .
وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي التَّنْبِيهِ : وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتْرُكَ الْمَشْيَ حَتَّى يَرْمِيَ فِي الْحَجِّ ، فَمُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ هُوَ هُنَا وَالْأَصْحَابُ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ ، وَأَقْرَبُ مَا يَتَأَوَّلُ عَلَيْهِ كَلَامُهُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالرَّمْيِ رَمْيَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ ، وَفُرِّعَ عَلَى أَنَّ الْحَلْقَ لَيْسَ بِنُسُكٍ وَعَلَى الْوَجْهِ الشَّاذِّ الَّذِي ذَكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ أَنَّهُ يَكْفِيهِ الْمَشْيُ حَتَّى يَتَحَلَّلَ التَّحَلُّلَ الْأَوَّلَ ، فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ إذَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ وَقُلْنَا : الْحَلْقُ لَيْسَ بِنُسُكٍ جَازَ الرُّكُوبُ لِحُصُولِ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُهُ عَلَى رَمْيِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ، لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ يَجُوزُ الرُّكُوبُ بَعْدَ التَّحَلُّلَيْنِ ، وَقَبْلَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
( الثَّالِثَةُ ) إذَا فَاتَهُ الْحَجُّ لَزِمَهُ قَضَاؤُهُ مَاشِيًا لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ، وَهَلْ 492 يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ فِي تَمَامِ الْحَجَّةِ الْفَائِتَةِ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا ؟ وَالتَّحَلُّلُ بِأَعْمَالِ عُمْرَةٍ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا ( أَصَحُّهُمَا ) عِنْدَ الْجُمْهُورِ لَا يَلْزَمُهُ ، وَلَوْ أَفْسَدَ الْحَجَّ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِيهِ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ مَاشِيًا ، وَهَلْ يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ فِي الْمُضِيِّ فِي فَاسِدِهِ ؟ فِيهِ هَذَانِ الْقَوْلَانِ .
تحفة المحتاج في شرح المنهاج اقرأ →
2 ( كِتَابُ الْحَجِّ ) هُوَ بِفَتْحٍ وَكَسْرٍ لُغَةً الْقَصْدُ أَوْ كَثْرَتُهُ إلَى مَنْ يُعَظَّمُ وَشَرْعًا قَصْدُ الْكَعْبَةِ لِلنُّسُكِ الْآتِي عَلَى مَا فِي الْمَجْمُوعِ وَعَلَيْهِ يُشْكِلُ قَوْلُهُمْ أَرْكَانُ الْحَجِّ سِتَّةٌ إلَّا أَنْ يُؤَوَّلَ أَوْ هُوَ نَفْسُ الْأَفْعَالِ الْآتِيَةِ ، وَهُوَ الظَّاهِرُ بِبَادِئِ الرَّأْيِ لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ أَنَّ الْمَعْنَى الشَّرْعِيَّ يَجِبُ اشْتِمَالُهُ عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ بِزِيَادَةٍ وَذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ هُنَا 3 إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ ذَلِكَ أَغْلَبِيٌّ أَوْ إنَّ مِنْهَا النِّيَّةَ ، وَهِيَ مِنْ جُزْئِيَّاتِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَنَظِيرُهُ الصَّلَاةُ الشَّرْعِيَّةُ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الدُّعَاءِ وَالْأَصْلُ فِيهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ ، وَهُوَ مِنْ الشَّرَائِعِ الْقَدِيمَةِ رُوِيَ أَنَّ آدَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَّ أَرْبَعِينَ سَنَةً مِنْ الْهِنْدِ مَاشِيًا وَأَنَّ جِبْرِيلَ قَالَ لَهُ إنَّ الْمَلَائِكَةَ كَانُوا يَطُوفُونَ قَبْلَك بِهَذَا الْبَيْتِ سَبْعَةَ آلَافِ سَنَةٍ وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ لَمْ يَبْعَثْ اللَّهُ نَبِيًّا بَعْدَ إبْرَاهِيمَ إلَّا حَجَّ وَاَلَّذِي صَرَّحَ بِهِ غَيْرُهُ أَنَّهُ مَا مِنْ نَبِيٍّ إلَّا حَجَّ خِلَافًا لِمَنْ اسْتَثْنَى هُودًا وَصَالِحًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ وَفِي وُجُوبِهِ عَلَى مَنْ قَبْلَنَا وَجْهَانِ قِيلَ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَمْ يَجِبْ إلَّا عَلَيْنَا وَاسْتُغْرِبَ قَالَ الْقَاضِي ، وَهُوَ أَفْضَلُ الْعِبَادَاتِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الْمَالِ وَالْبَدَنِ ، وَفِي وَقْتِ وُجُوبِهِ خِلَافٌ قَبْلَ الْهِجْرَةِ أَوَّلَ سِنِيهَا ثَانِيهَا وَهَكَذَا إلَى الْعَاشِرَةِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ فِي السَّادِسَةِ { ۝ وَحَجَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا وَقَبْلَ الْهِجْرَةِ حِجَجًا لَا يُدْرَى عَدَدُهَا } وَتَسْمِيَةُ هَذِهِ حِجَجًا إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ الصُّورَةِ إذْ لَمْ تَكُنْ عَلَى قَوَانِينِ الْحَجِّ الشَّرْعِيِّ 4 بِاعْتِبَارِ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ مِنْ النَّسِيءِ وَغَيْرِهِ بَلْ قِيلَ فِي حَجَّةِ أَبِي بَكْرٍ فِي التَّاسِعَةِ ذَلِكَ لَكِنَّ الْوَجْهَ خِلَافُهُ ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَأْمُرُ إلَّا بِحَجٍّ شَرْعِيٍّ وَكَذَا يُقَالُ فِي الثَّامِنَةِ الَّتِي أُمَّرَ فِيهَا عَتَّابُ بْنُ أَسِيدٍ أَمِيرَ مَكَّةَ وَبَعْدَهَا حَجَّةُ الْوَدَاعِ لَا غَيْرُ ( هُوَ فَرْضٌ ) مَعْلُومٌ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ فَيَكْفُرُ مُنْكِرُهُ إلَّا إنْ أَمْكَنَ خَفَاؤُهُ عَلَيْهِ ( وَكَذَا الْعُمْرَةُ ، وَهِيَ ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ أَوْ ضَمٍّ وَبِفَتْحِ فَسُكُونٍ لُغَةً زِيَارَةُ مَكَان عَامِرٍ وَشَرْعًا قَصْدُ الْكَعْبَةِ لِلنُّسُكِ الْآتِي أَوْ نَفْسِ الْأَفْعَالِ الْآتِيَةِ ( فِي الْأَظْهَرِ ) لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ { ۝ حُجَّ عَنْ أَبِيك وَاعْتَمِرْ } وَصَحَّ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { ۝ هَلْ عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ قَالَ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ } وَخَبَرِ التِّرْمِذِيِّ بِعَدَمِ وُجُوبِهَا وَحَسَّنَهُ اتَّفَقَ الْحُفَّاظُ عَلَى ضَعْفِهِ وَلَا يُغْنِي عَنْهَا الْحَجُّ ؛ لِأَنَّ كُلًّا أَصْلٌ قُصِدَ مِنْهُ مَا لَمْ يُقْصَدْ مِنْ الْآخَرِ أَلَا تَرَى أَنَّ لَهَا مَوَاقِيتَ غَيْرَ مَوَاقِيتِ الْحَجِّ وَزَمَنًا غَيْرَ زَمَنِ الْحَجِّ وَحِينَئِذٍ فَلَا يُشْكِلُ بِإِجْزَاءِ الْغُسْلِ عَنْ الْوُضُوءِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا قُصِدَ بِهِ الْوُضُوءُ مَوْجُودٌ فِي الْغُسْلِ وَلَا يَجِبَانِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ فِي الْعُمْرِ إلَّا مَرَّةً وَهُمَا عَلَى التَّرَاخِي 5 بِشَرْطِ الْعَزْمِ عَلَى الْفِعْلِ بَعْدُ وَأَنْ لَا يَتَضَيَّقَا بِنَذْرٍ أَوْ خَوْفِ عَضْبٍ أَوْ تَلَفِ مَالٍ بِقَرِينَةٍ وَلَوْ ضَعِيفَةً كَمَا يُفْهِمُهُ قَوْلُهُمْ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْمُوَسَّعِ إلَّا إنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ تَمَكُّنُهُ مِنْهُ أَوْ بِكَوْنِهِمَا قَضَاءً عَمَّا أَفْسَدَهُ وَمَتَى أَخَّرَ فَمَاتَ تَبَيَّنَ فِسْقُهُ بِمَوْتِهِ مِنْ آخِرِ سِنِي الْإِمْكَانِ إلَى الْمَوْتِ فَيُرَدُّ مَا شَهِدَ بِهِ وَيُنْقَضُ مَا حَكَمَ بِهِ وَسَيَأْتِي أَنَّهُ يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ بِوُجُودِ مَالٍ لَهُ لَمْ يَعْلَمْهُ وَمَعَ ذَلِكَ لَا نَحْكُمُ بِفِسْقِهِ لِعُذْرِهِ
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج اقرأ →
233 كِتَابُ الْحَجِّ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا لُغَةً : الْقَصْدُ ، وَشَرْعًا : قَصْدُ الْكَعْبَةِ لِلْأَفْعَالِ الْآتِيَةِ . قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ ، وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ بِأَنَّهُ نَفْسُ الْأَفْعَالِ الْآتِيَةِ وَاسْتَدَلَّ بِخَبَرِ { ۝ : الْحَجُّ عَرَفَةَ } وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُوَافِقَ لِلْغَالِبِ الْأَوَّلِ مِنْ أَنَّ الْمَعْنَى الشَّرْعِيَّ يَكُونُ مُشْتَمِلًا عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ بِزِيَادَةٍ ، وَلَا دَلَالَةَ لَهُ فِي الْخَبَرِ ; لِأَنَّ مَعْنَاهُ مُعْظَمُ الْمَقْصُودِ مِنْهُ عَرَفَةَ ، لَكِنْ يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُمْ : أَرْكَانُ الْحَجِّ خَمْسَةٌ أَوْ سِتَّةٌ .
وَيُجَابُ بِأَنَّ هَذِهِ أَرْكَانٌ لِلْمَقْصُودِ لَا لِلْقَصْدِ الَّذِي هُوَ الْحَجُّ فَتَسْمِيَتُهَا أَرْكَانُ الْحَجِّ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ } وَخَبَرُ { ۝ بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ } قَالَ الْقَاضِي : وَهُوَ مِنْ الشَّرَائِعِ الْقَدِيمَةِ ، وَهُوَ أَفْضَلُ الْعِبَادَاتِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الْمَالِ وَالْبَدَنِ إلَّا الصَّلَاةَ كَمَا مَرَّ أَنَّهَا أَفْضَلُ .
وَرُوِيَ 234 { ۝ أَنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا حَجَّ قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ : إنَّ الْمَلَائِكَةَ كَانُوا يَطُوفُونَ قَبْلَكَ بِهَذَا الْبَيْتِ بِسَبْعَةِ آلَافِ سَنَةٍ } وَرَجَّحَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لَمْ يَجِبْ إلَّا عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ لَكِنْ قَالَ جَمْعٌ : إنَّهُ غَرِيبٌ ، بَلْ وَجَبَ عَلَى غَيْرِهَا أَيْضًا .
الأم اقرأ →
بَابُ السَّلَفِ وَالْمُرَادُ بِهِ السَّلَمُ ( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) : رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى 90 فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ } - إلَى قَوْلِهِ - { وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ } ( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) : فَلَمَّا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالْكِتَابِ ثُمَّ رَخَّصَ فِي الْإِشْهَادِ إنْ كَانُوا عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ يَجِدُوا كَاتِبًا احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ فَرْضًا وَأَنْ يَكُونَ دَلَالَةً فَلَمَّا قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ { فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ } وَالرَّهْنُ غَيْرُ الْكِتَابِ وَالشَّهَادَةِ ثُمَّ قَالَ { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اُؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ } دَلَّ كِتَابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى أَنَّ أَمْرَهُ بِالْكِتَابِ ثُمَّ الشُّهُودِ ثُمَّ الرَّهْنِ إرْشَادٌ لَا فَرْضٌ عَلَيْهِمْ لِأَنَّ قَوْلَهُ { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اُؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ } إبَاحَةٌ لَأَنْ يَأْمَنَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَيَدَعُ الْكِتَابَ وَالشُّهُودَ وَالرَّهْنَ ( قَالَ ) : وَأُحِبُّ الْكِتَابَ وَالشُّهُودَ ، لِأَنَّهُ إرْشَادٌ مِنْ اللَّهِ وَنَظَرٌ لِلْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي وَذَلِكَ أَنَّهُمَا إنْ كَانَا أَمِينَيْنِ فَقَدْ يَمُوتَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا فَلَا يُعْرَفُ حَقُّ 91 الْبَائِعِ عَلَى الْمُشْتَرِي فَيَتْلَفُ عَلَى الْبَائِعِ أَوْ وَرَثَتِهِ حَقُّهُ وَتَكُونُ التَّبَاعَةُ عَلَى الْمُشْتَرِي فِي أَمْرٍ لَمْ يُرِدْهُ ، وَقَدْ يَتَغَيَّرُ عَقْلُ الْمُشْتَرِي فَيَكُونُ هَذَا وَالْبَائِعُ وَقَدْ يَغْلَطُ الْمُشْتَرِي فَلَا يُقِرُّ فَيَدْخُلُ فِي الظُّلْمِ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُ وَيُصِيبُ ذَلِكَ الْبَائِعُ فَيَدَّعِي مَا لَيْسَ لَهُ فَيَكُونُ الْكِتَابُ وَالشَّهَادَةُ قَاطِعًا هَذَا عَنْهُمَا وَعَنْ وَرَثَتِهِمَا وَلَمْ يَكُنْ يَدْخُلُهُ مَا وَصَفْت انْبَغَى لِأَهْلِ دِينِ اللَّهِ اخْتِيَارُ مَا نَدَبَهُمْ اللَّهُ إلَيْهِ إرْشَادًا وَمَنْ تَرَكَهُ فَقَدْ تَرَكَ حَزْمًا وَأَمْرًا لَمْ أُحِبَّ تَرْكَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ أَزْعُمَ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ بِمَا وَصَفْتُ مِنْ الْآيَةِ بَعْدَهُ ( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) : قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ { ، وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ } يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَتْمًا عَلَى مَنْ دُعِيَ لِلْكِتَابِ فَإِنْ تَرَكَهُ تَارِكٌ كَانَ عَاصِيًا ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَمَا وَصَفْنَا فِي كِتَابِ جِمَاعِ الْعِلْمِ عَلَى مَنْ حَضَرَ مِنْ الْكُتَّابِ أَنْ لَا يُعَطِّلُوا كِتَابَ حَقٍّ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَإِذَا قَامَ بِهِ وَاحِدٌ أَجْزَأَ عَنْهُمْ كَمَا حَقَّ عَلَيْهِمْ أَنْ يُصَلُّوا عَلَى الْجَنَائِزِ وَيَدْفِنُوهَا فَإِذَا قَامَ بِهَا مَنْ يَكْفِيهَا أَخْرَجَ ذَلِكَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا مِنْ الْمَأْثَمِ ، وَلَوْ تَرَكَ كُلُّ مَنْ حَضَرَ مِنْ الْكُتَّابِ خِفْت أَنْ .
92 يَأْثَمُوا بَلْ كَأَنِّي لَا أَرَاهُمْ يَخْرُجُونَ مِنْ الْمَأْثَمِ وَأَيُّهُمْ قَامَ بِهِ أَجْزَأَ عَنْهُمْ ( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) : وَهَذَا أَشْبَهُ مَعَانِيهِ بِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) : وَقَوْلُ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ { ، وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إذَا مَا دُعُوا } يَحْتَمِلُ مَا وَصَفْت مِنْ أَنْ يَأْبَى كُلُّ شَاهِدٍ اُبْتُدِئَ فَيُدْعَى لِيَشْهَدَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فَرْضًا عَلَى مَنْ حَضَرَ الْحَقَّ أَنْ يَشْهَدَ مِنْهُمْ مَنْ فِيهِ الْكِفَايَةُ لِلشَّهَادَةِ فَإِذَا شَهِدُوا أَخْرَجُوا غَيْرَهُمْ مِنْ الْمَأْثَمِ ، وَإِنْ تَرَكَ مَنْ حَضَرَ الشَّهَادَةَ خِفْت حَرَجَهُمْ بَلْ لَا أَشُكُّ فِيهِ وَهَذَا أَشْبَهُ مَعَانِيهِ بِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
قَالَ فَأَمَّا مَنْ سَبَقَتْ شَهَادَتُهُ بِأَنْ أُشْهِدَ أَوْ عَلِمَ حَقًّا لِمُسْلِمٍ أَوْ مُعَاهَدٍ فَلَا يَسَعُهُ التَّخَلُّفُ عَنْ تَأْدِيَةِ الشَّهَادَةِ مَتَى طُلِبَتْ مِنْهُ فِي مَوْضِعِ مَقْطَعِ الْحَقِّ ( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) : وَالْقَوْلُ فِي كُلِّ دَيْنٍ سُلِّفَ أَوْ غَيْرِهِ كَمَا وَصَفْت ، وَأُحِبُّ الشَّهَادَةَ فِي كُلِّ حَقٍّ لَزِمَ مِنْ بَيْعٍ وَغَيْرِهِ نَظَرًا فِي الْمُتَعَقَّبِ لِمَا وَصَفْت وَغَيْرِهِ مِنْ تَغَيُّرِ الْعُقُولِ .
( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) : فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ { فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ } دَلَالَةٌ عَلَى تَثْبِيتِ الْحَجْرِ وَهُوَ مَوْضُوعٌ فِي كِتَابِ الْحَجْرِ ( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) : وَقَوْلُ اللَّهِ 93 تَعَالَى { إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى } يَحْتَمِلُ كُلَّ دَيْنٍ وَيَحْتَمِلُ السَّلَفَ خَاصَّةً ، وَقَدْ ذَهَبَ فِيهِ ابْنُ عَبَّاسٍ إلَى أَنَّهُ فِي السَّلَفِ ( أَخْبَرَنَا ) الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي حَسَّانَ الْأَعْرَجِ .
94 عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ : أَشْهَدُ أَنَّ السَّلَفَ الْمَضْمُونَ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَدْ أَحَلَّهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ وَأَذِنَ فِيهِ ثُمَّ قَالَ { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى } .
( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) : وَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي السَّلَفِ قُلْنَا بِهِ فِي كُلِّ دَيْنٍ قِيَاسًا عَلَيْهِ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ ، وَالسَّلَفُ جَائِزٌ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْآثَارِ وَمَا لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلِمْته ( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ { ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يُسَلِّفُونَ فِي التَّمْرِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ وَرُبَّمَا قَالَ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ فَقَالَ " مَنْ سَلَّفَ فَلْيُسَلِّفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ وَأَجَلٍ مَعْلُومٍ } ( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) : حُفِّظْته كَمَا وَصَفْت مِنْ سُفْيَانَ مِرَارًا ( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) : وَأَخْبَرَنِي مَنْ أُصَدِّقُهُ عَنْ سُفْيَانَ أَنَّهُ قَالَ كَمَا قُلْت وَقَالَ فِي الْأَجَلِ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ ( أَخْبَرَنَا ) سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ لَا نَرَى بِالسَّلَفِ بَأْسًا الْوَرِقُ فِي الْوَرِقِ نَقْدًا ( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) : أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُجِيزُهُ .
( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لَا بَأْسَ أَنْ يُسَلِّفَ الرَّجُلُ فِي طَعَامٍ مَوْصُوفٍ بِسِعْرٍ مَعْلُومٍ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى .
الأم اقرأ →
باب الحج
الأم اقرأ →
كتاب الحج
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام … اقرأ →
3 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كِتَابُ الْحَجِّ
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : - " فَرَضَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى الْحَجَّ عَلَى كُلِّ حُرٍّ بَالِغٍ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا بِدَلَالَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : الْحَجُّ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ ، فَفِيهِ قَوْلَانِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ الْقَصْدُ ، وَلِهَذَا سُمِّيَ الطَّرِيقُ مَحَجَّةً ، لِأَنَّهُ يُوصِلُ إِلَى الْمَقْصِدِ . قَالَ الشَّاعِرُ :
﴿﴾ يَحُجُّ مَأْمُومَةً فِي قَعْرِهَا لَجَفٌ ﴿﴾ ﴿﴾ فَاسْتُ الطَّبِيبِ قَذَاهَا كَالْمَغَارِيدِ ﴿﴾ فَعَلَى هَذَا سُمِّيَ بِهِ النُّسُكُ ، لِأَنَّ الْبَيْتَ مَقْصُودٌ فِيهِ ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّهُ الْعَوْدُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ :
﴿﴾ وَأَشْهَدُ مِنْ عَوْفٍ حُلُولًا كَثِيرَةً ﴿﴾ ﴿﴾ يَحُجُّونَ سَبَّ الزِّبْرِقَانِ الْمُعَصْفَرَا ﴿﴾ يَعْنِي بِقَوْلِهِ : يَحُجُّونَ أَيْ يُكْثِرُونَ التَّرَدُّدَ إِلَيْهِ لِسُؤْدُدِهِ فَسُمِّي بِهِ الْحَجُّ حَجًّا ، لِأَنَّ الْحَاجَّ يَأْتِي إِلَيْهِ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ ، ثُمَّ يَعُودُ إِلَيْهِ لِطَوَافِ الْإِقَامَةِ ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ إِلَى مِنًى ثُمَّ يَعُودُ إِلَيْهِ لِطَوَافِ الصَّدْرِ فَيَتَكَرَّرُ الْعَوْدُ إِلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى فَقِيلَ لَهُ حَجٌّ ، ثُمَّ اسْتَقَرَّ الْحَجُّ فِي الشَّرْعِ عَلَى قَصْدِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ عَلَى أَوْصَافٍ نَذْكُرُهَا فِيمَا بَعْدُ ، وَالْأَصْلُ فِي إِثْبَاتِ فَرْضِ الْحَجِّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ [ الْحَجِّ : 27 ] ، فَخَاطَبَ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ نَبِيَّهُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ أَيْ رَبِّ فَأَيْنَ يَبْلُغُ نِدَائِي فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْكَ النِّدَاءُ وَعَلَيَّ الْبَلَاغُ ، فَصَعِدَ إِبْرَاهِيمُ عَلَى الْمَقَامِ ، وَقَالَ عِبَادَ اللَّهِ أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ ، فَأَجَابَ مَنْ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ ، وَأَرْحَامِ النِّسَاءِ ، لَبَّيْكَ أَدَاعِيَ رَبِّنَا لَبَّيْكَ فَيُقَالُ : إِنَّهُ لَا يَحُجُّ إِلَّا مَنْ أَجَابَ دَعْوَةَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَرُوِيَ عَنْ 4 عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : كَانَ أَوَّلَ مَنْ أَجَابَ دَعْوَةَ إِبْرَاهِيمَ بِالْحَجِّ بِالتَّلْبِيَةِ أَهْلُ الْيَمَنِ ، وَقَالَ تَعَالَى : وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [ الْبَقَرَةِ : 196 ] أَيِ افْعَلُوهُمَا عَلَى التَّمَامِ ، وَقَالَ تَعَالَى : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [ آلِ عِمْرَانَ : 97 ] الْآيَةَ ، وَفِي قَوْلِهِ : وَمَنْ كَفَرَ [ آلِ عِمْرَانَ : 97 ] ، ثَلَاثَةُ تَأْوِيلَاتٍ :
أَحَدُهَا : وَهُوَ قَوْلُ عِكْرِمَةَ ، وَمَنْ كَفَرَ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ ، فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [ آلِ عِمْرَانَ : 97 ] ، رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : ۝ لَمَّا نَزَلَتْ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [ آلِ عِمْرَانَ : 85 ] ، قَالَتِ الْيَهُودُ : فَنَحْنُ الْمُسْلِمُونَ ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَجُّهُمْ ؟ فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحُجُّوا ! فَقَالَ لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْنَا . وَأَبَوْا أَنْ يَحُجُّوا . قَالَ عِكْرِمَةُ : ( وَمَنْ كَفَرَ ) مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَمَا أَشْبَهَ مَا قَالَ عِكْرِمَةُ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ سَعِيدٍ بِمَا قَالَ .
وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي : وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : ( وَمَنْ كَفَرَ ) هُوَ مَنْ إِنْ حَجَّ لَمْ يَرَهُ بِرًّا وَإِنْ جَلَسَ لَمْ يَرَهُ مَأْثَمًا وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ .
وَالتَّأْوِيلُ الثَّالِثُ : وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ سَالِمٍ ، ( وَمَنْ كَفَرَ ) بِفَرْضِ الْحَجِّ ، فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالِمَيْنِ ، وَأَكَّدَ ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ۝ بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ : شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحْمَدًا رَسُولُ اللَّهِ ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَحَجِّ الْبَيْتِ ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ ۝ صَلُّوا خَمْسَكُمْ وَصُومُوا شَهْرَكُمْ وَأَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ طَيِّبَةً بِهَا نُفُوسُكُمْ وَحُجُّوا بَيْتَ رَبِّكُمْ تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكُمْ وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَعِدَ الْمِنْبَرَ وَقَالَ ۝ إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ ، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ أَفِي كُلِّ عَامٍ ، فَلَمْ يُجِبْهُ فَأَعَادَ ثَالِثَةً ، فَقَالَ : لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَوْ وَجَبَتْ مَا قُمْتُمْ بِهَا ، وَلَوْ تَرَكْتُمُوهَا لَكَفَرْتُمْ ، أَلَا وَادِعُونِي مَا وَادَعْتُكُمْ وَرَوَى أَبُو أُمَامَةَ قَالَ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ مَنْ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنَ الْحَجِّ حَاجَةٌ ظَاهِرَةٌ أَوْ مَرَضٌ حَابِسٌ أَوْ سُلْطَانٌ جَائِرٌ فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا . قِيلَ : مَنْ يَرَهُ وَاجِبًا كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ، وَقِيلَ : بَلْ عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيظِ وَالزَّجْرِ ، وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ حُجُّوا قَبْلَ أَنْ لَا تَحِجُّوا قَالُوا : وَمَا شَأْنُ الْحَجِّ قَالَ : يَقْعُدُ أَعْرَابُهَا عَلَى أَدْنَابِ أَوْدِيَتِهَا فَلَا يَصِلُ إِلَى الْحَجِّ أَحَدٌ .
روضة الطالبين وعمدة المفتين اقرأ →
فَصْلٌ
فِي الحِمَى
هُوَ أَنْ يَحْمِيَ بُقْعَةً مِنَ الْمَوَاتِ لِمَوَاشٍ بِعَيْنِهَا ، وَيَمْنَعَ سَائِرَ النَّاسِ الرَّعْيَ فِيهَا ، وَكَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَحْمِيَ لِخَاصَّةِ نَفْسِهِ ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَإِنَّمَا حَمَى النَّقِيعَ لِإِبِلِ الصَّدَقَةِ وَنَعَمِ الْجِزْيَةِ وَخَيْلِ الْمُجَاهِدِينَ .
قُلْتُ : النَّقِيعُ بِالنُّونِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، وَهُوَ الصَّوَابُ . وَقِيلَ : بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ ، وَبَقِيعُ الْغَرْقَدِ بِالْبَاءِ قَطْعًا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَأَمَّا غَيْرُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَلَيْسَ لِلْآحَادِ الْحِمَى قَطْعًا ، وَلَا لِلَّائِمَةِ لِأَنْفُسِهِمْ ، وَفِي حِمَاهُمْ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ ، قَوْلَانِ . أَظْهَرُهُمَا : الْجَوَازُ . وَقِيلَ : يَجُوزُ قَطْعًا . فَإِذَا 293 جَوَّزْنَاهُ ، فَهَلْ يَخْتَصُّ بِالْإِمَامِ الْأَعْظَمِ ، أَمْ يَجُوزُ أَيْضًا لِوُلَاتِهِ فِي النَّوَاحِي ؟ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ كَجٍّ وَغَيْرُهُ . أَصَحُّهُمَا : الثَّانِي . وَسَوَاءٌ حَمَى لِخَيْلِ الْمُجَاهِدِينَ ، أَمْ لِنَعَمِ الْجِزْيَةِ وَالصَّدَقَةِ ، وَالضَّوَالِّ ، وَمَالِ الضُّعَفَاءِ عَنِ الْإِبْعَادِ فِي طَلَبِ النُّجْعَةِ ، ثُمَّ لَا يَحْمِي إِلَّا الْأَقَلَّ الَّذِي لَا يَبِينُ ضَرَرُهُ عَلَى النَّاسِ وَلَا يُضَيِّقُ الْأَمْرَ عَلَيْهِمْ ، ثُمَّ مَا حَمَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، نَصٌّ ، فَلَا يُنْقَضُّ وَلَا يُغَيَّرُ بِحَالٍ ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ .
وَقِيلَ : إِنْ بَقِيَتِ الْحَاجَةُ الَّتِي حَمَى لَهَا ، لَمْ يُغَيَّرْ . وَإِنْ زَالَتْ ، فَوَجْهَانِ . أَصَحُّهُمَا : الْمَنْعُ ، لِأَنَّهُ تَغْيِيرُ الْمَقْطُوعِ بِصِحَّتِهِ بِاجْتِهَادٍ . وَأَمَّا حِمَى غَيْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَإِذَا ظَهَرَتِ الْمَصْلَحَةُ فِي تَغْيِيرِهِ ، جَازَ نَقْضُهُ وَرَدُّهُ إِلَى مَا كَانَ عَلَى الْأَظْهَرِ رِعَايَةً لِلْمَصْلَحَةِ . وَفِي قَوْلٍ : لَا يَجُوزُ كَالْمَقْبَرَةِ وَالْمَسْجِدِ . وَقِيلَ : يَجُوزُ لِلْحَامِي نَقْضُ حِمَاهُ ، وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ بَعْدَهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ ، وَإِذَا جَوَّزْنَا نَقْضَهُ ، فَأَحْيَاهُ رَجُلٌ بِإِذْنِ الْإِمَامِ ، مُلِّكَهُ وَكَانَ الْإِذْنُ فِي الْإِحْيَاءِ نَقْضًا .
وَإِنِ اسْتَقَلَّ الْمُحْيِي ، فَوَجْهَانِ . وَيُقَالُ : قَوْلَانِ مَنْصُوصَانِ . أَصَحُّهُمَا : الْمَنْعُ ، لِمَا فِيهِ مِنَ الِاعْتِرَاضِ عَلَى تَصَرُّفِ الْإِمَامِ وَحُكْمِهِ .
قُلْتُ : بَقِيَتْ مِنَ الْحِمَى مَسَائِلُ مُهِمَّةٌ .
مِنْهَا : لَوْ غَرَسَ أَوْ بَنَى أَوْ زَرَعَ فِي النَّقِيعِ ، نُقِضَتْ عِمَارَتُهُ ، وَقُلِعَ زَرْعُهُ وَغَرْسُهُ ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ فِي جَامِعِهِ . مِنْهَا : أَنَّ الْحِمَى يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ حِفَاظٌ مِنْ جِهَةِ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ ، وَأَنْ يَمْنَعَ أَهْلَ الْقُوَّةِ مِنْ إِدْخَالِ مَوَاشِيهِمْ ، وَلَا يَمْنَعَ الضُّعَفَاءَ ، وَيَأْمُرُهُ الْإِمَامُ بِالتَّلَطُّفِ بِالضُّعَفَاءِ مِنْ أَهْلِ الْمَاشِيَةِ ، كَمَا فَعَلَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - . قَالَ الْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ : فَإِنْ كَانَ لِلْإِمَامِ مَاشِيَةٌ لِنَفْسِهِ ، لَمْ يُدْخِلْهَا الْحِمَى ، لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْقُوَّةِ . فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ ظَلَمَ الْمُسْلِمِينَ . وَمِنْهَا : لَوْ دَخَلَ الْحِمَى مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْقُوَّةِ ، فَرَعَى مَاشِيَتَهُ ، قَالَ أَبُو حَامِدٍ : 294 فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَلَا غُرْمَ وَلَا تَعْزِيرَ ، وَلَكِنْ يُمْنَعُ مِنَ الرَّعْيِ ، وَنَقَلَ ابْنُ كَجٍّ أَيْضًا عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ لَا غُرْمَ عَلَيْهِ ، وَلَيْسَ هَذَا مُخَالِفًا لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ ، أَنَّ مَنْ أَتْلَفَ شَيْئًا مِنْ شَجَرِ النَّقِيعِ أَوْ حَشِيشِهِ ضَمِنَهُ عَلَى الْأَصَحِّ .
وَمِنْهَا : أَنَّ عَامِلَ الصَّدَقَاتِ إِذَا كَانَ يَجْمَعُهَا فِي بَلَدٍ ، هَلْ لَهُ أَنْ يَحْمِيَ مَوْضِعًا لَا يَتَضَرَّرُ بِهِ أَهْلُ الْبَلَدِ لِيَرْعَاهَا فِيهِ ؟ قَالَ أَبُو حَامِدٍ : قِيلَ : لَهُ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَذْكُرْ خِلَافَهُ . وَقَالَ ابْنُ كَجٍّ : إِنْ مَنَعْنَا حِمَى الْإِمَامِ ، فَذَلِكَ أَوْلَى ، وَإِلَّا ، فَقَوْلَانِ . وَمِنْهَا : لَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَحْمِيَ الْمَاءَ الْمُعَدَّ لِشُرْبِ خَيْلِ الْجِهَادِ وَإِبِلِ الصَّدَقَةِ وَالْجِزْيَةِ وَغَيْرِهَا بِلَا خِلَافٍ ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ نَصْرٌ فِي " تَهْذِيبِهِ " . قَالَ أَصْحَابُنَا : إِذَا حَمَى الْإِمَامُ ، وَقُلْنَا : لَا يَجُوزُ حِمَاهُ ، فَهُوَ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ ، مَنْ أَحْيَاهُ ، مُلِّكَهُ .
وَمِنْهَا : أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْإِمَامِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْوُلَاةِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَصْحَابِ الْمَوَاشِي عِوَضًا عَنِ الرَّعْيِ فِي الْحِمَى أَوِ الْمَوَاتِ ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْأَحْكَامِ وَقَالَهُ آخَرُونَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

الحنابلة

المغني اقرأ →
85 كِتَابُ الْحَجِّ الْحَجُّ فِي اللُّغَةِ : الْقَصْدُ . وَعَنْ الْخَلِيلِ ، قَالَ : الْحَجُّ كَثْرَةُ الْقَصْدِ إلَى مَنْ تُعَظِّمُهُ . قَالَ الشَّاعِرُ : ﴿﴾ وَأَشْهَدَ مِنْ عَوْفٍ حُؤُولًا كَثِيرَةً ﴿﴾ ﴿﴾ يَحُجُّونَ سَبَّ الزِّبْرِقَانِ الْمُزَعْفَرَا ﴿﴾ أَيْ يَقْصِدُونَ . وَالسَّبُّ : الْعِمَامَةُ . وَفِي الْحَجِّ لُغَتَانِ : الْحَجُّ وَالْحِجُّ ، بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا . وَالْحَجُّ فِي الشَّرْعِ : اسْمٌ لَأَفْعَالٍ مَخْصُوصَةٍ يَأْتِي ذِكْرُهَا ، إنْ شَاءَ اللَّهُ . وَهُوَ أَحَدُ الْأَرْكَانِ الْخَمْسَةِ الَّتِي بُنِيَ عَلَيْهَا الْإِسْلَامُ ، وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ ; أَمَّا الْكِتَابُ ، فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ } . رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَمِنْ كَفَرَ بِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ . وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ } . وَأَمَّا السُّنَّةُ ، فَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ۝ بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ } . وَذَكَرَ فِيهَا الْحَجَّ ، وَرَوَى مُسْلِمٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ { ۝ : خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ الْحَجَّ ، فَحُجُّوا . فَقَالَ رَجُلٌ أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ قُلْت نَعَمْ لَوَجَبَتْ ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ . ثُمَّ قَالَ : ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ ، وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ } . فِي أَخْبَارٍ كَثِيرَةٍ سِوَى هَذَيْنِ ، وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى وُجُوبِ الْحَجِّ عَلَى الْمُسْتَطِيعِ فِي الْعُمْرِ مَرَّةً وَاحِدَةً .
كشاف القناع عن متن الإقناع اقرأ →
بَابٌ كِتَابِ الْحَجِّ بِفَتْحِ الْحَاءِ لَا بِكَسْرِهَا فِي الْأَشْهَرِ وَعَكْسُهُ : شَهْرُ الْحِجَّةِ وَأُخِّرَ الْحَجُّ عَنْ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ ; لِأَنَّ الصَّلَاةَ عِمَادُ الدِّينِ وَلِشِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا لِتَكَرُّرِهَا كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ ثُمَّ الزَّكَاةُ لِكَوْنِهَا قَرِينَةً لَهَا فِي أَكْثَرِ الْمَوَاضِعِ وَلِشُمُولِهَا الْمُكَلَّفِ وَغَيْرِهِ ثُمَّ الصَّوْمُ لِتَكَرُّرِهِ كُلَّ سَنَةٍ لَكِنَّ الْبُخَارِيَّ قَدَّمَ رِوَايَةَ الْحَجِّ عَلَى الصَّوْمِ لِلتَّغْلِيظَاتِ الْوَارِدَةِ فِيهِ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى { : وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ } وَنَحْوُ : { ۝ فَلْيَمُتْ إنْ شَاءَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا } وَلِعَدَمِ سُقُوطِهِ بِالْبَدَلِ بَلْ يَجِبُ الْإِتْيَانُ بِهِ إمَّا بِنَفْسِهِ أَوْ بِنَائِبِهِ بِخِلَافِ الصَّوْمِ وَتُرْجِمَ فِي الْمُقْنِعِ وَغَيْرِهِ بِالْمَنَاسِكِ ، وَهِيَ جَمْعُ مَنْسَكٍ بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِهَا فَبِالْفَتْحِ مَصْدَرٌ وَبِالْكَسْرِ اسْمٌ لِمَوْضِعِ الْعِبَادَةِ مَأْخُوذٌ مِنْ النَّسِيكَةِ وَهِيَ الذَّبِيحَةُ الْمُتَقَرَّبُ بِهَا ثُمَّ اتَّسَعَ فِيهِ فَصَارَ اسْمًا لِلْعِبَادَةِ وَالطَّاعَةِ وَمِنْهُ قِيلَ لِلْعَابِدِ : نَاسِكٌ وَقَدْ غَلَبَ إطْلَاقُهَا عَلَى أَفْعَالِ الْحَجِّ لِكَثْرَةِ أَنْوَاعِهَا وَلِمَا تَتَضَمَّنُهُ كَثْرَةَ الذَّبَائِحِ الْمُتَقَرَّبِ بِهَا ( وَهُوَ ) أَيْ : الْحَجُّ لُغَةً الْقَصْدُ إلَى مَنْ تُعَظِّمُهُ ، ( وَشَرْعًا قَصْدُ مَكَّةَ لِلنُّسُكِ فِي زَمَنٍ مَخْصُوصٍ ) يَأْتِي بَيَانُهُ ( وَهُوَ أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ ) وَمَبَانِيهِ الْمُشَارِ إلَيْهَا بِحَدِيثِ { ۝ بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ } وَتَقَدَّمَ .
شرح منتهى الإرادات اقرأ →
510 - 511 كِتَابُ الْحَجِّ بِفَتْحِ الْحَاءِ لَا كَسْرِهَا فِي الْأَشْهَرِ وَعَكْسُهُ شَهْرُ الْحِجَّةِ ( فَرْضُ كِفَايَةٍ كُلَّ عَامٍ ) عَلَى مَنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ عَيْنًا نَقَلَهُ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى عَنْ الرِّعَايَةِ ، وَقَالَ : هُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ قَوْلِ الْأَصْحَابِ انْتَهَى وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ خَالِدٌ فِي شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ إنَّمَا هُوَ إحْيَاءُ الْكَعْبَةِ بِالْحَجِّ ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالنَّفْلِ وَيَلْزَمُ مِنْ قَوْلِهِ بُطْلَانُ تَقْسِيمِ الْأَئِمَّةِ الْحَجَّ إلَى فَرْضٍ وَنَفْلٍ ، وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ ، فَالْمَلْزُومُ كَذَلِكَ نَصًّا لِلتَّعْظِيمِ لِلْبَيْتِ فُرِضَ سَنَةَ تِسْعٍ عِنْدَ الْأَكْثَرِ قَالَ تَعَالَى : { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا } ( وَهُوَ لُغَةً ) الْقَصْدُ إلَى مَنْ يُعَظِّمُهُ أَوْ كَثْرَةُ الْقَصْدِ إلَيْهِ وَشَرْعًا ( قَصْدُ مَكَّةَ لِعَمَلٍ مَخْصُوصٍ فِي زَمَنٍ مَخْصُوصٍ ) يَأْتِي بَيَانُهُ وَهُوَ أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ وَمَبَانِيهِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ
( وَ الْعُمْرَةُ ) لُغَةً : الزِّيَارَةُ وَشَرْعًا ( زِيَارَةُ الْبَيْتِ ) الْحَرَامِ ( عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ ) يَأْتِي بَيَانُهُ وَيَنْبَغِي لِمَنْ أَرَادَهُ الْمُبَادَرَةُ وَالِاجْتِهَادُ فِي رَفِيقٍ حَسَنٍ ، وَيَكُونُ خُرُوجُهُ يَوْمَ خَمِيسٍ أَوْ اثْنَيْنِ بُكْرَةً وَيَقُولُ إذَا خَرَجَ أَوْ نَزَلَ مَنْزِلًا وَنَحْوَهُ : مَا وَرَدَ قَالَ بَعْضُهُمْ : وَيُصَلِّي فِي مَنْزِلِهِ رَكْعَتَيْنِ ( وَيَجِبَانِ ) أَيْ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ } وَحَدِيثِ عَائِشَةَ قُلْت { ۝ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلْ عَلَى النِّسَاءِ مِنْ جِهَادٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ ، الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ } رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَإِذَا ثَبَتَ فِي النِّسَاءِ فَالرِّجَالُ أَوْلَى وَلِمُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ " دَخَلَتْ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ( فِي الْعُمْرِ مَرَّةً ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ { ۝ خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ الْحَجَّ فَحُجُّوا 512 فَقَالَ رَجُلٌ : أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ قُلْت نَعَمْ لَوَجَبَتْ ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ } رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
( بِشُرُوطٍ ) خَمْسَةٍ ( وَهِيَ إسْلَامٌ وَعَقْلٌ ) وَهُمَا شَرْطَانِ لِلْوُجُوبِ وَالصِّحَّةِ فَلَا يَصِحَّانِ مِنْ كَافِرٍ وَمَجْنُونٍ ، وَلَوْ أَحْرَمَ عَنْهُ وَلِيُّهُ ( وَبُلُوغٌ ، وَكَمَالُ حُرِّيَّةٍ ) وَهُمَا شَرْطَانِ لِلْوُجُوبِ وَالْإِجْزَاءِ دُونَ الصِّحَّةِ وَتَأْتِي الِاسْتِطَاعَةُ وَهِيَ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ دُونَ الْإِجْزَاءِ ( وَيَجْزِيَانِ ) أَيْ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ ( مِنْ ) أَيْ كَافِرٍ ( أَسْلَمَ ) وَهُوَ حُرٌّ مُكَلَّفٌ ، ثُمَّ أَحْرَمَ بِحَجٍّ قَبْلَ دَفْعٍ مِنْ عَرَفَةَ أَوْ بَعْدَهُ ، إنْ عَادَ فَوَقَفَ فِي وَقْتِهِ ، أَوْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ طَافَ وَسَعَى لَهَا ( أَوْ أَفَاقَ ) مِنْ جُنُونٍ وَهُوَ حُرٌّ بَالِغٌ ( ثُمَّ أَحْرَمَ ) بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ وَفَعَلَ مَا تَقَدَّمَ ( أَوْ بَلَغَ ) وَهُوَ حُرٌّ مُسْلِمٌ عَاقِلٌ مُحْرِمًا قَبْلَ دَفْعٍ مِنْ عَرَفَةَ أَوْ بَعْدَهُ ، إنْ عَادَ فَوَقَفَ فِي وَقْتِهِ ( أَوْ عَتَقَ ) قِنٌّ مُكَلَّفٌ ( مُحْرِمًا بِحَجٍّ قَبْلَ دَفْعٍ مِنْ عَرَفَةَ أَوْ بَعْدَهُ ) أَيْ الدَّفْعِ مِنْهَا ( إنْ عَادَ ) إلَى عَرَفَةَ ( فَوَقَفَ ) بِهَا ( فِي وَقْتِهِ ) أَيْ الْوُقُوفِ ، فَيُجْزِيهِ حَجُّهُ وَيَلْزَمُهُ الْعَوْدُ حَيْثُ أَمْكَنَهُ
( أَوْ ) بَلَغَ مُحْرِمًا بِعُمْرَةٍ ( قَبْلَ طَوَافِ عُمْرَةٍ ) ثُمَّ طَافَ وَسَعَى لَهَا فَتُجْزِيهِ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ وَيَكُونُ صَغِيرٌ بَلَغَ وَقِنٌّ عَتَقَ مُحْرِمًا ( كَمَنْ أَحْرَمَ إذَنْ ) أَيْ بَعْدَ بُلُوغِهِ وَعِتْقِهِ ، لِأَنَّهَا حَالٌ تَصْلُحُ لِتَعْيِينِ الْإِحْرَامِ كَحَالِ ابْتِدَاءِ الْإِحْرَامِ ( وَإِنَّمَا يُعْتَدُّ بِإِحْرَامٍ وَوُقُوفٍ مَوْجُودَيْنِ إذَنْ ) أَيْ حَالَ الْبُلُوغِ وَالْعِتْقِ ( وَأَنَّ مَا قَبْلَهُ تَطَوُّعٌ لَمْ يَنْقَلِبْ فَرْضًا ) قَالَهُ الْمُوَفَّقُ وَمَنْ تَابَعَهُ وَقَدَّمَهُ فِي التَّنْقِيحِ
( وَقَالَ جَمَاعَةٌ ) صَاحِبُ الْخِلَافِ وَالِانْتِصَارِ وَالْمَجْدُ وَغَيْرُهُمْ ( يَنْعَقِدُ إحْرَامُهُ ) أَيْ الصَّغِيرُ وَالْقِنُّ ( مَوْقُوفًا فَإِذَا تَغَيَّرَ حَالُهُ ) إلَى بُلُوغٍ أَوْ حُرِّيَّةٍ ( تَبَيَّنَ فَرْضِيَّتُهُ ) أَيْ الْإِحْرَامِ كَزَكَاةٍ مُعَجَّلَةٍ ( وَلَا يُجْزِئُ ) حَجُّ مَنْ بَلَغَ أَوْ عَتَقَ مُحْرِمًا قَبْلَ دَفْعٍ مِنْ عَرَفَةَ أَوْ بَعْدَهُ إذَا عَادَ وَوَقَفَ عَنْ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ ( مَعَ سَعْيِ قِنٍّ وَصَغِيرٍ بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ قَبْلَ وَقُوفٍ وَلَوْ أَعَادَهُ ) أَيْ السَّعْيَ صَغِيرٌ أَوْ قِنٌّ ثَانِيًا ( بَعْدَ ) بُلُوغِهِ أَوْ عِتْقِهِ لِأَنَّ السَّعْيَ لَا تُشْرَعُ مُجَاوَزَةُ عَدَدِهِ وَلَا تَكْرَارِهِ ، بِخِلَافِ الْوُقُوفِ فَاسْتِدَامَتُهُ مَشْرُوعَةٌ وَلَا قَدْرَ لَهُ مَحْدُودٌ وَعُلِمَ مِمَّا سَبَقَ : أَنَّهُ لَوْ بَلَغَ أَوْ عَتَقَ بَعْدَ دَفْعٍ مِنْ عَرَفَةَ وَلَمْ يَعُدْ أَوْ عَادَ بَعْدَ الْوَقْتِ لَمْ تُجْزِئْهُ حَجَّتُهُ ، أَوْ بَلَغَ أَوْ عَتَقَ فِي أَثْنَاءِ طَوَافِ عُمْرَةٍ ، لَمْ تُجْزِئْهُ
شرح عمدة الفقه اقرأ →
71 الْقِسْمُ الثَّانِي .
الْكِتَابُ الْمُحَقَّقُ .
72 73 كِتَابُ الْحَجِّ .
جِمَاعُ مَعْنَى الْحَجِّ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ : قَصْدُ الشَّيْءِ وَإِتْيَانُهُ ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الطَّرِيقُ مَحَجَّةً لِأَنَّهُ مَوْضِعُ الذَّهَابِ وَالْمَجِيءِ وَيُسَمَّى مَا يَقْصِدُ الْخَصْمُ حُجَّةً لِأَنَّهُ يَأْتَمُّهُ وَيَنْتَحِيهِ ، وَمِنْهُ فِي الِاشْتِقَاقِ الْأَكْبَرِ الْحَاجَةُ ، وَهُوَ مَا يُقْصَدُ وَيُطْلَبُ لِلْمَنْفَعَةِ بِهِ سَوَاءٌ قَصَدَهُ الْقَاصِدُ لِمَصْلَحَتِهِ أَوْ لِمَصْلَحَةِ غَيْرِهِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : " ۝ مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةً فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ " .
وَقَوْلُ فِي حَاجَةِ اللَّهِ ، وَحَاجَةِ رَسُولِهِ .
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ إِنَّمَا يُقْصَدُ وَيُؤْتَى : مَا يُعَظَّمُ وَيُعْتَقَدُ الِانْتِفَاعُ بِهِ وَإِذَا كَانَ 74 كَذَلِكَ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكْثُرَ اخْتِلَافُ النَّاسِ إِلَيْهِ فَكَذَلِكَ يَقُولُ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ : الْحَجُّ الْقَصْدُ ، وَيَقُولُ بَعْضُهُمْ : هُوَ الْقَصْدُ إِلَى مَنْ يُعَظَّمُ ، وَيَقُولُ بَعْضُهُمْ : كَثْرَةُ الْقَصْدِ إِلَى مَنْ يُعَظِّمُهُ . وَرَجُلٌ مَحْجُوجٌ ، وَمَكَانٌ مَحْجُوجٌ ، أَيْ مَقْصُودٌ مَأْتِيٌّ . وَمِنْهُ قَوْلُهُ :
﴿﴾ وَأَشْهَدُ مِنْ عَوْفٍ حُلُولًا كَثِيرَةً ﴿﴾ ﴿﴾ يَحُجُّونَ سَبَّ الزِّبْرِقَانِ الْمُزَعْفَرَا ﴿﴾ 75 قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ : يَقُولُ يُكْثِرُونَ الِاخْتِلَافَ إِلَيْهِ .
وَقَوْلُهُ : ﴿﴾ قَالَتْ تَغَيَّرْتُمُ بَعْدِي فَقُلْتُ لَهَا ﴿﴾ ﴿﴾ لَا وَالَّذِي بَيْتُهُ يَا سَلْمُ مَحْجُوجٌ ﴿﴾ ثُمَّ غُلِّبَ فِي الِاسْتِعْمَالِ الشَّرْعِيِّ ، وَالْعُرْفِيِّ عَلَى حَجِّ بَيْتِ اللَّهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - وَإِتْيَانِهِ . فَلَا يُفْهَمُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إِلَّا هَذَا النَّوْعُ الْخَاصُّ مِنَ الْقَصْدِ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَشْرُوعُ الْمَوْجُودُ كَثِيرًا وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ) وَقَالَ تَعَالَى : ( وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ ) وَقَالَ سُبْحَانَهُ : ( فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ) وَقَدْ بَيَّنَ الْمَحْجُوجَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ) وَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ) فَإِنَّ اللَّامَ فِي قَوْلِهِ ( الْبَيْتَ ) لِتَعْرِيفِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي أَحَدِ الْمَوْضِعَيْنِ وَعَلِمَهُ الْمُخَاطَبُونَ فِي الْمَوْضِعِ الْآخَرِ . 76 وَفِيهِ لُغَتَانِ قَدْ قُرِئَ بِهِمَا . الْحَجُّ ، وَالْحِجُّ ، وَالْحَجَّةُ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا . ثُمَّ حَجُّ الْبَيْتِ لَهُ صِفَةٌ مَعْلُومَةٌ فِي الشَّرْعِ مِنَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ ، وَالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ ، وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ تَمَامِ قَصْدِ الْبَيْتِ ، فَإِذَا أُطْلِقَ الِاسْمُ فِي الشَّرْعِ انْصَرَفَ إِلَى الْأَفْعَالِ الْمَشْرُوعَةِ ; إِمَّا فِي الْحَجِّ الْأَكْبَرِ ، أَوِ الْأَصْغَرِ .

الظاهرية

المحلى بالآثار اقرأ →
3 كِتَابُ الْحَجِّ 811 - مَسْأَلَةٌ :
[ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ] : الْحَجُّ إلَى مَكَّةَ ، وَالْعُمْرَةُ [ إلَيْهَا ] فَرْضَانِ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ ، عَاقِلٍ ، بَالِغٍ ، ذَكَرٍ ، أَوْ أُنْثَى ، بِكْرٍ ، أَوْ ذَاتِ زَوْجٍ . الْحُرُّ وَالْعَبْدُ ، وَالْحُرَّةُ وَالْأَمَةُ ، فِي كُلِّ ذَلِكَ سَوَاءٌ ، مَرَّةً فِي الْعُمْرِ إذَا وَجَدَ مَنْ ذَكَرْنَا إلَيْهَا سَبِيلًا ، وَهُمَا أَيْضًا عَلَى أَهْلِ الْكُفْرِ إلَّا أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إلَّا بَعْدَ - الْإِسْلَامِ ، وَلَا يُتْرَكُونَ وَدُخُولَ الْحَرَمِ حَتَّى يُؤْمِنُوا .
أَمَّا قَوْلُنَا بِوُجُوبِ الْحَجِّ - عَلَى الْمُؤْمِنِ الْعَاقِلِ الْبَالِغِ الْحُرِّ ، وَالْحُرَّةِ الَّتِي لَهَا زَوْجٌ أَوْ ذُو مَحْرَمٍ يَحُجُّ مَعَهَا مَرَّةً فِي الْعُمْرِ - فَإِجْمَاعٌ مُتَيَقَّنٌ ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَرْأَةِ ، لَا زَوْجَ لَهَا وَلَا ذَا مَحْرَمٍ ، وَفِي الْأَمَةِ وَالْعَبْدِ ، وَفِي الْعُمْرَةِ - : بُرْهَانُ صِحَّةِ قَوْلِنَا - : قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا } فَعَمَّ تَعَالَى وَلَمْ يَخُصَّ .
وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ : { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ } .
وَقَالَ قَوْمٌ : الْعُمْرَةُ لَيْسَتْ فَرْضًا وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ { ۝ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْعُمْرَةِ أَفَرِيضَةٌ هِيَ ؟ قَالَ : لَا ، وَأَنْ تَعْتَمِرَ خَيْرٌ لَكَ } . 4
وَبِمَا رُوِّينَاهُ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ مَاهَانَ الْحَنَفِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ۝ الْحَجُّ جِهَادٌ وَالْعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ } .
وَمِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن عُمَرَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ { ۝ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ الْعُمْرَةُ فَرِيضَةٌ كَالْحَجِّ ؟ قَالَ : لَا ، وَأَنْ تَعْتَمِرَ خَيْرٌ لَكَ } .
وَمِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْن غَيْلَانَ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ۝ مَنْ مَشَى إلَى صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ فَهِيَ كَحَجَّةٍ ، وَمَنْ مَشَى إلَى صَلَاةِ تَطَوُّعٍ فَهِيَ كَعُمْرَةٍ تَامَّةٍ } . 5
وَمِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ الْحَارِثِ عَنْ الْقَاسِمِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ۝ مَنْ مَشَى إلَى مَكْتُوبَةٍ فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ الْحَاجِّ ، وَمَنْ مَشَى إلَى تَسْبِيحِ الضُّحَى فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ الْمُعْتَمِرِ } .
وَمِنْ طَرِيقِ مُحَاضِرِ بْن الْمُوَرِّعِ عَنْ الْأَحْوَصِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَابِرٍ الْأَلْهَانِيِّ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ السُّلَمِيِّ ، وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ۝ مَنْ صَلَّى فِي مَسْجِدٍ جَمَاعَةً ثُمَّ ثَبَتَ فِيهِ سُبْحَةَ الضُّحَى كَانَ كَأَجْرِ حَاجٍّ وَمُعْتَمِرٍ } .
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ قَانِعٍ حَدِيثًا فِيهِ عُمَرُ بْنُ قَيْسٍ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُوسَى ، عَنْ عَمِّهِ إِسْحَاقَ بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { ۝ الْحَجُّ جِهَادٌ وَالْعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ } .
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ قَانِعٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْن بَحِيرٍ الْعَطَّارِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَكَّارَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ ابْنِ عُلَيَّةَ عَنْ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ۝ الْحَجُّ جِهَادٌ وَالْعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ } .
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ قَانِعٍ نا بِشْرُ بْنُ مُوسَى نا ابْنُ الْأَصْبَهَانِيِّ نا جَرِيرٌ وَأَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ۝ الْحَجُّ جِهَادٌ وَالْعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ } . 6 وَقَالُوا : قَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { ۝ دَخَلَتْ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } .
وَرَوَى أَبُو دَاوُد نا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَا : نا زَيْدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سِنَانٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ قَالَ { ۝ : يَا رَسُولَ اللَّهِ الْحَجُّ فِي كُلِّ عَامٍ أَمْ مَرَّةً وَاحِدَةً ؟ قَالَ : بَلْ مَرَّةً وَاحِدَةً فَمَا زَادَ فَتَطَوُّعٌ } قَالُوا : فَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ إلَّا حَجَّةٌ وَاحِدَةٌ ، فَالْعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ لِدُخُولِهَا فِي الْحَجِّ ، وَقَالُوا : قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ } لَا يُوجِبُ كَوْنَهَا فَرْضًا ، وَإِنَّمَا يُوجِبُ إتْمَامَهَا عَلَى مَنْ دَخَلَ فِيهَا لَا ابْتِدَاءَهَا ; لَكِنْ كَمَا تَقُولُ : أَتِمَّ الصَّلَاةَ التَّطَوُّعَ ، وَالصَّوْمَ التَّطَوُّعَ .
وَقَالُوا : لَمَّا كَانَتْ الْعُمْرَةُ غَيْرَ مُرْتَبِطَةٍ بِوَقْتٍ وَجَبَ أَنْ لَا تَكُونَ فَرْضًا - : وَرُوِّينَا عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، وَالشَّعْبِيِّ : أَنَّهَا تَطَوُّعٌ ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : هَذَا كُلُّ مَا مَوَّهُوا بِهِ وَكُلُّهُ بَاطِلٌ ، أَمَّا الْأَحَادِيثُ الَّتِي ذَكَرُوا فَمَكْذُوبَةٌ كُلُّهَا ; أَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَالْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ سَاقِطٌ لَا يُحْتَجُّ بِهِ .
وَالطَّرِيقُ الْأُخْرَى أَسْقَطُ وَأَوْهَنُ ; لِأَنَّهَا مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ - وَهُوَ ضَعِيفٌ عَنْ الْعُمَرِيِّ الصَّغِيرِ - وَهُوَ ضَعِيفٌ .
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي صَالِحٍ مَاهَانَ الْحَنَفِيِّ فَهُوَ مُرْسَلٌ - وَمَاهَانُ هَذَا ضَعِيفٌ كُوفِيٌّ . 7
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ فَأَحَدُ طُرُقِهِ عَنْ حَفْصِ بْنِ غَيْلَانَ - وَهُوَ مَجْهُولٌ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ وَلَمْ يَسْمَعْ مَكْحُولٌ مِنْ أَبِي أُمَامَةَ شَيْئًا .
وَالْأُخْرَى مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ - وَهُوَ ضَعِيفٌ . وَالثَّالِثَةُ - مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُوَرِّعِ وَهُوَ ضَعِيفٌ عَنْ الْأَحْوَصِ بْنِ حَكِيمٍ وَهُوَ سَاقِطٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَابِرٍ ، وَهُوَ مَجْهُولٌ ; وَهُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ ظَاهِرُ الْكَذِبِ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ أَجْرُ الْعُمْرَةِ كَأَجْرِ مَنْ مَشَى إلَى صَلَاةِ تَطَوُّعٍ لَمَا كَانَ - لِمَا تَكَلَّفَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْقَصْدِ إلَى الْعُمْرَةِ إلَى مَكَّةَ مِنْ الْمَدِينَةِ - مَعْنًى ، وَلَكَانَ فَارِغًا - وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ هَذَا .
وَأَمَّا حَدِيثُ طَلْحَةَ فَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ قَانِعٍ ، وَقَدْ أَصْفَقَ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ عَلَى تَرْكِهِ ، وَهُوَ رَاوِي كُلِّ بَلِيَّةٍ وَكَذِبَةٍ ; ثُمَّ فِيهِ عُمَرُ بْنُ قَيْسٍ سندل وَهُوَ ضَعِيفٌ .
وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ قَانِعٍ وَيَكْفِي ; ثُمَّ هُوَ عَنْ ثَلَاثَةٍ مَجْهُولِينَ فِي نَسَقٍ لَا يُدْرَى مَنْ هُمْ .
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَكَذِبٌ بَحْتٌ مِنْ بَلَايَا عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ قَانِعٍ الَّتِي انْفَرَدَ بِهَا وَالنَّاسُ رَوَوْهُ مُرْسَلًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ مَاهَانَ كَمَا أَوْرَدْنَا قَبْلُ فَزَادَ فِيهِ أَبَا هُرَيْرَةَ ، وَأَوْهَمَ أَنَّهُ صَالِحٌ السَّمَّانُ - فَسَقَطَتْ كُلُّهَا وَلِلَّهِ الْحَمْدُ .
وَلَوْ شِئْنَا لَعَارَضْنَاهُمْ بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { ۝ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ : فَرِيضَتَانِ وَاجِبَتَانِ } وَلَكِنْ يُعِيذُنَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، وَمَعَاذَ اللَّهِ وَالشَّهْرِ الْحَرَامِ مِنْ أَنْ نَحْتَجَّ بِمَا لَيْسَ حُجَّةً ; وَلَكِنَّ ابْنَ لَهِيعَةَ إذَا رَوَى مَا يُوَافِقُهُمْ صَارَ ثِقَةً وَإِذَا رَوَى مَا يُخَالِفُهُمْ صَارَ ضَعِيفًا ; وَاَللَّهِ مَا هَذَا فِعْلُ مَنْ يُوقِنُ أَنَّهُ مُحَاسَبٌ بِكَلَامِهِ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَعَهْدُنَا بِهِمْ يَقُولُونَ : إنَّ الصَّاحِبَ إذَا رَوَى خَبَرًا وَتَرَكَهُ كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى ضَعْفِ ذَلِكَ الْخَبَرِ . 8
وَقَدْ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّلْمَنْكِيُّ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا إبْرَاهِيمُ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ فِرَاسٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ الصَّائِغُ نا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ نا سُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ { ۝ : الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ وَاجِبَتَانِ } .
وَبِهِ نَصًّا إلَى سُفْيَانَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ : إنَّهَا لَقَرِينَتُهَا فِي كِتَابِ اللَّه وَهَذَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ طُرُقٍ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ كَوُجُوبِ الْحَجِّ .
ونا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَنَسٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عِقَالٍ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدِّينَوَرِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْجَهْمِ نا أَبُو قِلَابَةَ نا الْأَنْصَارِيُّ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَاضِي - أَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : لَيْسَ مُسْلِمٌ إلَّا عَلَيْهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ { مَنْ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا } .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : فَلَوْ صَحَّ مَا رَوَوْا مِنْ الْكَذِبِ الْمُلَفَّقِ لَوَجَبَ عَلَى أُصُولِهِمْ الْخَبِيثَةِ الْمُفْتَرَاةِ إسْقَاطُ كُلِّ ذَلِكَ إذَا كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَجَابِرٌ رَوَيَا تِلْكَ الْأَخْبَارَ بِزَعْمِهِمْ قَدْ صَحَّ عَنْهُمَا خِلَافُهَا ، وَلَكِنَّ الْقَوْمَ مُتَلَاعِبُونَ كَمَا تَرَوْنَ ، وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْخِذْلَانِ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : ثُمَّ لَوْ صَحَّتْ كُلُّهَا - وَمَعَاذَ اللَّهِ مِنْ أَنْ يَصِحَّ الْبَاطِلُ وَالْكَذِبُ - لَمَا كَانَتْ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا حُجَّةٌ - .
لِمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّنْعَانِيُّ نا خَالِدُ هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ - نا شُعْبَةَ قَالَ : سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ سَالِمٍ قَالَ : سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ أَوْسٍ يُحَدِّثُ عَنْ { ۝ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ وَلَا الْعُمْرَةَ وَلَا الظَّعْنَ قَالَ : فَحِجَّ عَنْ أَبِيكَ وَاعْتَمِرْ } .
فَهَذَا أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَدَاءِ فَرْضِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ عَمَّنْ لَا يُطِيقُهُمَا ; فَهَذَا حُكْمٌ 9 زَائِدٌ وَشَرْعٌ وَارِدٌ ; وَكَانَتْ تَكُونُ تِلْكَ الْأَحَادِيثُ مُوَافِقَةً لِمَعْهُودِ الْأَصْلِ فَإِنَّ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ قَدْ كَانَا بِلَا شَكٍّ تَطَوُّعًا لَا فَرْضًا فَإِذَا أَمَرَ بِهِمَا اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ بَطَلَ كَوْنُهُمَا تَطَوُّعًا بِلَا شَكٍّ وَصَارَا فَرْضَيْنِ ، فَمَنْ ادَّعَى بُطْلَانَ هَذَا الْحُكْمِ وَعَوْدَةَ الْمَنْسُوخِ فَقَدْ كَذَبَ وَأَفِكَ وَافْتَرَى ; وَقَفَا مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ ; فَبَطَلَ كُلُّ خَبَرٍ مَكْذُوبٍ مَوَّهُوا بِهِ لَوْ صَحَّ فَكَيْف وَكُلُّهَا بَاطِلٌ ؟ وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ : إنَّ إخْبَارَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِدُخُولِ الْعُمْرَةِ فِي الْحَجِّ ، وَبِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْمَرْءِ إلَّا حَجَّةٌ وَاحِدَةٌ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ فَرْضًا فَهَذَيَانٌ لَا يُعْقَلُ ; بَلْ هَذَا بُرْهَانٌ وَاضِحٌ فِي كَوْنِ الْعُمْرَةِ فَرْضًا ; لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَخْبَرَ بِأَنَّهَا دَخَلَتْ فِي الْحَجِّ ; وَلَا يَشُكُّ ذُو عَقْلٍ فِي أَنَّهَا لَمْ تَصِرْ حَجَّةً ; فَوَجَبَ أَنَّ دُخُولَهَا فِي الْحَجِّ إنَّمَا هُوَ مِنْ وَجْهَيْنِ فَقَطْ - : أَحَدُهُمَا :
أَنَّهُ يُجْزَى لَهُمَا عَمَلٌ وَاحِدٌ فِي الْقِرَانِ .
وَالثَّانِي : دُخُولُهَا فِي أَنَّهَا فَرْضٌ كَالْحَجِّ . فَإِنْ قَالُوا : قَدْ جَاءَ أَنَّهَا الْحَجُّ الْأَصْغَرُ ؟ قُلْنَا لَوْ صَحَّ هَذَا لَكَانَ حُجَّةً لَنَا ; لِأَنَّ الْقِرَانَ [ قَدْ ] جَاءَ بِإِيجَابِ الْحَجِّ فَكَانَتْ حِينَئِذٍ تَكُونُ فَرْضًا بِنَصِّ قَوْله تَعَالَى { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا } لَكِنَّا لَا نَسْتَحِلُّ التَّمْوِيهَ بِمَا لَا يَصِحُّ ، مَعَ أَنَّ الْخَبَرَ الَّذِي ذَكَرُوا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ ; لِأَنَّ رَاوِيَهُ أَبُو سِنَانٍ الدُّؤَلِيُّ وَقَدْ قَالَ فِيهِ عُقَيْلٌ : سِنَانٌ هُوَ مَجْهُولٌ غَيْرُ مَعْرُوفٍ ، وَأَيْضًا : فَإِنَّهُمْ كَذَبُوا فِيهِ وَحَرَّفُوهُ وَأَوْهَمُوا أَنَّ فِيهِ مِنْ لَفْظِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ { ۝ لَيْسَ عَلَى الْمَرْءِ إلَّا حَجَّةٌ وَاحِدَةٌ } لَيْسَ هَذَا فِي ذَلِكَ الْخَبَرِ أَصْلًا وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّ الْحَجَّ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ وَهَذَا لَا يَمْنَعُ مِنْ وُجُوبِ الْعُمْرَةِ : إمَّا مَعَ الْحَجِّ مَقْرُونَةٌ ، وَإِمَّا مَعَهُ فِي عَامٍ وَاحِدٍ ; فَصَارَ حُجَّةً لَنَا عَلَيْهِمْ . 10
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا أَمَرَ بِإِتْمَامِهَا مَنْ دَخَلَ فِيهَا لَا بِابْتِدَائِهَا ، وَأَنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَرَأَ : { وَالْعُمْرَةُ لِلَّهِ } بِالرَّفْعِ فَقَوْلٌ كُلُّهُ بَاطِلٌ ; لِأَنَّهَا دَعْوَى بِلَا بُرْهَانٍ وقَوْله تَعَالَى : { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ } لَا يَقْتَضِي مَا قَالُوا وَإِنَّمَا يَقْتَضِي وُجُوبَ الْمَجِيءِ بِهِمَا تَامَّيْنِ وَحَتَّى لَوْ صَحَّ مَا قَالُوهُ لَكَانَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ ; لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الدَّاخِلُ فِيهَا مَأْمُورًا بِإِتْمَامِهَا فَقَدْ صَارَتْ فَرْضًا مَأْمُورًا بِهِ ; وَهَذَا قَوْلُنَا لَا قَوْلُهُمْ الْفَاسِدُ الْمُتَخَاذِلُ - وَابْنُ عَبَّاسٍ حُجَّةٌ فِي اللُّغَةِ .
وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ : وَاَللَّهِ إنَّهَا لَقَرِينَتُهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ } فَابْنُ عَبَّاسٍ يَرَى هَذَا النَّصَّ مُوجِبًا لِكَوْنِهَا فَرْضًا كَالْحَجِّ بِخِلَافِ كَيْسِ هَؤُلَاءِ الْحُذَّاقِ بِاللُّغَةِ بِالضِّدِّ ، وَبِهَذَا احْتَجَّ مَسْرُوقٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَعَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ، وَنَافِعٌ فِي إيجَابِهَا ; وَمَسْرُوقٌ ; وَسَعِيدٌ حُجَّةٌ فِي اللُّغَةِ .
فَإِنْ قَالُوا : أَنْتُمْ تَقُولُونَ : بِهَذَا فِي الْحَجِّ التَّطَوُّعِ ، وَالْعُمْرَةِ التَّطَوُّعِ ؟ قُلْنَا : لَا بَلْ هُمَا تَطَوُّعٌ غَيْرُ لَازِمٍ جُمْلَةً إنْ تَمَادَى فِيهِمَا أُجِرَ ، وَإِلَّا فَلَا حَرَجَ وَلَوْ كَانَ غَيْرَ هَذَا لَكَانَ الْحَجُّ يَتَكَرَّرُ فَرْضُهُ مَرَّاتٍ ، وَهَذَا خِلَافُ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً فِي الدَّهْرِ .
فَإِنْ قَالُوا : فَإِنَّكُمْ تَقُولُونَ : بِإِتْمَامِ النَّذْرِ ، وَإِتْمَامِ قَضَاءِ صَوْمِ التَّطَوُّعِ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ فِيهِ ؟ قُلْنَا : نَعَمْ ; لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ صَارَ فَرْضًا زَائِدًا بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِذَلِكَ وَأَمْرِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّمَا الْحَجُّ فَرْضٌ مَرَّةً وَاحِدَةً عَلَى مَنْ لَمْ يَنْذِرْهُ لَا عَلَى مَنْ نَذَرَهُ ; بَلْ هُوَ عَلَى مَنْ نَذَرَهُ فَرْضٌ آخَرُ لَا نَضْرِبُ أَوَامِرَ اللَّهِ تَعَالَى بَعْضَهَا بِبَعْضٍ بَلْ نَضُمُّ بَعْضَهَا إلَى بَعْضٍ وَنَأْخُذُ بِجَمِيعِهَا .
وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ { وَالْعُمْرَةُ لِلَّهِ } بِالرَّفْعِ فَقِرَاءَةٌ مُنْكَرَةٌ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْرَأَ بِهَا ، وَسُبْحَانَ مَنْ جَعَلَهُمْ يَلْجَئُونَ إلَى تَبْدِيلِ الْقُرْآنِ فَيَحْتَجُّونَ بِهِ ؟ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : لَوْ كَانَتْ فَرْضًا لَكَانَتْ مُرْتَبِطَةً بِوَقْتٍ ؟ فَكَلَامٌ سَخِيفٌ لَمْ يَأْتِ بِهِ قَطُّ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ وَلَا رِوَايَةٌ سَقِيمَةٌ وَلَا قَوْلُ صَاحِبٍ وَلَا إجْمَاعٌ وَلَا قِيَاسٌ يُعْقَلُ ، وَهُمْ مُوَافِقُونَ لَنَا عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرْضٌ وَلَوْ مَرَّةً فِي الدَّهْرِ وَلَيْسَتْ مُرْتَبِطَةً 11 بِوَقْتٍ ، وَأَنَّ النَّذْرَ فَرْضٌ وَلَيْسَ مُرْتَبِطًا بِوَقْتٍ ، وَأَنَّ قَضَاءَ رَمَضَانَ فَرْضٌ وَلَيْسَ مُرْتَبِطًا بِوَقْتٍ ، وَالْإِحْرَامُ لِلْحَجِّ عِنْدَهُمْ فَرْضٌ وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ مُرْتَبِطًا بِوَقْتٍ ، فَظَهَرَ هَوَسُ مَا يَأْتُونَ بِهِ ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا عَبْدُ الْوَهَّابِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ - عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ ثَابِتٍ قَالَ فِيمَنْ يَعْتَمِرُ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ : نُسُكَانِ لِلَّهِ عَلَيْك لَا يَضُرُّك بِأَيِّهِمَا بَدَأَتْ .
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي نَافِعٌ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ : لَيْسَ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ أَحَدٌ إلَّا وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ وَاجِبَتَانِ مَنْ اسْتَطَاعَ إلَى ذَلِكَ سَبِيلًا وَمَنْ زَادَ بَعْدَهُمَا شَيْئًا فَهُوَ خَيْرٌ وَتَطَوُّعٌ .
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : أُمِرْتُمْ بِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ ، وَالْعُمْرَةِ إلَى الْبَيْتِ ; وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ آنِفًا عَنْ جَابِرٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ .
وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُتِبَتْ عَلَيْكُمْ الْعُمْرَةَ .
وَعَنْ أَشْعَثَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ : كَانُوا لَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّ الْعُمْرَةَ فَرِيضَةٌ ، وَابْنُ سِيرِينَ أَدْرَكَ الصَّحَابَةِ وَأَكَابِرَ التَّابِعِينَ .
وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : الْعُمْرَةُ وَاجِبَةٌ .
وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، وَمَعْمَرٍ عَنْ دَاوُد بْنِ أَبِي هِنْدٍ قُلْت لِعَطَاءٍ : الْعُمْرَةُ عَلَيْنَا فَرِيضَةٌ كَالْحَجِّ ؟ قَالَ : نَعَمْ .
وَعَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ ، وَابْنِ سِيرِينَ جَمِيعًا الْعُمْرَةُ وَاجِبَةٌ - وَعَنْ طَاوُسٍ الْعُمْرَةُ وَاجِبَةٌ .
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ الْعُمْرَةُ وَاجِبَةٌ ; فَقِيلَ لَهُ : إنَّ فُلَانًا يَقُولُ : لَيْسَتْ وَاجِبَةً ، فَقَالَ : كَذَبَ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ } .
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ 12 مَسْرُوقًا يَقُولُ أُمِرْتُمْ فِي الْقُرْآنِ بِإِقَامَةِ أَرْبَعٍ : الصَّلَاةُ ، وَالزَّكَاةُ ، وَالْحَجُّ ، وَالْعُمْرَةُ - قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ : وَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ شَدَّادٍ يَقُولُ : الْعُمْرَةُ الْحَجُّ الْأَصْغَرُ . وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ إنَّمَا كُتِبَتْ عَلَيَّ عُمْرَةٌ ، وَحَجَّةٌ . وَعَنْ مُجَاهِدٍ : الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ فَرِيضَتَانِ ; وَعَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ الْعُمْرَةُ الْحَجَّةُ الصُّغْرَى ، وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْعُمْرَةِ ؟ فَقَالَ : مَا نَعْلَمُهَا إلَّا وَاجِبَةً { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ } . وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ السَّرَّاجِ قَالَ : سَأَلْتُ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ ، وَنَافِعًا مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ عَنْ الْعُمْرَةِ أَوَاجِبَةٌ هِيَ ؟ - فَقَرَأَ جَمِيعًا : { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ } .
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا هُشَيْمٌ نا مُغِيرَةُ هُوَ ابْنُ مَقْسَمٍ - عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي الْعُمْرَةِ : هِيَ وَاجِبَةٌ - وَعَنْ شُعْبَةَ عَنْ الْحَكَمِ قَالَ : الْعُمْرَةُ وَاجِبَةٌ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ ، وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِمْ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ : لَيْسَتْ فَرْضًا ، وَالْقَوْمُ يُعَظِّمُونَ خِلَافَ الصَّاحِبِ الَّذِي لَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ ، وَهُمْ قَدْ خَالَفُوا هَاهُنَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، وَابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ ، وَابْنَ عَبَّاسٍ ، وَجَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ، وَابْنَ مَسْعُودٍ ، وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ، وَلَا يَصِحُّ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ خِلَافٌ لَهُمْ فِي هَذَا إلَّا رِوَايَةً سَاقِطَةً مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَعْشَرٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ قَالَ : الْعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ ، وَالصَّحِيحُ عَنْهُ خِلَافُ هَذَا كَمَا ذَكَرْنَا .
وَعَهْدُنَا بِهِمْ يُعَظِّمُونَ خِلَافَ الْجُمْهُورِ ، وَقَدْ خَالَفُوا [ هَاهُنَا ] عَطَاءً ، وَطَاوُسًا ، وَمُجَاهِدًا ، وَسَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ ، وَالْحَسَنَ ، وَابْنَ سِيرِينَ ، وَمَسْرُوقًا ، وَعَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ ، وَنَافِعًا مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ ، وَهُشَامَ بْنَ عُرْوَةَ ، وَالْحَكَمَ بْنَ عُتَيْبَةَ ، وَسَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ ، وَالشَّعْبِيَّ ، وَقَتَادَةَ وَمَا نَعْلَمُ لِمَنْ قَالَ : لَيْسَتْ وَاجِبَةً سَلَفًا ، مِنْ التَّابِعِينَ إلَّا إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ 13 وَحْدَهُ ; وَرِوَايَةٌ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَدْ صَحَّ عَنْهُ خِلَافُهَا كَمَا ذَكَرْنَا - وَتَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَمَوَّهَ بَعْضُهُمْ بِحَدِيثَيْنِ هُمَا مِنْ أَعْظَمِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ - : أَحَدُهُمَا : الْخَبَرُ الثَّابِتُ فِي الَّذِي سَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْإِسْلَامِ ؟ فَأَخْبَرَهُ بِالصَّلَاةِ ، وَالزَّكَاةِ ، وَالصِّيَامِ ، وَالْحَجِّ ; فَقَالَ : هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : لَا إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ . وَالثَّانِي :
خَبَرُ ابْنِ عُمَرَ { ۝ بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ } فَذَكَرَ شَهَادَةَ التَّوْحِيدِ ، وَالصَّلَاةَ ، وَالزَّكَاةَ ، وَالصِّيَامَ ، وَالْحَجَّ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَهُمَا - أَقْوَى ، حُجَجِنَا عَلَيْهِمْ لِصِحَّةِ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ۝ دَخَلَتْ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } فَصَحَّ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ بِوُجُوبِ الْحَجِّ ، وَأَنَّ فَرْضَهَا دَخَلَ فِي فَرْضِ الْحَجِّ .
وَأَيْضًا : فَحَتَّى لَوْ لَمْ يَأْتِ هَذَا الْخَبَرُ لَكَانَ أَمْرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوُرُودُ الْقُرْآنِ بِهَا شَرْعًا زَائِدًا وَفَرْضًا وَارِدًا مُضَافًا إلَى سَائِرِ الشَّرَائِعِ الْمَذْكُورَةِ ; وَكُلُّهُمْ يَرَى النَّذْرَ فَرْضًا ، وَالْجِهَادَ إذَا نَزَلَ بِالْمُسْلِمِينَ فَرْضًا ; وَغُسْلَ الْجَنَابَةِ فَرْضًا ، وَالْوُضُوءَ فَرْضًا ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مَذْكُورًا فِي الْحَدِيثَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ وَلَمْ يَرَوْا الْحَدِيثَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ حُجَّةً فِي سُقُوطِ فَرْضِ كُلِّ مَا ذَكَرْنَا ، فَوَضَحَ تَنَاقُضُهُمْ وَفَسَادُ مَذْهَبِهِمْ فِي ذَلِكَ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .

المقارن

بداية المجتهد ونهاية المقتصد اقرأ →
كتاب الحج