الجنايات
العفو عن القصاصاستيفاء القصاصشروط القصاصما يوجب القصاص فيما دون النفسالشهادة في القتلالقصاص فيما دون النفسالقود فيما دون النفسما يوجب القصاص وما لا يوجبهاختلاف الجاني ومستحق الدماستيفاء القصاص في النفس وما دونهااستيفاء القصاص وله ثلاثة شروطاستيفاء القود وله شروطتغير حال المجروح بين الجرح والموتشروط القودشروط وجوب القصاصالشهادة في القتل واعتبار حالتهالعفو عن القودفي اعتبار حالة القتلفي بيان اعتبار حالة القتلفي مسائل منثورة في الجناياتالقصاص في الأطرافما يشترط مساواة القتيل القاتل فيه لوجوب القصاصما يوجب القصاص فيما دون النفس وهو نوعانما يوجب قصاصا فيما دون النفس من الأطراف
الحنفية
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع
اقرأ →
( كِتَابُ الْجِنَايَاتِ )
الْجِنَايَةُ فِي الْأَصْلِ نَوْعَانِ : جِنَايَةٌ عَلَى الْبَهَائِمِ وَالْجَمَادَاتِ ، وَجِنَايَةٌ عَلَى الْآدَمِيِّ .
( أَمَّا ) الْجِنَايَةُ عَلَى الْبَهَائِمِ وَالْجَمَادَاتِ فَنَوْعَانِ أَيْضًا : غَصْبٌ وَإِتْلَافٌ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي كِتَابِ الْغَصْبِ ، وَهَذَا الْكِتَابُ وُضِعَ لِبَيَانِ حُكْمِ الْجِنَايَةِ عَلَى الْآدَمِيِّ خَاصَّةً ، فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ : الْجِنَايَةُ عَلَى الْآدَمِيِّ فِي الْأَصْلِ أَنْوَاعٌ ثَلَاثَةٌ : جِنَايَةٌ عَلَى النَّفْسِ مُطْلَقًا ، وَجِنَايَةٌ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ مُطْلَقًا ، وَجِنَايَةٌ عَلَى مَا هُوَ نَفْسٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ .
( أَمَّا ) الْجِنَايَةُ عَلَى النَّفْسِ مُطْلَقًا فَهِيَ قَتْلُ الْمَوْلُودِ ، وَالْكَلَامُ فِي الْقَتْلِ فِي مَوَاضِعَ : فِي بَيَانِ أَنْوَاعِ الْقَتْلِ ، وَفِي بَيَانِ صِفَةِ كُلِّ نَوْعٍ ، وَفِي بَيَانِ حُكْمِ كُلِّ نَوْعٍ مِنْهُ .
( أَمَّا ) الْأَوَّلُ : فَالْقَتْلُ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ : قَتْلٌ هُوَ عَمْدٌ مَحْضٌ لَيْسَ فِيهِ شُبْهَةُ الْعَمْدِ ، وَقَتْلٌ عَمْدٌ فِيهِ شُبْهَةُ الْعَمْدِ ، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِشِبْهِ الْعَمْدِ ، وَقَتْلٌ هُوَ خَطَأٌ مَحْضٌ لَيْسَ فِيهِ شُبْهَةُ الْعَمْدِ ، وَقَتْلٌ هُوَ فِي مَعْنَى الْقَتْلِ الْخَطَأِ .
( أَمَّا ) الَّذِي هُوَ عَمْدٌ مَحْضٌ فَهُوَ أَنْ يَقْصِدَ الْقَتْلَ بِحَدِيدٍ لَهُ حَدٌّ أَوْ طَعْنٌ كَالسَّيْفِ ، وَالسِّكِّينِ ، وَالرُّمْحِ ، وَالْإِشْفَى ، وَالْإِبْرَةِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، أَوْ مَا يَعْمَلُ عَمَلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ فِي الْجَرْحِ ، وَالطَّعْنِ كَالنَّارِ ، وَالزُّجَاجِ ، وَلِيطَةِ الْقَصَبِ ، وَالْمَرْوَةِ ، وَالرُّمْحِ الَّذِي لَا سِنَانَ لَهُ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ الْآلَةُ الْمُتَّخَذَةُ مِنْ النُّحَاسِ ، وَكَذَلِكَ الْقَتْلُ بِحَدِيدٍ لَا حَدَّ لَهُ كَالْعَمُودِ ، وَصَنْجَةِ الْمِيزَانِ ، وَظَهْرِ الْفَأْسِ ، وَالْمَرْوِ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ عَمْدٌ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ ، ( وَرَوَى ) الطَّحَاوِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَمْدٍ ، فَعَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ الْعِبْرَةُ لِلْحَدِيدِ نَفْسِهِ سَوَاءٌ جَرَحَ أَوْ لَا ، وَعَلَى رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ الْعِبْرَةُ لِلْجَرْحِ نَفْسِهِ حَدِيدًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ فِي مَعْنَى الْحَدِيدِ كَالصُّفْرِ ، وَالنُّحَاسِ ، وَالْآنُكِ ، وَالرَّصَاصِ ، وَالذَّهَب ، وَالْفِضَّة فَحُكْمُهُ حُكْم الْحَدِيدِ .
الْجِنَايَةُ فِي الْأَصْلِ نَوْعَانِ : جِنَايَةٌ عَلَى الْبَهَائِمِ وَالْجَمَادَاتِ ، وَجِنَايَةٌ عَلَى الْآدَمِيِّ .
( أَمَّا ) الْجِنَايَةُ عَلَى الْبَهَائِمِ وَالْجَمَادَاتِ فَنَوْعَانِ أَيْضًا : غَصْبٌ وَإِتْلَافٌ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي كِتَابِ الْغَصْبِ ، وَهَذَا الْكِتَابُ وُضِعَ لِبَيَانِ حُكْمِ الْجِنَايَةِ عَلَى الْآدَمِيِّ خَاصَّةً ، فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ : الْجِنَايَةُ عَلَى الْآدَمِيِّ فِي الْأَصْلِ أَنْوَاعٌ ثَلَاثَةٌ : جِنَايَةٌ عَلَى النَّفْسِ مُطْلَقًا ، وَجِنَايَةٌ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ مُطْلَقًا ، وَجِنَايَةٌ عَلَى مَا هُوَ نَفْسٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ .
( أَمَّا ) الْجِنَايَةُ عَلَى النَّفْسِ مُطْلَقًا فَهِيَ قَتْلُ الْمَوْلُودِ ، وَالْكَلَامُ فِي الْقَتْلِ فِي مَوَاضِعَ : فِي بَيَانِ أَنْوَاعِ الْقَتْلِ ، وَفِي بَيَانِ صِفَةِ كُلِّ نَوْعٍ ، وَفِي بَيَانِ حُكْمِ كُلِّ نَوْعٍ مِنْهُ .
( أَمَّا ) الْأَوَّلُ : فَالْقَتْلُ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ : قَتْلٌ هُوَ عَمْدٌ مَحْضٌ لَيْسَ فِيهِ شُبْهَةُ الْعَمْدِ ، وَقَتْلٌ عَمْدٌ فِيهِ شُبْهَةُ الْعَمْدِ ، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِشِبْهِ الْعَمْدِ ، وَقَتْلٌ هُوَ خَطَأٌ مَحْضٌ لَيْسَ فِيهِ شُبْهَةُ الْعَمْدِ ، وَقَتْلٌ هُوَ فِي مَعْنَى الْقَتْلِ الْخَطَأِ .
( أَمَّا ) الَّذِي هُوَ عَمْدٌ مَحْضٌ فَهُوَ أَنْ يَقْصِدَ الْقَتْلَ بِحَدِيدٍ لَهُ حَدٌّ أَوْ طَعْنٌ كَالسَّيْفِ ، وَالسِّكِّينِ ، وَالرُّمْحِ ، وَالْإِشْفَى ، وَالْإِبْرَةِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، أَوْ مَا يَعْمَلُ عَمَلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ فِي الْجَرْحِ ، وَالطَّعْنِ كَالنَّارِ ، وَالزُّجَاجِ ، وَلِيطَةِ الْقَصَبِ ، وَالْمَرْوَةِ ، وَالرُّمْحِ الَّذِي لَا سِنَانَ لَهُ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ الْآلَةُ الْمُتَّخَذَةُ مِنْ النُّحَاسِ ، وَكَذَلِكَ الْقَتْلُ بِحَدِيدٍ لَا حَدَّ لَهُ كَالْعَمُودِ ، وَصَنْجَةِ الْمِيزَانِ ، وَظَهْرِ الْفَأْسِ ، وَالْمَرْوِ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ عَمْدٌ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ ، ( وَرَوَى ) الطَّحَاوِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَمْدٍ ، فَعَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ الْعِبْرَةُ لِلْحَدِيدِ نَفْسِهِ سَوَاءٌ جَرَحَ أَوْ لَا ، وَعَلَى رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ الْعِبْرَةُ لِلْجَرْحِ نَفْسِهِ حَدِيدًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ فِي مَعْنَى الْحَدِيدِ كَالصُّفْرِ ، وَالنُّحَاسِ ، وَالْآنُكِ ، وَالرَّصَاصِ ، وَالذَّهَب ، وَالْفِضَّة فَحُكْمُهُ حُكْم الْحَدِيدِ .
المبسوط
اقرأ →
كتاب الجنايات
فتح القدير
اقرأ →
24 بَابُ الْجِنَايَاتِ ( وَإِذَا تَطَيَّبَ الْمُحْرِمُ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ 25 فَإِنْ طَيَّبَ عُضْوًا كَامِلًا فَمَا زَادَ فَعَلَيْهِ دَمٌ ) وَذَلِكَ مِثْلُ الرَّأْسِ وَالسَّاقِ وَالْفَخِذِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْجِنَايَةَ تَتَكَامَلُ بِتَكَامُلِ الِارْتِفَاقِ ، وَذَلِكَ فِي الْعُضْوِ الْكَامِلِ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ كَمَالُ الْمُوجِبِ ( وَإِنْ طَيَّبَ أَقَلَّ مِنْ عُضْوٍ فَعَلَيْهِ الصَّدَقَةُ ) ; لِقُصُورِ الْجِنَايَةِ . وَقَالَ مُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ : يَجِبُ بِقَدْرِهِ مِنْ الدَّمِ اعْتِبَارًا لِلْجُزْءِ بِالْكُلِّ . وَفِي الْمُنْتَقَى أَنَّهُ إذَا طَيَّبَ رُبُعَ الْعُضْوِ فَعَلَيْهِ دَمٌ اعْتِبَارًا بِالْحَلْقِ ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا مِنْ بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ . ثُمَّ وَاجِبُ الدَّمِ يَتَأَدَّى بِالشَّاةِ فِي جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ إلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ نَذْكُرُهُمَا فِي بَابِ الْهَدْيِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَكُلُّ صَدَقَةٍ فِي الْإِحْرَامِ غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ فَهِيَ 26 نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ إلَّا مَا يَجِبُ بِقَتْلِ الْقَمْلَةِ وَالْجَرَادَةِ ، هَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى .
فتح القدير
اقرأ →
203 كِتَابُ الْجِنَايَاتِ قَالَ ( الْقَتْلُ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ : عَمْدٌ ، وَشِبْهُ عَمْدٍ ، وَخَطَأٌ ، وَمَا أُجْرِيَ مَجْرَى الْخَطَأِ ، وَالْقَتْلُ بِسَبَبٍ ) 204 وَالْمُرَادُ بَيَانُ قَتْلٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَحْكَامُ
205 قَالَ ( فَالْعَمْدُ مَا تَعَمَّدَ ضَرْبَهُ بِسِلَاحٍ أَوْ مَا أُجْرِيَ مَجْرَى السِّلَاحِ كَالْمُحَدَّدِ مِنْ الْخَشَبِ وَلِيطَةِ الْقَصَبِ وَالْمَرْوَةِ الْمُحَدَّدَةِ وَالنَّارِ ) ; لِأَنَّ الْعَمْدَ هُوَ الْقَصْدُ ، وَلَا يُوقَفُ عَلَيْهِ إلَّا بِدَلِيلِهِ وَهُوَ اسْتِعْمَالُ الْآلَةِ الْقَاتِلَةِ فَكَانَ مُتَعَمِّدًا فِيهِ عِنْدَ ذَلِكَ
205 قَالَ ( فَالْعَمْدُ مَا تَعَمَّدَ ضَرْبَهُ بِسِلَاحٍ أَوْ مَا أُجْرِيَ مَجْرَى السِّلَاحِ كَالْمُحَدَّدِ مِنْ الْخَشَبِ وَلِيطَةِ الْقَصَبِ وَالْمَرْوَةِ الْمُحَدَّدَةِ وَالنَّارِ ) ; لِأَنَّ الْعَمْدَ هُوَ الْقَصْدُ ، وَلَا يُوقَفُ عَلَيْهِ إلَّا بِدَلِيلِهِ وَهُوَ اسْتِعْمَالُ الْآلَةِ الْقَاتِلَةِ فَكَانَ مُتَعَمِّدًا فِيهِ عِنْدَ ذَلِكَ
رد المحتار على الدر المختار
اقرأ →
( قَوْلُهُ وَمَوَانِعُهُ ) الْمَانِعُ لُغَةً : الْحَائِلُ وَاصْطِلَاحًا : مَا يَنْتَفِي لِأَجْلِهِ الْحُكْمُ عَنْ شَخْصٍ لِمَعْنًى فِيهِ بَعْدَ قِيَامِ سَبَبِهِ ، وَيُسَمَّى مَحْرُومًا فَخَرَجَ مَا انْتَفَى لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ فَإِنَّهُ مَحْجُوبٌ ، أَوْ لِعَدَمِ قِيَامِ السَّبَبِ كَالْأَجْنَبِيِّ ، وَالْمُرَادُ بِالْمَانِعِ هَاهُنَا الْمَانِعُ عَنْ الْوِرَاثِيَّةِ لَا الْمَوْرُوثِيَّةِ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا كَاخْتِلَافِ الدِّينِ مَانِعًا عَنْهُمَا كَمَا حَرَّرْته فِي الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ ( قَوْلُهُ عَلَى مَا هُنَا ) لِأَنَّ بَعْضَهُمْ زَادَ عَلَى هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ غَيْرَهَا كَمَا سَيَذْكُرُهُ الشَّارِحُ ( قَوْلُهُ كَمُكَاتَبٍ ) الْمُصَرَّحُ بِهِ أَنَّ رِقَّهُ كَامِلٌ ، وَمِلْكُهُ نَاقِصٌ فَالصَّوَابُ أَنْ يَقُولَ : كَمُدَبَّرٍ وَأُمِّ وَلَدٍ ا هـ ح وَقَدْ يُقَالُ كَمَالُ رِقِّهِ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُدَبَّرِ ، وَأُمِّ الْوَلَدِ وَلِذَا أَجَازَ عِتْقَهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ ، وَمَلَكَ أَكْسَابَهُ دُونَهُمَا ، أَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْقِنِّ فَهُوَ نَاقِصٌ مِنْ حَيْثُ انْعِقَادُ سَبَبِ الْحُرِّيَّةِ فِيهِ مِثْلُ الْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ ( قَوْلُهُ وَكَذَا مُبَعَّضٌ إلَخْ ) هُوَ مَنْ أُعْتِقَ بَعْضُهُ فَيَسْعَى فِي فِكَاكِ بَاقِيهِ ، وَهُوَ عِنْدَ الْإِمَامِ بِمَنْزِلَةِ الْمَمْلُوكِ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ وَقَالَا هُوَ حُرٌّ مَدْيُونٌ فَيَرِثُ وَيَحْجُبُ بِنَاءً عَلَى تَجَزِّي الْإِعْتَاقِ عِنْدَهُ لَا عِنْدَهُمَا ( قَوْلُهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَرِثُ بَلْ يُورَثُ ) قِيلَ الْمَنْقُولُ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَرِثُ ، وَلَا يُورَثُ فَلْيُرَاجَعْ .
( قَوْلُهُ يُورَثُ فِيهَا الرَّقِيقُ ) أَيْ بِطَرِيقِ الِاسْتِنَادِ إلَى أَوَّلِ الْإِصَابَةِ ط ( قَوْلُهُ جُنِيَ عَلَيْهِ ) أَيْ بِجِرَاحَةٍ مَثَلًا ( قَوْلُهُ بِسِرَايَةِ تِلْكَ الْجِنَايَةِ ) أَيْ الَّتِي أَصَابَتْهُ قَبْلَ الرِّقِّ ط ( قَوْلُهُ فَدِيَتُهُ لِوَرَثَتِهِ إلَخْ ) أَيْ نَظَرًا إلَى وَقْتِ الْإِصَابَةِ ، فَإِنَّهُ لَوْ مَاتَ بِهَا قَبْلَ الِاسْتِرْقَاقِ كَانَ إرْثُهُ لَهُمْ فَكَذَا بَعْدَهُ لِانْعِقَادِ السَّبَبِ قَبْلَهُ ط ( قَوْلُهُ وَلَمْ أَرَهُ لِأَئِمَّتِنَا ) هُمْ قَدْ اعْتَبَرُوا وَقْتَ الْإِصَابَةِ فِي مَسَائِلَ ، فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْهَا ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ مَوْتَهُ صَدَرَ وَهُوَ فِي مِلْكِ السَّيِّدِ فَالدِّيَةُ لَهُ ط . أَقُولُ : يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْجَانِي شَيْءٌ عِنْدَنَا لِمَا تَقَدَّمَ فِي فَصْلِ الْمُسْتَأْمَنِ أَنَّهُ إذَا رَجَعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ ، وَقَدْ تَرَكَ وَدِيعَةً أَوْ دَيْنًا فَأُسِرَ أَوْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ فَأُخِذَ أَوْ قُتِلَ سَقَطَ دَيْنُهُ ، وَمَا غُصِبَ مِنْهُ وَصَارَ مَالُهُ كَوَدِيعَتِهِ وَمَا عِنْدَ شَرِيكِهِ ، أَوْ فِي بَيْتِهِ فِي دَارِنَا فَيْئًا ، وَإِنْ قُتِلَ أَوْ مَاتَ بِلَا غَلَبَةٍ عَلَيْهِمْ فَدَيْنُهُ وَقَرْضُهُ وَوَدِيعَتُهُ لِوَرَثَتِهِ لِأَنَّ نَفْسَهُ لَمْ تَصِرْ مَغْنُومَةً ا هـ .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الدِّيَةَ دَيْنٌ عَلَى الْجَانِي فَتَسْقُطُ بِرُجُوعِهِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ ، وَاسْتِرْقَاقُهُ فَلَا تَكُونُ لِوَرَثَتِهِ وَلَا لِسَيِّدِهِ أَيْضًا ، لِأَنَّ الْجِنَايَةَ حَدَثَتْ عَلَى مِلْكِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لَا عَلَى مِلْكِ السَّيِّدِ لِأَنَّهُ إنَّمَا اسْتَرَقَّهُ مَجْنِيًّا عَلَيْهِ ، 767 فَلَيْسَ لَهُ مُطَالَبَةُ الْجَانِي بِشَيْءٍ فَتَدَبَّرْهُ ( قَوْلُهُ الْمُوجِبُ لِلْقَوَدِ أَوْ الْكَفَّارَةِ ) الْأَوَّلُ هُوَ الْعَمْدُ وَهُوَ أَنْ يَقْصِدَ ضَرْبَهُ بِمُحَدَّدٍ أَوْ مَا يَجْرِي مَجْرَاهُ فِي تَفْرِيقِ الْأَجْزَاءِ ، وَالثَّانِي ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ شِبْهُ عَمْدٍ ، وَهُوَ أَنْ يَتَعَمَّدَ قَتْلَهُ بِمَا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا كَالسَّوْطِ وَخَطَأً كَأَنْ رَمَى صَيْدًا فَأَصَابَ إنْسَانًا وَمَا جَرَى مَجْرَاهُ كَانْقِلَابِ نَائِمٍ عَلَى شَخْصٍ أَوْ سُقُوطِهِ عَلَيْهِ مِنْ سَطْحٍ ، فَخَرَجَ الْقَتْلُ بِسَبَبٍ فَإِنَّهُ لَا يُوجِبُهُمَا كَمَا لَوْ أَخْرَجَ رَوْشَنًا أَوْ حَفَرَ بِئْرًا أَوْ وَضَعَ حَجَرًا فِي الطَّرِيقِ ، فَقَتَلَ مُوَرِّثَهُ أَوْ أَقَادَ دَابَّةً أَوْ سَاقَهَا فَوَطِئَتْهُ ، أَوْ قَتَلَهُ قِصَاصًا أَوْ رَجْمًا أَوْ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ أَوْ وَجَدَ مُوَرِّثَهُ قَتِيلًا فِي دَارِهِ أَوْ قَتَلَ الْعَادِلُ الْبَاغِيَ ، وَكَذَا عَكْسُهُ إنْ قَالَ قَتَلْته وَأَنَا عَلَى حَقٍّ ، وَأَنَا الْآنَ عَلَى الْحَقِّ ، وَخَرَجَ الْقَتْلُ مُبَاشَرَةً مِنْ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لِعَدَمِ وُجُوبِ الْقِصَاصِ ، وَالْكَفَّارَةِ وَتَمَامُهُ فِي سَكْبِ الْأَنْهُرِ وَغَيْرِهِ وَفِي الْحَاوِي الزَّاهِدِيِّ رَمْزًا إذَا قَتَلَ الزَّوْجُ امْرَأَتَهُ أَوْ ذَاتَ رَحِمٍ مِنْ مَحَارِمِهِ الْمُؤَنَّثِ لِأَجْلِ الزِّنَا يَرِثُ مِنْهَا عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ا هـ يَعْنِي مَعَ تَحَقُّقِ الزِّنَا أَمَّا بِمُجَرَّدِ التُّهْمَةِ ، فَلَا كَمَا يَقَعُ مِنْ فَلَّاحِي الْقُرَى بِبِلَادِنَا فَادْرِ ذَلِكَ رَمْلِيٌّ وَالتَّقْيِيدُ بِالْمُوجِبِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ إذْ الْحُكْمُ فِيمَا اُسْتُحِبَّ فِيهِ الْكَفَّارَةُ كَذَلِكَ كَمَنْ ضَرَبَ امْرَأَةً فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا فَفِيهِ الْغُرَّةُ وَتُسْتَحَبُّ الْكَفَّارَةُ مَعَ أَنَّهُ يُحْرَمُ الْإِرْثَ مِنْهُ .
( قَوْلُهُ عَلَى مَا مَرَّ ) أَيْ فِي كِتَابِ الْجِنَايَاتِ ( قَوْلُهُ مُطْلَقًا ) أَيْ بِحَقٍّ أَوْ لَا مُبَاشَرَةٍ أَوْ لَا ، وَلَوْ بِشَهَادَةٍ أَوْ تَزْكِيَةٍ لِشَاهِدٍ بِقَتْلٍ ( قَوْلُهُ وَلَوْ مَاتَ الْقَاتِلُ قَبْلَ الْمَقْتُولِ ) بِأَنْ جَرَحَهُ جُرْحًا صَارَ بِهِ ذَا فِرَاشٍ فَمَاتَ الْجَارِحُ قَبْلَهُ ( قَوْلُهُ إسْلَامًا وَكُفْرًا ) قَيَّدَ بِهِ لِأَنَّ الْكُفَّارَ يَتَوَارَثُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ مِلَلُهُمْ عِنْدَنَا ، لِأَنَّ الْكُفْرَ كُلَّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ ( قَوْلُهُ وَأَمَّا الْمُرْتَدُّ فَيُورَثُ عِنْدَنَا ) أَيْ مِنْ كَسْبِ إسْلَامِهِ وَكَسْبِ رِدَّتِهِ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ ، وَقَالَا لِلْوَارِثِ الْمُسْلِمِ كَكَسْبِ الْمُرْتَدَّةِ ( قَوْلُهُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ) فَقَالَ كَسْبَاهُ لِبَيْتِ الْمَالِ ( قَوْلُهُ فَأَسْلَمَتْ ) أَيْ بَعْدَ مَوْتِهِ ، فَلَوْ قَبْلَهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْحَمْلَ لَا يَرِثُ قَوْلًا وَاحِدًا لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْهَا فَهُوَ مُسْلِمٌ عِنْدَ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ وَعِنْدَ الْوِلَادَةِ تَبَعًا لَهَا : وَهِيَ وَاقِعَةُ الْفَتْوَى ( قَوْلُهُ وَلَمْ أَرَهُ لِأَئِمَّتِنَا صَرِيحًا ) أَقُولُ : قَيَّدَ بِقَوْلِهِ صَرِيحًا لِأَنَّ كَلَامَهُمْ يَدُلُّ عَلَيْهِ دَلَالَةً ظَاهِرَةً فَمِنْهُ قَوْلُهُمْ إرْثُ الْحَمْلِ فَأَضَافُوا الْإِرْثَ إلَيْهِ وَهُوَ حَمْلٌ ، وَأَمَّا اشْتِرَاطُهُمْ خُرُوجَهُ حَيًّا ، فَلِتَحَقُّقِ وُجُودِهِ عِنْدَ مَوْتِ مُوَرِّثِهِ ، وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ لَنَا : جَمَادٌ يَمْلِكُ وَهُوَ النُّطْفَةُ .
وَفِي حَاشِيَةِ الْحَمَوِيِّ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ : مَتَى انْفَصَلَ الْحَمْلُ مَيِّتًا إنَّمَا لَا يَرِثُ إذَا انْفَصَلَ بِنَفْسِهِ ، وَأَمَّا إذَا فُصِلَ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْوَرَثَةِ ، بَيَانُهُ إذَا ضَرَبَ إنْسَانٌ بَطْنَهَا فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا وَرِثَ ، لِأَنَّ الشَّارِعَ أَوْجَبَ عَلَى الضَّارِبِ الْغُرَّةَ وُجُوبَ الضَّمَانِ بِالْجِنَايَةِ عَلَى الْحَيِّ دُونَ الْمَيِّتِ فَإِذَا حَكَمْنَا بِالْجِنَايَةِ كَانَ لَهُ الْمِيرَاثُ وَيُورَثُ عَنْهُ نَصِيبُهُ ، كَمَا يُورَثُ عَنْهُ بَدَلُ نَفْسِهِ وَهُوَ الْغُرَّةُ ا هـ . أَقُولُ : فَقَدْ جَعَلُوهُ وَارِثًا وَمَوْرُوثًا ، وَهُوَ جَنِينٌ قَبْلَ انْفِصَالِهِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ حِينَ مَوْتِ مُوَرِّثِهِ لَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا فَلَمْ يُوجَدْ الْمَانِعُ حِينَ اسْتِحْقَاقِهِ الْإِرْثَ ، وَإِنَّمَا وُجِدَ بَعْدَهُ فَكَانَ كَمَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ مَوْتِ مُوَرِّثِهِ الْكَافِرِ ، فَلَمْ يَكُنْ فِي الْحَقِيقَةِ إرْثٌ مُسْلِمٍ مِنْ كَافِرٍ بَلْ هُوَ إرْثُ كَافِرٍ مِنْ كَافِرٍ . نَعَمْ يُتَصَوَّرُ عِنْدَنَا إرْثُ الْمُسْلِمِ مِنْ الْكَافِرِ فِي مَسْأَلَةِ الْمُرْتَدِّ ( قَوْلُهُ وَالرَّابِعُ اخْتِلَافُ الدَّارَيْنِ ) اخْتِلَافُهُمَا بِاخْتِلَافِ الْمَنَعَةِ : أَيْ الْعَسْكَرِيِّ ، وَاخْتِلَافُ الْمِلْكِ كَأَنْ يَكُونَ 768 أَحَدُ الْمِلْكَيْنِ فِي الْهِنْدِ وَلَهُ دَارٌ وَمَنَعَةٌ وَالْآخَرُ فِي التُّرْكِ ، وَلَهُ دَارٌ وَمَنَعَةٌ أُخْرَى ، وَانْقَطَعَتْ لِلْعِصْمَةِ فِيمَا بَيْنَهُمْ ، حَتَّى يَسْتَحِلَّ كُلٌّ مِنْهُمْ قِتَالَ الْآخِرِ فِهَتَانِ الدَّارَانِ مُخْتَلِفَتَانِ ، فَتَنْقَطِعُ بِاخْتِلَافِهِمَا الْوِرَاثَةُ لِأَنَّهَا تُبْتَنَى عَلَى الْعِصْمَةِ وَالْوِلَايَةِ ، وَأَمَّا إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا تَنَاصُرٌ وَتَعَاوُنٌ عَلَى أَعْدَائِهِمَا كَانَتْ الدَّارُ وَاحِدَةً وَالْوِرَاثَةُ ثَابِتَةً .
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الِاخْتِلَافَ إمَّا حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا كَالْحَرْبِيِّ وَالذِّمِّيِّ وَكَالْحَرْبِيِّينَ فِي دَارَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ بِالْمَعْنَى السَّابِقِ ، وَإِمَّا حُكْمًا فَقَطْ كَالْمُسْتَأْمَنِ وَاَلَّذِي فِي دَارِنَا فَإِنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً حَقِيقَةً إلَّا أَنَّهَا مُخْتَلِفَةً حُكْمًا لِأَنَّ الْمُسْتَأْمَنَ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ حُكْمًا ، لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الرُّجُوعِ إلَيْهَا ، وَأَمَّا حَقِيقَةً فَقَطْ كَمُسْتَأْمَنٍ فِي دَارِنَا وَحَرْبِيٍّ فِي دَارِهِمْ ، فَإِنَّ الدَّارَ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ حَقِيقَةً لَكِنْ الْمُسْتَأْمَنُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ حُكْمًا كَمَا عَلِمْت ، فَهُمَا مُتَّحِدَانِ حُكْمًا وَفِي هَذَا الْأَخِيرِ يَدْفَعُ مَالَ الْمُسْتَأْمَنِ لِوَارِثِهِ الْحَرْبِيِّ لِبَقَاءِ حُكْمِ الْأَمَانِ فِي مَالِهِ لِحَقِّهِ ، وَإِيصَالُ مَالِهِ لِوَرَثَتِهِ مِنْ حَقِّهِ كَمَا فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ فَيَمْنَعُ ذَلِكَ صَرْفَهُ لِبَيْتِ الْمَالِ ، خِلَافًا لِمَا فِي شَرْحِ السِّرَاجِيَّةِ لِمُصَنِّفِهَا كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي الدُّرِّ الْمُنْتَقَى ، وَسَكْبِ الْأَنْهُرِ . أَقُولُ : وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ الْمَانِعَ هُوَ الِاخْتِلَافُ حُكْمًا سَوَاءٌ كَانَ حَقِيقَةً أَيْضًا أَوْ لَا دُونَ الِاخْتِلَافِ حَقِيقَةً فَقَطْ ، وَهَذَا مَا قَالَ الزَّيْلَعِيُّ الْمُؤَثِّرُ هُوَ الِاخْتِلَافُ حُكْمًا حَتَّى لَا تُعْتَبَرَ الْحَقِيقَةُ بِدُونِهِ ا هـ ( قَوْلُهُ حَقِيقَةً ) يَعْنِي وَحُكْمًا لِمَا عَلِمْت ( قَوْلُهُ كَحَرْبِيٍّ وَذِمِّيٍّ ) أَيْ إذَا مَاتَ الْحَرْبِيُّ فِي دَارِ الْحَرْبِ ، وَلَهُ وَارِثٌ ذِمِّيٌّ فِي دَارِنَا أَوْ مَاتَ الذِّمِّيُّ فِي دَارِنَا وَلَهُ وَارِثٌ فِي دَارِهِمْ لَمْ يَرِثْ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخِرِ لِتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا وَإِنْ اتَّحِدَا مِلَّةً ( قَوْلُهُ أَوْ حُكْمًا ) أَيْ فَقَطْ ( قَوْلُهُ وَكَحَرْبِيِّينَ إلَخْ ) كَذَا فِي السِّرَاجِيَّةِ ، وَفِيهِ أَنَّهُ مِنْ اخْتِلَافِ الدَّارِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا كَمَا قَدَّمْنَاهُ ، إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُمَا مِنْ دَارَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ حَقِيقَةً ، لَكِنَّهُمَا مُسْتَأْمَنَانِ فِي دَارِنَا فَهُمَا فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ حَقِيقَةً ، وَفِي دَارَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ حُكْمًا وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ قَالَ مِنْ دَارَيْنِ لَا فِي دَارَيْنِ ، وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ الْمُسْتَأْمَنِينَ بَدَلَ الْحَرْبِيَّيْنِ وَكَأَنَّهُ تَرَكَ هَذَا الْأَوْلَى إشَارَةً إلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ جَعْلُهُ مِثَالًا لِلِاخْتِلَافَيْنِ أَفَادَهُ السَّيِّدُ وَتَمَامُهُ فِيهِ .
( قَوْلُهُ بِخِلَافِ الْمُسْلِمِينَ ) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ فِيمَا بَيْنَ الْكُفَّارِ : أَيْ اخْتِلَافُ الدَّارِ لَا يُؤَثِّرُ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ كَمَا فِي عَامَّةِ الشُّرُوحِ حَتَّى إنَّ الْمُسْلِمَ التَّاجِرَ أَوْ الْأَسِيرَ لَوْ مَاتَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَرِثَ مِنْهُ وَرَثَتُهُ الَّذِينَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، كَمَا فِي سَكْبِ الْأَنْهُرِ . قَالَ فِي شَرْحِ السِّرَاجِيَّةِ لِابْنِ الْحَنْبَلِيِّ : وَأَمَّا قَوْلُ الْعَتَّابِيِّ أَنَّ مَنْ أَسْلَمَ وَلَمْ يُهَاجِرْ إلَيْنَا لَا يَرِثُ مِنْ الْمُسْلِمِ الْأَصْلِيِّ فِي دَارِنَا وَلَا الْمُسْلِمُ الْأَصْلِيُّ مِمَّنْ أَسْلَمَ ، وَلَمْ يُهَاجِرْ إلَيْنَا سَوَاءٌ كَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ مُسْتَأْمَنًا أَوْ لَمْ يَكُنْ فَمَدْفُوعٌ بِقَوْلِ بَعْضِ عُلَمَائِنَا يُخَايَلُ لِي أَنَّ هَذَا كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ ، حِينَ كَانَتْ الْهِجْرَةُ فَرِيضَةً أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَفَى الْوِلَايَةَ بَيْنَ مَنْ هَاجَرَ ، وَمَنْ لَمْ يُهَاجِرْ فَقَالَ - { وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا } - فَلَمَّا كَانَتْ الْوَلَايَةُ بَيْنَهُمَا مُنْتَفِيَةً كَانَ الْمِيرَاثُ مُنْتَفِيًا ، لِأَنَّ الْمِيرَاثَ عَلَى الْوِلَايَةِ فَأَمَّا الْيَوْمَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَرِثَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ ، لِأَنَّ حُكْمَ الْهِجْرَةِ قَدْ نُسِخَ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ } ا هـ .
( قَوْلُهُ كَمَا سَيَجِيءُ ) أَيْ فِي فَصْلِ الْحَرْقَى وَالْغَرْقَى ( قَوْلُهُ فِي خَمْسِ مَسَائِلَ أَوْ أَكْثَرَ ) زَادَ قَوْلَهُ أَوْ أَكْثَرَ تَبَعًا لِلْمُجْتَبَى إشَارَةً إلَى أَنَّ عَدَّهَا 769 خَمْسًا لَمْ يَرِدْ بِهِ الْحَصْرُ لِإِمْكَانِ زِيَادَةِ غَيْرِهَا تَأَمَّلْ .
وَقَدْ ذَكَرَ الشَّارِحُ مِنْهَا ثِنْتَيْنِ وَالثَّالِثَةُ : رَجُلٌ وَضَعَ وَلَدَهُ فِي فِنَاءِ الْمَسْجِدِ لَيْلًا ثُمَّ نَدِمَ صَبَاحًا فَرَجَعَ لِرَفْعِهِ فَإِذَا فِيهِ وَلَدَانِ وَلَا يَعْرِفُ وَلَدَهُ مِنْ غَيْرِهِ ، وَمَاتَ قَبْلَ الظُّهُورِ لَا يَرِثُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا ، وَيُوضَعُ مَالُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَنَفَقَتُهُمَا عَلَى بَيْتِ الْمَالِ ، وَلَا يَرِثُ أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ . وَالرَّابِعَةُ : حُرَّةٌ وَأَمَةٌ وَلَدَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ وَلَدًا فِي بَيْتٍ مُظْلِمٍ وَلَا يُعْلَمُ وَلَدُ الْحُرَّةِ مِنْ غَيْرِهِ لَا يَرِثُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا ، وَيَسْعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِمَوْلَى الْأَمَةِ ، وَالْخَامِسَةُ : رَجُلٌ لَهُ ابْنٌ مِنْ حُرَّةٍ وَابْنٌ مِنْ أَمَةٍ لِإِنْسَانٍ أَرْضَعَتْهُمَا ظِئْرٌ وَاحِدَةٌ ، حَتَّى كَبِرَا وَلَا يُعْرَفُ وَلَدُ الْحُرَّةِ مِنْ غَيْرِهِ فَهُمَا حُرَّانِ وَيَسْعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي نِصْفِ قِيمَتِهِ لِمَوْلَى الْأَمَةِ وَلَا يَرِثَانِ مِنْهُ ( قَوْلُهُ فَلَا تَوَارُثَ ) أَيْ لَا يَرِثُهَا وَاحِدٌ مِنْهُمَا ( قَوْلُهُ مِنْ وَلَدِ ) الْأَوْلَى بِوَلَدِ ( قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَصْطَلِحَا ) أَيْ الْوَلَدَانِ فَإِنَّ الْمِيرَاثَ لَا يَعْدُوهُمَا ، فَمَنْ أَخَذَ حِصَّةً وَهُوَ الْوَارِثُ حَقِيقَةً فَذَلِكَ مِنْ حَظِّهِ ، وَيُعَدُّ مَا أَخَذَهُ الْآخَرُ هِبَةً مِنْ الْمُسْتَحِقِّ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ رَاجِعٌ إلَى الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ أَيْضًا ا هـ ط . أَقُولُ : بَلْ إلَى كُلِّ الْمَسَائِلِ الْمَارَّةِ وَإِنَّ مَا مَرَّ مِنْ وَضْعِهِ فِي بَيْتِ الْمَالِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَصْطَلِحَا تَأَمَّلْ .
[ تَتِمَّةٌ ] جُمْلَةُ الْمَوَانِعِ حِينَئِذٍ سِتَّةٌ وَقَدْ زَادَ بَعْضُهُمْ مِنْ الْمَوَانِعِ النُّبُوَّةَ لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ { نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ } وَفِي الْأَشْبَاهِ عَنْ التَّتِمَّةِ كُلُّ إنْسَانٍ يَرِثُ وَيُورَثُ إلَّا الْأَنْبِيَاءَ لَا يَرِثُونَ ، وَلَا يُورَثُونَ وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَرِثَ خَدِيجَةَ لَمْ يَصِحَّ وَإِنَّمَا وَهَبَتْ مَالَهَا لَهُ فِي صِحَّتِهَا ا هـ . قُلْت : لَكِنْ كَلَامُ ابْنِ الْكَمَالِ وَسَكْبِ الْأَنْهُرِ يُشْعِرُ بِأَنَّهُمْ يَرِثُونَ وَتَمَامُهُ فِي الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ وَزَادَ بَعْضُهُمْ الرِّدَّةَ فَالْمُرْتَدُّ لَا يَرِثُ أَحَدًا إجْمَاعًا ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ الدِّينِ لِأَنَّهُ لَا مِلَّةَ لَهُ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَحَلِّهِ فَالْمَوَانِعُ حِينَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ تَاسِعًا وَهُوَ اللِّعَانُ قَالَ فِي الدُّرِّ الْمُنْتَقَى . وَفِي الْحَقِيقَةِ الْمَوَانِعُ خَمْسَةٌ أَرْبَعَةُ الْمَتْنِ وَالرِّدَّةُ كَمَا عُلِمَ ذَلِكَ بِالِاسْتِقْرَاءِ الشَّرْعِيِّ ، وَمَا زَادَ عَلَيْهَا فَتَسْمِيَتُهُ مَانِعًا مَجَازٌ لِأَنَّ انْتِفَاءَ الْإِرْثِ مَعَهُ لَيْسَ بِوُجُودٍ مَانِعٍ بَلْ لِانْتِفَاءِ الشَّرْطِ أَوْ السَّبَبِ ا هـ " بَيَانُهُ أَنَّ شَرْطَ الْإِرْثِ وُجُودُ الْوَارِثِ حَيًّا عِنْدَ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ ، وَذَلِكَ مُنْتَفٍ فِي جَهَالَةِ تَارِيخِ الْمَوْتَى لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِوُجُودِ الشَّرْطِ وَلَا تَوَارُثَ مَعَ الشَّكِّ ، وَكَذَا فِي جَهَالَةِ الْوَارِثِ فَإِنَّهَا كَمَوْتِهِ حُكْمًا كَمَا فِي الْمَفْقُودِ ، وَأَمَّا وَلَدُ اللِّعَانِ فَإِنَّهُ لَا يَرِثُ مِنْ أَبِيهِ وَبِالْعَكْسِ لِقَطْعِ نَسَبِهِ ، فَعَدَمُ الْإِرْثِ فِي الْحَقِيقَةِ لِعَدَمِ السَّبَبِ ، وَهُوَ نِسْبَتُهُ إلَى أَبِيهِ وَأَمَّا النُّبُوَّةُ فَفِي كَوْنِهَا مِنْ انْتِفَاءِ الشَّرْطِ أَوْ السَّبَبِ كَلَامٌ يُعْلَمُ مِنْ شَرْحِنَا الرَّحِيقِ الْمَحْتُومِ ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي عَدَمِ كَوْنِهَا مِنْ الْمَوَانِعِ هِيَ كَوْنُ النُّبُوَّةِ مَعْنًى قَائِمًا فِي الْمُوَرِّثِ وَالْمَانِعُ هُوَ مَا يَمْنَعُ الْإِرْثَ لِمَعْنًى قَائِمٍ فِي الْوَارِثِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فِي تَعْرِيفِهِ .
[ تَكْمِيلٌ ] عَدَّ الشَّافِعِيَّةُ مِنْ الْمَوَانِعِ الدَّوْرَ الْحُكْمِيَّ وَهُوَ أَنْ يَلْزَمَ مِنْ التَّوْرِيثِ عَدَمُهُ كَمَا لَوْ مَاتَ عَنْ أَخٍ فَأَقَرَّ الْأَخُ بِابْنٍ لِلْمَيِّتِ ، فَيَثْبُتُ نَسَبُهُ وَلَا يَرِثُ عِنْدَهُمْ ، لِأَنَّهُ لَوْ وَرِثَ لَحَجَبَ الْأَخَ فَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ ، فَلَا يَثْبُتُ نَسَبُ الِابْنِ فَلَا يَرِثُ لِأَنَّ إثْبَاتَ إرْثِهِ يُؤَدِّي إلَى نَفْيِهِ فَيَنْتَفِي مِنْ أَصْلِهِ ، وَهَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ عُلَمَاؤُنَا لِصِحَّةِ إقْرَارِ الْمُقِرِّ فِي حَقِّ نَفْسِهِ فَقَطْ فَيَرِثُ الِابْنُ دُونَهُ كَمَا حَقَّقْته فِي الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ مُؤَيَّدًا بِالنَّقْلِ وَمَرَّ تَمَامُهُ فِي بَابِ إقْرَارِ الْمَرِيضِ ( قَوْلُهُ لِأَنَّهَا أَصْلُ الْوِلَادِ ) بِكَسْرِ الْوَاوِ مَصْدَرُ وَلَدَ أَيْ أَصْلُ وِلَادَةِ الْأَصْلِ وَالْفُرُوعُ فَالْكُلُّ أَوْلَادُهَا غَالِبًا ، لِأَنَّهُ قَدْ تَكُونُ الْوِلَادَةُ 770 بِالتَّسَرِّي ثُمَّ هِيَ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ ، وَإِنْ كَانَتْ أُمًّا لَكِنْ صِفَةُ الزَّوْجِيَّةِ سَابِقَةٌ عَلَى صِفَةِ الْأُمُومَةِ فَلِذَا لَمْ تُقَدَّمْ الْأُمُّ تَأَمَّلْ
( قَوْلُهُ يُورَثُ فِيهَا الرَّقِيقُ ) أَيْ بِطَرِيقِ الِاسْتِنَادِ إلَى أَوَّلِ الْإِصَابَةِ ط ( قَوْلُهُ جُنِيَ عَلَيْهِ ) أَيْ بِجِرَاحَةٍ مَثَلًا ( قَوْلُهُ بِسِرَايَةِ تِلْكَ الْجِنَايَةِ ) أَيْ الَّتِي أَصَابَتْهُ قَبْلَ الرِّقِّ ط ( قَوْلُهُ فَدِيَتُهُ لِوَرَثَتِهِ إلَخْ ) أَيْ نَظَرًا إلَى وَقْتِ الْإِصَابَةِ ، فَإِنَّهُ لَوْ مَاتَ بِهَا قَبْلَ الِاسْتِرْقَاقِ كَانَ إرْثُهُ لَهُمْ فَكَذَا بَعْدَهُ لِانْعِقَادِ السَّبَبِ قَبْلَهُ ط ( قَوْلُهُ وَلَمْ أَرَهُ لِأَئِمَّتِنَا ) هُمْ قَدْ اعْتَبَرُوا وَقْتَ الْإِصَابَةِ فِي مَسَائِلَ ، فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْهَا ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ مَوْتَهُ صَدَرَ وَهُوَ فِي مِلْكِ السَّيِّدِ فَالدِّيَةُ لَهُ ط . أَقُولُ : يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْجَانِي شَيْءٌ عِنْدَنَا لِمَا تَقَدَّمَ فِي فَصْلِ الْمُسْتَأْمَنِ أَنَّهُ إذَا رَجَعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ ، وَقَدْ تَرَكَ وَدِيعَةً أَوْ دَيْنًا فَأُسِرَ أَوْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ فَأُخِذَ أَوْ قُتِلَ سَقَطَ دَيْنُهُ ، وَمَا غُصِبَ مِنْهُ وَصَارَ مَالُهُ كَوَدِيعَتِهِ وَمَا عِنْدَ شَرِيكِهِ ، أَوْ فِي بَيْتِهِ فِي دَارِنَا فَيْئًا ، وَإِنْ قُتِلَ أَوْ مَاتَ بِلَا غَلَبَةٍ عَلَيْهِمْ فَدَيْنُهُ وَقَرْضُهُ وَوَدِيعَتُهُ لِوَرَثَتِهِ لِأَنَّ نَفْسَهُ لَمْ تَصِرْ مَغْنُومَةً ا هـ .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الدِّيَةَ دَيْنٌ عَلَى الْجَانِي فَتَسْقُطُ بِرُجُوعِهِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ ، وَاسْتِرْقَاقُهُ فَلَا تَكُونُ لِوَرَثَتِهِ وَلَا لِسَيِّدِهِ أَيْضًا ، لِأَنَّ الْجِنَايَةَ حَدَثَتْ عَلَى مِلْكِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لَا عَلَى مِلْكِ السَّيِّدِ لِأَنَّهُ إنَّمَا اسْتَرَقَّهُ مَجْنِيًّا عَلَيْهِ ، 767 فَلَيْسَ لَهُ مُطَالَبَةُ الْجَانِي بِشَيْءٍ فَتَدَبَّرْهُ ( قَوْلُهُ الْمُوجِبُ لِلْقَوَدِ أَوْ الْكَفَّارَةِ ) الْأَوَّلُ هُوَ الْعَمْدُ وَهُوَ أَنْ يَقْصِدَ ضَرْبَهُ بِمُحَدَّدٍ أَوْ مَا يَجْرِي مَجْرَاهُ فِي تَفْرِيقِ الْأَجْزَاءِ ، وَالثَّانِي ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ شِبْهُ عَمْدٍ ، وَهُوَ أَنْ يَتَعَمَّدَ قَتْلَهُ بِمَا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا كَالسَّوْطِ وَخَطَأً كَأَنْ رَمَى صَيْدًا فَأَصَابَ إنْسَانًا وَمَا جَرَى مَجْرَاهُ كَانْقِلَابِ نَائِمٍ عَلَى شَخْصٍ أَوْ سُقُوطِهِ عَلَيْهِ مِنْ سَطْحٍ ، فَخَرَجَ الْقَتْلُ بِسَبَبٍ فَإِنَّهُ لَا يُوجِبُهُمَا كَمَا لَوْ أَخْرَجَ رَوْشَنًا أَوْ حَفَرَ بِئْرًا أَوْ وَضَعَ حَجَرًا فِي الطَّرِيقِ ، فَقَتَلَ مُوَرِّثَهُ أَوْ أَقَادَ دَابَّةً أَوْ سَاقَهَا فَوَطِئَتْهُ ، أَوْ قَتَلَهُ قِصَاصًا أَوْ رَجْمًا أَوْ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ أَوْ وَجَدَ مُوَرِّثَهُ قَتِيلًا فِي دَارِهِ أَوْ قَتَلَ الْعَادِلُ الْبَاغِيَ ، وَكَذَا عَكْسُهُ إنْ قَالَ قَتَلْته وَأَنَا عَلَى حَقٍّ ، وَأَنَا الْآنَ عَلَى الْحَقِّ ، وَخَرَجَ الْقَتْلُ مُبَاشَرَةً مِنْ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لِعَدَمِ وُجُوبِ الْقِصَاصِ ، وَالْكَفَّارَةِ وَتَمَامُهُ فِي سَكْبِ الْأَنْهُرِ وَغَيْرِهِ وَفِي الْحَاوِي الزَّاهِدِيِّ رَمْزًا إذَا قَتَلَ الزَّوْجُ امْرَأَتَهُ أَوْ ذَاتَ رَحِمٍ مِنْ مَحَارِمِهِ الْمُؤَنَّثِ لِأَجْلِ الزِّنَا يَرِثُ مِنْهَا عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ا هـ يَعْنِي مَعَ تَحَقُّقِ الزِّنَا أَمَّا بِمُجَرَّدِ التُّهْمَةِ ، فَلَا كَمَا يَقَعُ مِنْ فَلَّاحِي الْقُرَى بِبِلَادِنَا فَادْرِ ذَلِكَ رَمْلِيٌّ وَالتَّقْيِيدُ بِالْمُوجِبِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ إذْ الْحُكْمُ فِيمَا اُسْتُحِبَّ فِيهِ الْكَفَّارَةُ كَذَلِكَ كَمَنْ ضَرَبَ امْرَأَةً فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا فَفِيهِ الْغُرَّةُ وَتُسْتَحَبُّ الْكَفَّارَةُ مَعَ أَنَّهُ يُحْرَمُ الْإِرْثَ مِنْهُ .
( قَوْلُهُ عَلَى مَا مَرَّ ) أَيْ فِي كِتَابِ الْجِنَايَاتِ ( قَوْلُهُ مُطْلَقًا ) أَيْ بِحَقٍّ أَوْ لَا مُبَاشَرَةٍ أَوْ لَا ، وَلَوْ بِشَهَادَةٍ أَوْ تَزْكِيَةٍ لِشَاهِدٍ بِقَتْلٍ ( قَوْلُهُ وَلَوْ مَاتَ الْقَاتِلُ قَبْلَ الْمَقْتُولِ ) بِأَنْ جَرَحَهُ جُرْحًا صَارَ بِهِ ذَا فِرَاشٍ فَمَاتَ الْجَارِحُ قَبْلَهُ ( قَوْلُهُ إسْلَامًا وَكُفْرًا ) قَيَّدَ بِهِ لِأَنَّ الْكُفَّارَ يَتَوَارَثُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ مِلَلُهُمْ عِنْدَنَا ، لِأَنَّ الْكُفْرَ كُلَّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ ( قَوْلُهُ وَأَمَّا الْمُرْتَدُّ فَيُورَثُ عِنْدَنَا ) أَيْ مِنْ كَسْبِ إسْلَامِهِ وَكَسْبِ رِدَّتِهِ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ ، وَقَالَا لِلْوَارِثِ الْمُسْلِمِ كَكَسْبِ الْمُرْتَدَّةِ ( قَوْلُهُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ) فَقَالَ كَسْبَاهُ لِبَيْتِ الْمَالِ ( قَوْلُهُ فَأَسْلَمَتْ ) أَيْ بَعْدَ مَوْتِهِ ، فَلَوْ قَبْلَهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْحَمْلَ لَا يَرِثُ قَوْلًا وَاحِدًا لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْهَا فَهُوَ مُسْلِمٌ عِنْدَ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ وَعِنْدَ الْوِلَادَةِ تَبَعًا لَهَا : وَهِيَ وَاقِعَةُ الْفَتْوَى ( قَوْلُهُ وَلَمْ أَرَهُ لِأَئِمَّتِنَا صَرِيحًا ) أَقُولُ : قَيَّدَ بِقَوْلِهِ صَرِيحًا لِأَنَّ كَلَامَهُمْ يَدُلُّ عَلَيْهِ دَلَالَةً ظَاهِرَةً فَمِنْهُ قَوْلُهُمْ إرْثُ الْحَمْلِ فَأَضَافُوا الْإِرْثَ إلَيْهِ وَهُوَ حَمْلٌ ، وَأَمَّا اشْتِرَاطُهُمْ خُرُوجَهُ حَيًّا ، فَلِتَحَقُّقِ وُجُودِهِ عِنْدَ مَوْتِ مُوَرِّثِهِ ، وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ لَنَا : جَمَادٌ يَمْلِكُ وَهُوَ النُّطْفَةُ .
وَفِي حَاشِيَةِ الْحَمَوِيِّ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ : مَتَى انْفَصَلَ الْحَمْلُ مَيِّتًا إنَّمَا لَا يَرِثُ إذَا انْفَصَلَ بِنَفْسِهِ ، وَأَمَّا إذَا فُصِلَ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْوَرَثَةِ ، بَيَانُهُ إذَا ضَرَبَ إنْسَانٌ بَطْنَهَا فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا وَرِثَ ، لِأَنَّ الشَّارِعَ أَوْجَبَ عَلَى الضَّارِبِ الْغُرَّةَ وُجُوبَ الضَّمَانِ بِالْجِنَايَةِ عَلَى الْحَيِّ دُونَ الْمَيِّتِ فَإِذَا حَكَمْنَا بِالْجِنَايَةِ كَانَ لَهُ الْمِيرَاثُ وَيُورَثُ عَنْهُ نَصِيبُهُ ، كَمَا يُورَثُ عَنْهُ بَدَلُ نَفْسِهِ وَهُوَ الْغُرَّةُ ا هـ . أَقُولُ : فَقَدْ جَعَلُوهُ وَارِثًا وَمَوْرُوثًا ، وَهُوَ جَنِينٌ قَبْلَ انْفِصَالِهِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ حِينَ مَوْتِ مُوَرِّثِهِ لَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا فَلَمْ يُوجَدْ الْمَانِعُ حِينَ اسْتِحْقَاقِهِ الْإِرْثَ ، وَإِنَّمَا وُجِدَ بَعْدَهُ فَكَانَ كَمَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ مَوْتِ مُوَرِّثِهِ الْكَافِرِ ، فَلَمْ يَكُنْ فِي الْحَقِيقَةِ إرْثٌ مُسْلِمٍ مِنْ كَافِرٍ بَلْ هُوَ إرْثُ كَافِرٍ مِنْ كَافِرٍ . نَعَمْ يُتَصَوَّرُ عِنْدَنَا إرْثُ الْمُسْلِمِ مِنْ الْكَافِرِ فِي مَسْأَلَةِ الْمُرْتَدِّ ( قَوْلُهُ وَالرَّابِعُ اخْتِلَافُ الدَّارَيْنِ ) اخْتِلَافُهُمَا بِاخْتِلَافِ الْمَنَعَةِ : أَيْ الْعَسْكَرِيِّ ، وَاخْتِلَافُ الْمِلْكِ كَأَنْ يَكُونَ 768 أَحَدُ الْمِلْكَيْنِ فِي الْهِنْدِ وَلَهُ دَارٌ وَمَنَعَةٌ وَالْآخَرُ فِي التُّرْكِ ، وَلَهُ دَارٌ وَمَنَعَةٌ أُخْرَى ، وَانْقَطَعَتْ لِلْعِصْمَةِ فِيمَا بَيْنَهُمْ ، حَتَّى يَسْتَحِلَّ كُلٌّ مِنْهُمْ قِتَالَ الْآخِرِ فِهَتَانِ الدَّارَانِ مُخْتَلِفَتَانِ ، فَتَنْقَطِعُ بِاخْتِلَافِهِمَا الْوِرَاثَةُ لِأَنَّهَا تُبْتَنَى عَلَى الْعِصْمَةِ وَالْوِلَايَةِ ، وَأَمَّا إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا تَنَاصُرٌ وَتَعَاوُنٌ عَلَى أَعْدَائِهِمَا كَانَتْ الدَّارُ وَاحِدَةً وَالْوِرَاثَةُ ثَابِتَةً .
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الِاخْتِلَافَ إمَّا حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا كَالْحَرْبِيِّ وَالذِّمِّيِّ وَكَالْحَرْبِيِّينَ فِي دَارَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ بِالْمَعْنَى السَّابِقِ ، وَإِمَّا حُكْمًا فَقَطْ كَالْمُسْتَأْمَنِ وَاَلَّذِي فِي دَارِنَا فَإِنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً حَقِيقَةً إلَّا أَنَّهَا مُخْتَلِفَةً حُكْمًا لِأَنَّ الْمُسْتَأْمَنَ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ حُكْمًا ، لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الرُّجُوعِ إلَيْهَا ، وَأَمَّا حَقِيقَةً فَقَطْ كَمُسْتَأْمَنٍ فِي دَارِنَا وَحَرْبِيٍّ فِي دَارِهِمْ ، فَإِنَّ الدَّارَ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ حَقِيقَةً لَكِنْ الْمُسْتَأْمَنُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ حُكْمًا كَمَا عَلِمْت ، فَهُمَا مُتَّحِدَانِ حُكْمًا وَفِي هَذَا الْأَخِيرِ يَدْفَعُ مَالَ الْمُسْتَأْمَنِ لِوَارِثِهِ الْحَرْبِيِّ لِبَقَاءِ حُكْمِ الْأَمَانِ فِي مَالِهِ لِحَقِّهِ ، وَإِيصَالُ مَالِهِ لِوَرَثَتِهِ مِنْ حَقِّهِ كَمَا فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ فَيَمْنَعُ ذَلِكَ صَرْفَهُ لِبَيْتِ الْمَالِ ، خِلَافًا لِمَا فِي شَرْحِ السِّرَاجِيَّةِ لِمُصَنِّفِهَا كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي الدُّرِّ الْمُنْتَقَى ، وَسَكْبِ الْأَنْهُرِ . أَقُولُ : وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ الْمَانِعَ هُوَ الِاخْتِلَافُ حُكْمًا سَوَاءٌ كَانَ حَقِيقَةً أَيْضًا أَوْ لَا دُونَ الِاخْتِلَافِ حَقِيقَةً فَقَطْ ، وَهَذَا مَا قَالَ الزَّيْلَعِيُّ الْمُؤَثِّرُ هُوَ الِاخْتِلَافُ حُكْمًا حَتَّى لَا تُعْتَبَرَ الْحَقِيقَةُ بِدُونِهِ ا هـ ( قَوْلُهُ حَقِيقَةً ) يَعْنِي وَحُكْمًا لِمَا عَلِمْت ( قَوْلُهُ كَحَرْبِيٍّ وَذِمِّيٍّ ) أَيْ إذَا مَاتَ الْحَرْبِيُّ فِي دَارِ الْحَرْبِ ، وَلَهُ وَارِثٌ ذِمِّيٌّ فِي دَارِنَا أَوْ مَاتَ الذِّمِّيُّ فِي دَارِنَا وَلَهُ وَارِثٌ فِي دَارِهِمْ لَمْ يَرِثْ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخِرِ لِتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا وَإِنْ اتَّحِدَا مِلَّةً ( قَوْلُهُ أَوْ حُكْمًا ) أَيْ فَقَطْ ( قَوْلُهُ وَكَحَرْبِيِّينَ إلَخْ ) كَذَا فِي السِّرَاجِيَّةِ ، وَفِيهِ أَنَّهُ مِنْ اخْتِلَافِ الدَّارِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا كَمَا قَدَّمْنَاهُ ، إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُمَا مِنْ دَارَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ حَقِيقَةً ، لَكِنَّهُمَا مُسْتَأْمَنَانِ فِي دَارِنَا فَهُمَا فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ حَقِيقَةً ، وَفِي دَارَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ حُكْمًا وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ قَالَ مِنْ دَارَيْنِ لَا فِي دَارَيْنِ ، وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ الْمُسْتَأْمَنِينَ بَدَلَ الْحَرْبِيَّيْنِ وَكَأَنَّهُ تَرَكَ هَذَا الْأَوْلَى إشَارَةً إلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ جَعْلُهُ مِثَالًا لِلِاخْتِلَافَيْنِ أَفَادَهُ السَّيِّدُ وَتَمَامُهُ فِيهِ .
( قَوْلُهُ بِخِلَافِ الْمُسْلِمِينَ ) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ فِيمَا بَيْنَ الْكُفَّارِ : أَيْ اخْتِلَافُ الدَّارِ لَا يُؤَثِّرُ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ كَمَا فِي عَامَّةِ الشُّرُوحِ حَتَّى إنَّ الْمُسْلِمَ التَّاجِرَ أَوْ الْأَسِيرَ لَوْ مَاتَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَرِثَ مِنْهُ وَرَثَتُهُ الَّذِينَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، كَمَا فِي سَكْبِ الْأَنْهُرِ . قَالَ فِي شَرْحِ السِّرَاجِيَّةِ لِابْنِ الْحَنْبَلِيِّ : وَأَمَّا قَوْلُ الْعَتَّابِيِّ أَنَّ مَنْ أَسْلَمَ وَلَمْ يُهَاجِرْ إلَيْنَا لَا يَرِثُ مِنْ الْمُسْلِمِ الْأَصْلِيِّ فِي دَارِنَا وَلَا الْمُسْلِمُ الْأَصْلِيُّ مِمَّنْ أَسْلَمَ ، وَلَمْ يُهَاجِرْ إلَيْنَا سَوَاءٌ كَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ مُسْتَأْمَنًا أَوْ لَمْ يَكُنْ فَمَدْفُوعٌ بِقَوْلِ بَعْضِ عُلَمَائِنَا يُخَايَلُ لِي أَنَّ هَذَا كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ ، حِينَ كَانَتْ الْهِجْرَةُ فَرِيضَةً أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَفَى الْوِلَايَةَ بَيْنَ مَنْ هَاجَرَ ، وَمَنْ لَمْ يُهَاجِرْ فَقَالَ - { وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا } - فَلَمَّا كَانَتْ الْوَلَايَةُ بَيْنَهُمَا مُنْتَفِيَةً كَانَ الْمِيرَاثُ مُنْتَفِيًا ، لِأَنَّ الْمِيرَاثَ عَلَى الْوِلَايَةِ فَأَمَّا الْيَوْمَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَرِثَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ ، لِأَنَّ حُكْمَ الْهِجْرَةِ قَدْ نُسِخَ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ } ا هـ .
( قَوْلُهُ كَمَا سَيَجِيءُ ) أَيْ فِي فَصْلِ الْحَرْقَى وَالْغَرْقَى ( قَوْلُهُ فِي خَمْسِ مَسَائِلَ أَوْ أَكْثَرَ ) زَادَ قَوْلَهُ أَوْ أَكْثَرَ تَبَعًا لِلْمُجْتَبَى إشَارَةً إلَى أَنَّ عَدَّهَا 769 خَمْسًا لَمْ يَرِدْ بِهِ الْحَصْرُ لِإِمْكَانِ زِيَادَةِ غَيْرِهَا تَأَمَّلْ .
وَقَدْ ذَكَرَ الشَّارِحُ مِنْهَا ثِنْتَيْنِ وَالثَّالِثَةُ : رَجُلٌ وَضَعَ وَلَدَهُ فِي فِنَاءِ الْمَسْجِدِ لَيْلًا ثُمَّ نَدِمَ صَبَاحًا فَرَجَعَ لِرَفْعِهِ فَإِذَا فِيهِ وَلَدَانِ وَلَا يَعْرِفُ وَلَدَهُ مِنْ غَيْرِهِ ، وَمَاتَ قَبْلَ الظُّهُورِ لَا يَرِثُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا ، وَيُوضَعُ مَالُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَنَفَقَتُهُمَا عَلَى بَيْتِ الْمَالِ ، وَلَا يَرِثُ أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ . وَالرَّابِعَةُ : حُرَّةٌ وَأَمَةٌ وَلَدَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ وَلَدًا فِي بَيْتٍ مُظْلِمٍ وَلَا يُعْلَمُ وَلَدُ الْحُرَّةِ مِنْ غَيْرِهِ لَا يَرِثُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا ، وَيَسْعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِمَوْلَى الْأَمَةِ ، وَالْخَامِسَةُ : رَجُلٌ لَهُ ابْنٌ مِنْ حُرَّةٍ وَابْنٌ مِنْ أَمَةٍ لِإِنْسَانٍ أَرْضَعَتْهُمَا ظِئْرٌ وَاحِدَةٌ ، حَتَّى كَبِرَا وَلَا يُعْرَفُ وَلَدُ الْحُرَّةِ مِنْ غَيْرِهِ فَهُمَا حُرَّانِ وَيَسْعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي نِصْفِ قِيمَتِهِ لِمَوْلَى الْأَمَةِ وَلَا يَرِثَانِ مِنْهُ ( قَوْلُهُ فَلَا تَوَارُثَ ) أَيْ لَا يَرِثُهَا وَاحِدٌ مِنْهُمَا ( قَوْلُهُ مِنْ وَلَدِ ) الْأَوْلَى بِوَلَدِ ( قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَصْطَلِحَا ) أَيْ الْوَلَدَانِ فَإِنَّ الْمِيرَاثَ لَا يَعْدُوهُمَا ، فَمَنْ أَخَذَ حِصَّةً وَهُوَ الْوَارِثُ حَقِيقَةً فَذَلِكَ مِنْ حَظِّهِ ، وَيُعَدُّ مَا أَخَذَهُ الْآخَرُ هِبَةً مِنْ الْمُسْتَحِقِّ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ رَاجِعٌ إلَى الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ أَيْضًا ا هـ ط . أَقُولُ : بَلْ إلَى كُلِّ الْمَسَائِلِ الْمَارَّةِ وَإِنَّ مَا مَرَّ مِنْ وَضْعِهِ فِي بَيْتِ الْمَالِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَصْطَلِحَا تَأَمَّلْ .
[ تَتِمَّةٌ ] جُمْلَةُ الْمَوَانِعِ حِينَئِذٍ سِتَّةٌ وَقَدْ زَادَ بَعْضُهُمْ مِنْ الْمَوَانِعِ النُّبُوَّةَ لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ { نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ } وَفِي الْأَشْبَاهِ عَنْ التَّتِمَّةِ كُلُّ إنْسَانٍ يَرِثُ وَيُورَثُ إلَّا الْأَنْبِيَاءَ لَا يَرِثُونَ ، وَلَا يُورَثُونَ وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَرِثَ خَدِيجَةَ لَمْ يَصِحَّ وَإِنَّمَا وَهَبَتْ مَالَهَا لَهُ فِي صِحَّتِهَا ا هـ . قُلْت : لَكِنْ كَلَامُ ابْنِ الْكَمَالِ وَسَكْبِ الْأَنْهُرِ يُشْعِرُ بِأَنَّهُمْ يَرِثُونَ وَتَمَامُهُ فِي الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ وَزَادَ بَعْضُهُمْ الرِّدَّةَ فَالْمُرْتَدُّ لَا يَرِثُ أَحَدًا إجْمَاعًا ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ الدِّينِ لِأَنَّهُ لَا مِلَّةَ لَهُ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَحَلِّهِ فَالْمَوَانِعُ حِينَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ تَاسِعًا وَهُوَ اللِّعَانُ قَالَ فِي الدُّرِّ الْمُنْتَقَى . وَفِي الْحَقِيقَةِ الْمَوَانِعُ خَمْسَةٌ أَرْبَعَةُ الْمَتْنِ وَالرِّدَّةُ كَمَا عُلِمَ ذَلِكَ بِالِاسْتِقْرَاءِ الشَّرْعِيِّ ، وَمَا زَادَ عَلَيْهَا فَتَسْمِيَتُهُ مَانِعًا مَجَازٌ لِأَنَّ انْتِفَاءَ الْإِرْثِ مَعَهُ لَيْسَ بِوُجُودٍ مَانِعٍ بَلْ لِانْتِفَاءِ الشَّرْطِ أَوْ السَّبَبِ ا هـ " بَيَانُهُ أَنَّ شَرْطَ الْإِرْثِ وُجُودُ الْوَارِثِ حَيًّا عِنْدَ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ ، وَذَلِكَ مُنْتَفٍ فِي جَهَالَةِ تَارِيخِ الْمَوْتَى لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِوُجُودِ الشَّرْطِ وَلَا تَوَارُثَ مَعَ الشَّكِّ ، وَكَذَا فِي جَهَالَةِ الْوَارِثِ فَإِنَّهَا كَمَوْتِهِ حُكْمًا كَمَا فِي الْمَفْقُودِ ، وَأَمَّا وَلَدُ اللِّعَانِ فَإِنَّهُ لَا يَرِثُ مِنْ أَبِيهِ وَبِالْعَكْسِ لِقَطْعِ نَسَبِهِ ، فَعَدَمُ الْإِرْثِ فِي الْحَقِيقَةِ لِعَدَمِ السَّبَبِ ، وَهُوَ نِسْبَتُهُ إلَى أَبِيهِ وَأَمَّا النُّبُوَّةُ فَفِي كَوْنِهَا مِنْ انْتِفَاءِ الشَّرْطِ أَوْ السَّبَبِ كَلَامٌ يُعْلَمُ مِنْ شَرْحِنَا الرَّحِيقِ الْمَحْتُومِ ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي عَدَمِ كَوْنِهَا مِنْ الْمَوَانِعِ هِيَ كَوْنُ النُّبُوَّةِ مَعْنًى قَائِمًا فِي الْمُوَرِّثِ وَالْمَانِعُ هُوَ مَا يَمْنَعُ الْإِرْثَ لِمَعْنًى قَائِمٍ فِي الْوَارِثِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فِي تَعْرِيفِهِ .
[ تَكْمِيلٌ ] عَدَّ الشَّافِعِيَّةُ مِنْ الْمَوَانِعِ الدَّوْرَ الْحُكْمِيَّ وَهُوَ أَنْ يَلْزَمَ مِنْ التَّوْرِيثِ عَدَمُهُ كَمَا لَوْ مَاتَ عَنْ أَخٍ فَأَقَرَّ الْأَخُ بِابْنٍ لِلْمَيِّتِ ، فَيَثْبُتُ نَسَبُهُ وَلَا يَرِثُ عِنْدَهُمْ ، لِأَنَّهُ لَوْ وَرِثَ لَحَجَبَ الْأَخَ فَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ ، فَلَا يَثْبُتُ نَسَبُ الِابْنِ فَلَا يَرِثُ لِأَنَّ إثْبَاتَ إرْثِهِ يُؤَدِّي إلَى نَفْيِهِ فَيَنْتَفِي مِنْ أَصْلِهِ ، وَهَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ عُلَمَاؤُنَا لِصِحَّةِ إقْرَارِ الْمُقِرِّ فِي حَقِّ نَفْسِهِ فَقَطْ فَيَرِثُ الِابْنُ دُونَهُ كَمَا حَقَّقْته فِي الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ مُؤَيَّدًا بِالنَّقْلِ وَمَرَّ تَمَامُهُ فِي بَابِ إقْرَارِ الْمَرِيضِ ( قَوْلُهُ لِأَنَّهَا أَصْلُ الْوِلَادِ ) بِكَسْرِ الْوَاوِ مَصْدَرُ وَلَدَ أَيْ أَصْلُ وِلَادَةِ الْأَصْلِ وَالْفُرُوعُ فَالْكُلُّ أَوْلَادُهَا غَالِبًا ، لِأَنَّهُ قَدْ تَكُونُ الْوِلَادَةُ 770 بِالتَّسَرِّي ثُمَّ هِيَ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ ، وَإِنْ كَانَتْ أُمًّا لَكِنْ صِفَةُ الزَّوْجِيَّةِ سَابِقَةٌ عَلَى صِفَةِ الْأُمُومَةِ فَلِذَا لَمْ تُقَدَّمْ الْأُمُّ تَأَمَّلْ
البحر الرائق شرح كنز الدقائق
اقرأ →
كتاب الجنايات
الاختيار لتعليل المختار
اقرأ →
218 بَابُ الْجِنَايَاتِ
إِذَا طَيَّبَ الْمُحْرِمُ عُضْوًا فَعَلَيْهِ شَاةٌ ، وَإِنْ لَبِسَ الْمَخِيطَ أَوْ غَطَّى رَأْسَهُ يَوْمًا فَعَلَيْهِ شَاةٌ ، وَإِنْ حَلَقَ رُبُعَ رَأْسِهِ فَعَلَيْهِ شَاةٌ ، وَكَذَلِكَ مَوْضِعُ الْمَحَاجِمِ ( سم ) ، وَفِي حَلْقِ الْإِبِطَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا أَوِ الرَّقَبَةِ أَوِ الْعَانَةِ شَاةٌ ، وَلَوْ قَصَّ أَظَافِرَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ أَوْ وَاحِدَةٍ مِنْهَا فَعَلَيْهِ شَاةٌ . وَلَوْ طَافَ لِلْقُدُومِ أَوْ لِلصَّدَرِ جُنُبًا أَوْ لِلزِّيَارَةِ مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ شَاةٌ ، وَإِنْ أَفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ قَبْلَ الْإِمَامِ فَعَلَيْهِ شَاةٌ فَإِنْ عَادَ إِلَى عَرَفَةَ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَإِفَاضَةِ الْإِمَامِ سَقَطَ عَنْهُ الدَّمُ ، وَإِنْ عَادَ قَبْلَ الْغُرُوبِ بَعْدَ مَا أَفَاضَ الْإِمَامُ أَوْ بَعْدَ الْغُرُوبِ لَمْ يَسْقُطْ ، وَإِنْ تَرَكَ مِنْ طَوَافِ الزِّيَارَةِ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ فَمَا دُونَهَا ، أَوْ طَوَافَ الصَّدَرِ أَوْ أَرْبَعَةً مِنْهُ ، أَوِ السَّعْيَ أَوِ الْوُقُوفَ بِالْمُزْدَلِفَةِ فَعَلَيْهِ شَاةٌ ، وَإِنْ طَافَ لِلزِّيَارَةِ وَعَوْرَتُهُ مَكْشُوفَةٌ أَعَادَ مَا دَامَ بِمَكَّةَ ، وَإِنْ لَمْ يُعِدْ فَعَلَيْهِ دَمٌ ، وَلَوْ تَرَكَ رَمْيَ الْجِمَارِ كُلِّهَا أَوْ يَوْمٍ وَاحِدٍ ، أَوْ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ فَعَلَيْهِ شَاةٌ ، وَإِنْ تَرَكَ أَقَلَّهَا تَصَدَّقَ لِكُلِّ حَصَاةٍ نِصْفَ صَاعِ بُرٍّ ، وَإِنْ حَلَقَ أَقَلَّ مِنْ رُبْعِ رَأْسِهِ تَصَدَّقَ بِنِصْفِ صَاعِ بُرٍّ ، وَكَذَا إِنْ قَصَّ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةِ أَظَافِرَ ، وَكَذَلِكَ إِنْ قَصَّ خَمْسَةً مُتَفَرِّقَةً ( م ) ، وَلَوْ طَافَ لِلْقُدُومِ أَوْ لِلصَّدَرِ مُحْدِثًا فَكَذَلِكَ ، وَإِنْ طَافَ لِلزِّيَارَةِ جُنُبًا فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ وَكَذَلِكَ الْحَائِضُ ، وَإِنْ تَطَيَّبَ أَوْ لَبِسَ أَوْ حَلَقَ لِعُذْرٍ إِنْ شَاءَ ذَبَحَ شَاةً ، وَإِنْ شَاءَ تَصَدَّقَ بِثَلَاثَةِ أَصْوُعٍ مِنْ طَعَامٍ عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ ، وَإِنْ شَاءَ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، وَمَنْ جَامَعَ فِي أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَسَدَ حَجُّهُ وَعَلَيْهِ شَاةٌ ، وَيَمْضِي فِي حَجِّهِ وَيَقْضِيهِ ، وَلَا يُفَارِقُ امْرَأَتَهُ إِذَا قَضَى الْحَجَّ ، وَإِنْ جَامَعَ بَعْدَ الْوُقُوفِ لَمْ يَفْسُدْ حَجُّهُ وَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ ، وَإِنْ جَامَعَ بَعْدَ الْحَلْقِ ، أَوْ قَبْلَ ، أَوْ لَمَسَ بِشَهْوَةٍ فَعَلَيْهِ شَاةٌ ، وَمَنْ جَامَعَ فِي الْعُمْرَةِ قَبْلَ طَوَافِ أَرْبَعَةِ أَشْوَاطٍ فَسَدَتْ ، وَيَمْضِي فِيهَا وَيَقْضِيهَا وَعَلَيْهِ شَاةٌ ، وَإِنْ جَامَعَ فِيهَا بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْوَاطٍ لَمْ تَفْسُدْ وَعَلَيْهِ شَاةٌ . وَالْعَامِدُ وَالنَّاسِي سَوَاءٌ .
إِذَا طَيَّبَ الْمُحْرِمُ عُضْوًا فَعَلَيْهِ شَاةٌ ، وَإِنْ لَبِسَ الْمَخِيطَ أَوْ غَطَّى رَأْسَهُ يَوْمًا فَعَلَيْهِ شَاةٌ ، وَإِنْ حَلَقَ رُبُعَ رَأْسِهِ فَعَلَيْهِ شَاةٌ ، وَكَذَلِكَ مَوْضِعُ الْمَحَاجِمِ ( سم ) ، وَفِي حَلْقِ الْإِبِطَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا أَوِ الرَّقَبَةِ أَوِ الْعَانَةِ شَاةٌ ، وَلَوْ قَصَّ أَظَافِرَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ أَوْ وَاحِدَةٍ مِنْهَا فَعَلَيْهِ شَاةٌ . وَلَوْ طَافَ لِلْقُدُومِ أَوْ لِلصَّدَرِ جُنُبًا أَوْ لِلزِّيَارَةِ مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ شَاةٌ ، وَإِنْ أَفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ قَبْلَ الْإِمَامِ فَعَلَيْهِ شَاةٌ فَإِنْ عَادَ إِلَى عَرَفَةَ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَإِفَاضَةِ الْإِمَامِ سَقَطَ عَنْهُ الدَّمُ ، وَإِنْ عَادَ قَبْلَ الْغُرُوبِ بَعْدَ مَا أَفَاضَ الْإِمَامُ أَوْ بَعْدَ الْغُرُوبِ لَمْ يَسْقُطْ ، وَإِنْ تَرَكَ مِنْ طَوَافِ الزِّيَارَةِ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ فَمَا دُونَهَا ، أَوْ طَوَافَ الصَّدَرِ أَوْ أَرْبَعَةً مِنْهُ ، أَوِ السَّعْيَ أَوِ الْوُقُوفَ بِالْمُزْدَلِفَةِ فَعَلَيْهِ شَاةٌ ، وَإِنْ طَافَ لِلزِّيَارَةِ وَعَوْرَتُهُ مَكْشُوفَةٌ أَعَادَ مَا دَامَ بِمَكَّةَ ، وَإِنْ لَمْ يُعِدْ فَعَلَيْهِ دَمٌ ، وَلَوْ تَرَكَ رَمْيَ الْجِمَارِ كُلِّهَا أَوْ يَوْمٍ وَاحِدٍ ، أَوْ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ فَعَلَيْهِ شَاةٌ ، وَإِنْ تَرَكَ أَقَلَّهَا تَصَدَّقَ لِكُلِّ حَصَاةٍ نِصْفَ صَاعِ بُرٍّ ، وَإِنْ حَلَقَ أَقَلَّ مِنْ رُبْعِ رَأْسِهِ تَصَدَّقَ بِنِصْفِ صَاعِ بُرٍّ ، وَكَذَا إِنْ قَصَّ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةِ أَظَافِرَ ، وَكَذَلِكَ إِنْ قَصَّ خَمْسَةً مُتَفَرِّقَةً ( م ) ، وَلَوْ طَافَ لِلْقُدُومِ أَوْ لِلصَّدَرِ مُحْدِثًا فَكَذَلِكَ ، وَإِنْ طَافَ لِلزِّيَارَةِ جُنُبًا فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ وَكَذَلِكَ الْحَائِضُ ، وَإِنْ تَطَيَّبَ أَوْ لَبِسَ أَوْ حَلَقَ لِعُذْرٍ إِنْ شَاءَ ذَبَحَ شَاةً ، وَإِنْ شَاءَ تَصَدَّقَ بِثَلَاثَةِ أَصْوُعٍ مِنْ طَعَامٍ عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ ، وَإِنْ شَاءَ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، وَمَنْ جَامَعَ فِي أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَسَدَ حَجُّهُ وَعَلَيْهِ شَاةٌ ، وَيَمْضِي فِي حَجِّهِ وَيَقْضِيهِ ، وَلَا يُفَارِقُ امْرَأَتَهُ إِذَا قَضَى الْحَجَّ ، وَإِنْ جَامَعَ بَعْدَ الْوُقُوفِ لَمْ يَفْسُدْ حَجُّهُ وَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ ، وَإِنْ جَامَعَ بَعْدَ الْحَلْقِ ، أَوْ قَبْلَ ، أَوْ لَمَسَ بِشَهْوَةٍ فَعَلَيْهِ شَاةٌ ، وَمَنْ جَامَعَ فِي الْعُمْرَةِ قَبْلَ طَوَافِ أَرْبَعَةِ أَشْوَاطٍ فَسَدَتْ ، وَيَمْضِي فِيهَا وَيَقْضِيهَا وَعَلَيْهِ شَاةٌ ، وَإِنْ جَامَعَ فِيهَا بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْوَاطٍ لَمْ تَفْسُدْ وَعَلَيْهِ شَاةٌ . وَالْعَامِدُ وَالنَّاسِي سَوَاءٌ .
الاختيار لتعليل المختار
اقرأ →
499 كِتَابُ الْجِنَايَاتِ ، وَهِيَ جَمْعُ جِنَايَةٍ ، وَالْجِنَايَةُ : كُلُّ فِعْلٍ مَحْظُورٍ يَتَضَمَّنُ ضَرَرًا ، وَيَكُونُ تَارَةً عَلَى نَفْسِهِ ، وَتَارَةً عَلَى غَيْرِهِ ، يُقَالُ : جَنَى عَلَى نَفْسِهِ وَجَنَى عَلَى غَيْرِهِ ، فَالْجِنَايَةُ عَلَى غَيْرِهِ تَكُونُ عَلَى النَّفْسِ وَعَلَى الطَّرَفِ وَعَلَى الْعِرْضِ وَعَلَى الْمَالِ ، وَالْجِنَايَةُ عَلَى النَّفْسِ تُسَمَّى قَتْلًا أَوْ صَلْبًا أَوْ حَرْقًا ، وَالْجِنَايَةُ عَلَى الطَّرَفِ تُسَمَّى قَطْعًا أَوْ كَسْرًا أَوْ شَجًّا ، وَهَذَا الْبَابُ لِبَيَانِ هَاتَيْنِ الْجِنَايَتَيْنِ وَمَا يَجِبُ بِهِمَا . وَالْجِنَايَةُ عَلَى الْعِرْضِ نَوْعَانِ : قَذْفٌ وَمُوجَبُهُ الْحَدُّ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ . وَغِيبَةٌ وَمُوجَبُهَا الْإِثْمُ ، وَهُوَ مِنْ أَحْكَامِ الْآخِرَةِ . وَالْجِنَايَةُ عَلَى الْمَالِ تُسَمَّى غَصْبًا أَوْ خِيَانَةً أَوْ سَرِقَةً وَقَدْ بَيَّنَّاهَا وَمُوجَبُهَا فِي كِتَابَيِ السَّرِقَةِ وَالْغَصْبِ - بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى ، ثُمَّ الْقِصَاصُ مَشْرُوعٌ ثَبَتَتْ شَرْعِيَّتُهُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ . أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ - تَعَالَى - : ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ ) الْآيَةَ ، وَقَوْلُهُ : ( وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا ) أَيْ أَثْبَتْنَا لِوَلِيِّهِ سَلْطَنَةَ الْقَتْلِ . وَالسُّنَّةُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " مَنْ قَتَلَ قَتَلْنَاهُ " ، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ " ، وَعَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ وَالْعَقْلُ ، وَالْحِكْمَةُ تَقْتَضِي شَرْعِيَّتَهُ أَيْضًا ، فَإِنَّ الطِّبَاعَ الْبَشَرِيَّةَ وَالْأَنْفُسَ الشِّرِّيرَةَ تَمِيلُ إِلَى الظُّلْمِ وَالِاعْتِدَاءِ وَتَرْغَبُ فِي اسْتِيفَاءِ الزَّائِدِ عَلَى الِابْتِدَاءِ سِيَّمَا سُكَّانُ الْبَوَادِي وَأَهْلُ الْجَهْلِ الْعَادِلِينَ عَنْ سُنَنِ الْعَقْلِ وَالْعَدْلِ كَمَا نُقِلَ مِنْ عَادَتِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَلَوْ لَمْ تُشْرَعِ الْأَجْزِيَةُ الزَّاجِرَةُ عَنِ التَّعَدِّي وَالْقِصَاصِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا انْتِقَاصٍ لَتَجَرَّأَ ذَوُو الْجَهْلِ وَالْحَمِيَّةِ وَالْأَنْفُسِ الْأَبِيَّةِ عَلَى الْقَتْلِ وَالْفَتْكِ فِي الِابْتِدَاءِ وَإِضْعَافِ مَا جُنِيَ عَلَيْهِمْ فِي الِاسْتِيفَاءِ ، فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى التَّفَانِي ، وَفِيهِ مِنَ الْفَسَادِ مَا لَا يَخْفَى ، فَاقْتَضَتِ الْحِكْمَةُ شَرْعَ الْعُقُوبَاتِ الزَّاجِرَةِ عَنِ الِابْتِدَاءِ فِي الْقَتْلِ وَالْقِصَاصِ الْمَانِعِ مِنِ اسْتِيفَاءِ الزَّائِدِ عَلَى الْمِثْلِ فَوَرَدَ الشَّرْعُ بِذَلِكَ لِهَذِهِ الْحِكْمَةِ حَسْمًا عَنْ مَادَّةِ هَذَا الْبَابِ فَقَالَ : ( وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ ) 500 قَالَ : ( الْقَتْلُ الْمُتَعَلِّقُ بِالْأَحْكَامِ خَمْسَةٌ : عَمْدٌ ، وَشِبْهُ عَمْدٍ ، وَخَطَأٌ ، وَمَا أُجْرِيَ مُجْرَى الْخَطَأِ ، وَالْقَتْلُ بِسَبَبٍ ) ، وَمَعْنَاهُ الْقَتْلُ الْوَاقِعُ ابْتِدَاءً بِغَيْرِ حَقِّ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الْقِصَاصُ أَوِ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ هَذِهِ الْخَمْسَةُ ، وَبَيَانُ الْحَصْرِ أَنَّ الْقَتْلَ لَا يَخْلُو إِمَّا إِنْ كَانَ مُبَاشَرَةً أَوْ لَا ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُبَاشَرَةً فَهُوَ الْقَتْلُ بِسَبَبٍ ، وَإِنْ كَانَ مُبَاشَرَةً ، فَإِمَّا إِنْ كَانَ عَمْدًا أَوْ خَطَأً ، فَإِنْ كَانَ عَمْدًا ، فَإِمَّا إِنْ كَانَ بِسِلَاحٍ وَمَا شَابَهَهُ فِي تَفْرِيقِ الْأَجْزَاءِ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ ، فَإِنْ كَانَ فَهُوَ الْعَمْدُ ، إِنْ كَانَ بِغَيْرِهِ فَهُوَ شِبْهُ الْعَمْدِ ، وَإِنْ كَانَ خَطَأً ، فَإِمَّا إِنْ كَانَ حَالَةَ الْيَقَظَةِ أَوْ حَالَةَ النَّوْمِ ، فَإِنْ كَانَ حَالَةَ الْيَقَظَةِ فَهُوَ الْخَطَأُ ، وَإِنْ كَانَ حَالَةَ النَّوْمِ فَهُوَ الَّذِي أُجْرِيَ مَجْرَاهُ ، وَلَئِنْ قِيلَ قَتْلُ الْمُكْرَهِ لَيْسَ مُبَاشَرَةً مِنَ الْمُكْرَهِ وَقَدْ جَعَلْتُمُوهُ عَمْدًا حَتَّى أَوْجَبْتُمْ عَلَيْهِ الْقِصَاصَ . قُلْنَا لَمَّا كَانَ الْمُكْرَهُ مَطْلُوبَ الِاخْتِيَارِ لَمْ يُضِفِ الْفِعْلَ إِلَيْهِ فَجَعَلْنَاهُ كَالْآلَةِ فِي يَدِ الْمُكْرَهِ وَانْتَقَلَ فِعْلُهُ إِلَيْهِ ، فَكَأَنَّ الْمُكْرَهَ قَتَلَهُ بِآلَةٍ أُخْرَى فَصَارَ مُبَاشَرَةً تَقْدِيرًا وَشَرْعًا ، وَتَمَامُهُ يُعْرَفُ فِي الْإِكْرَاهِ .
قَالَ : ( فَالْعَمْدُ أَنْ يَتَعَمَّدَ الضَّرْبَ بِمَا يُفَرِّقُ الْأَجْزَاءَ كَالسَّيْفِ وَاللِّيطَةِ وَالْمَرْوَةِ وَالنَّارِ ) ; لِأَنَّ الْعَمْدَ فِعْلُ الْقَلْبِ لِأَنَّهُ الْقَصْدُ ، وَذَلِكَ لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ إِلَّا بِدَلِيلِهِ وَهُوَ مُبَاشَرَةُ الْآلَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْقَتْلِ عَادَةً ، وَأَنَّهُ مَوْجُودٌ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ فَكَانَ عَمْدًا ، وَلَوْ قَتَلَهُ بِحَدِيدٍ أَوْ صُفْرٍ غَيْرِ مُحَدَّدٍ كَالْعَمُودِ وَالسَّنْجَةِ وَنَحْوِهِمَا فِيهِ رِوَايَتَانِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ هُوَ عَمْدٌ نَظَرًا إِلَى أَنَّهُ أَصْلُ الْآلَةِ ، وَفِي رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ لَيْسَ بِعَمْدٍ لِأَنَّهُ لَا يُفَرِّقُ الْأَجْزَاءَ ، وَلَوْ طَعَنَهُ بِرُمْحٍ لَا سِنَانَ لَهُ فَجَرَحَهُ فَهُوَ عَمْدٌ لِأَنَّهُ إِذَا فَرَّقَ الْأَجْزَاءَ فَهُوَ كَالسَّيْفِ . وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَنْ ضَرَبَ رَجُلًا بِإِبْرَةٍ وَمَا يُشْبِهُهُ عَمْدًا فَمَاتَ لَا قَوْدَ فِيهِ ، وَفِي الْمِسَلَّةِ وَنَحْوِهَا الْقَوَدُ لِأَنَّ الْإِبْرَةَ لَا يُقْصَدُ بِهَا الْقَتْلُ عَادَةً وَيُقْصَدُ بِالْمِسَلَّةِ ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى إِنْ غَرَزَ بِالْإِبْرَةِ فِي الْمَقْتَلِ قَتَلَ وَإِلَّا فَلَا .
قَالَ : ( وَحُكْمُهُ الْمَأْثَمُ وَالْقَوَدُ ) ، أَمَّا الْمَأْثَمُ فَبِالْإِجْمَاعِ ، وَلِقَوْلِهِ - تَعَالَى - : ( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ ) ، وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ 501 وَالسَّلَامُ : " الْآدَمِيُّ بُنْيَانُ الرَّبِّ مَلْعُونٌ مَنْ هَدَمَهُ " وَالنُّصُوصُ فِيهِ كَثِيرَةٌ ، وَأَمَّا الْقَوَدُ فَلِقَوْلِهِ - تَعَالَى - : ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ) ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْعَمْدُ لِأَنَّهُ لَا قِصَاصَ فِي غَيْرِهِ ، وَقَوْلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " الْعَمْدُ قَوَدٌ " أَيْ حُكْمُهُ وَمُوجَبُهُ .
قَالَ : ( إِلَّا أَنْ يَعْفُوَ الْأَوْلِيَاءُ ) لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ .
قَالَ : ( أَوْ وُجُوبُ الْمَالِ عِنْدَ الْمُصَالَحَةِ بِرِضَى الْقَاتِلِ فِي مَالِهِ ) لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ ، فَإِذَا صَالَحَ عَنْهُ بِعِوَضٍ وَرِضَى غَرِيمِهِ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا جَازَ كَمَا فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ ، وَيَجِبُ فِي مَالِ الْقَاتِلِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " لَا تُعْقَلُ الْعَاقِلَةُ عَمْدًا وَلَا صُلْحًا " ، وَهَذَا عَمْدٌ وَصُلْحٌ فَلَا تَتَحَمَّلُهُ الْعَاقِلَةُ فَيَجِبُ فِي مَالِهِ عَلَى مَا شَرَطَا مِنَ التَّأْجِيلِ وَالتَّعْجِيلِ وَالتَّنْجِيمِ ، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ " ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرَا شَيْئًا فَهُوَ حَالٌّ كَسَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ) وَالْمُرَادُ بِهِ الصُّلْحُ ، وَهَذَا لِأَنَّ مُوجِبَ الْعَمْدِ الْقَوَدُ عَيْنًا فَلَا يَجِبُ الْمَالُ إِلَّا بِالصُّلْحِ بِرِضَا الْقَاتِلِ ، بَيَانُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ) ، فَلَوْ وَجَبَ الْمَالُ أَوْ أَحَدُهُمَا لَا يَكُونُ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ ، وَشَرِيعَةُ مَنْ تَقَدَّمَنَا تُلْزِمُنَا إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ النَّسْخُ ، وَجَمِيعُ أَحَادِيثِ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ أَخْبَارُ آحَادٍ لَا يُنْسَخُ بِهَا الْكِتَابُ ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ ) وَهُوَ الْمُمَاثَلَةُ لُغَةً ، وَالْمُمَاثَلَةُ بَيْنَ النَّفْسِ وَالنَّفْسِ لَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَالِ ، أَوْ نَقُولُ ذَكَرَ الْقِصَاصَ وَلَمْ يَذْكُرِ الدِّيَةَ ، فَلَوْ ثَبَتَ التَّخْيِيرُ أَوِ الدِّيَةُ لَثَبَتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَأَنَّهُ زِيَادَةٌ عَلَى الْكِتَابِ ، وَالزِّيَادَةُ نَسْخٌ وَالْكِتَابُ لَا 502 يُنْسَخُ بِهِ . وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " الْعَمْدُ قَوَدٌ " ، وَقَالَ : " كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ " وَقَدْ مَرَّ التَّمَسُّكُ بِهِ .
قَالَ : ( أَوْ صُلْحُ بَعْضِهِمْ أَوْ عَفْوُهُ ، فَتَجِبُ بَقِيَّةُ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ ) لِأَنَّهُ حَقٌّ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْوَرَثَةِ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَرَّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضَّبَابِيِّ مِنْ عَقْلِهِ ، وَإِذَا كَانَ مُشْتَرِكًا بَيْنَهُمْ فَلِكُلٍّ مِنْهُمُ الْعَفْوُ عَنْ نَصِيبِهِ ، وَالصُّلْحُ عَنْهُ كَغَيْرِهِ مِنَ الْحُقُوقِ ، فَإِذَا صَالَحَ الْبَعْضُ أَوْ عَفَا تَعَذَّرَ الْقِصَاصُ لِأَنَّهُ لَا يَتَجَزَّأُ وَقَدْ سَقَطَ الْبَعْضُ فَيَسْقُطُ الْبَاقِي ضَرُورَةً ، وَإِذَا سَقَطَ انْقَلَبَ نَصِيبُ الْبَاقِي مَالًا لِئَلَّا يَسْقُطَ لَا إِلَى عِوَضٍ ، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ لِأَنَّ الشَّرْعَ مَا أَوْجَبَهُ عَلَيْهِ كَمَا مَرَّ وَلَا الْتَزَمَهُ فَيَجِبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ لِأَنَّهُ وَجَبَ بِغَيْرِ قَصْدٍ مِنَ الْقَاتِلِ فَصَارَ كَالْخَطَأِ ، وَلَيْسَ لِلْعَافِي مِنْهُ شَيْءٌ لِسُقُوطِ حَقِّهِ بِعَفْوِهِ .
قَالَ ( أَوْ عِنْدَ تَعَذُّرِ اسْتِيفَائِهِ لِشُبْهَةٍ كَقَتْلِ الْأَبِ ابْنَهُ فَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ ) وَهَذَا لِأَنَّ الْأَبَ لَا يُقْتَلُ بِابْنِهِ ، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " لَا يُقَادُ وَالِدٌ بِوَلَدِهِ " ، وَلِأَنَّهُ جُزْؤُهُ ، فَأُورِثَ شُبْهَةً فِي الْقِصَاصِ فَسَقَطَ ، وَإِذَا سَقَطَ الْقِصَاصُ تَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ لِأَنَّهُ عَمْدٌ ، وَتَجِبُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ لِمَا يَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
قَالَ : ( وَلَا كَفَّارَةَ فِي الْعَمْدِ ) لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - لَمْ يُوجِبْهَا فِيهِ حَيْثُ لَمْ يَذْكُرْهَا وَلَوْ وَجَبَتْ لَذَكَرَهَا كَمَا ذَكَرَهَا فِي الْخَطَأِ وَلِأَنَّهُ كَبِيرَةٌ ، وَفِي الْكَفَّارَةِ مَعْنَى الْعِبَادَةِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهَا وَلَا يُقَاسُ عَلَى الْخَطَأِ فَإِنَّ جِنَايَةَ الْعَمْدِ أَعْظَمُ ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ رَفْعِهَا لِلْأَدْنَى رَفْعُهَا لِلْأَعْلَى .
قَالَ : ( وَشِبْهُ الْعَمْدِ : أَنْ يَتَعَمَّدَ الضَّرْبَ بِمَا لَا يُفَرِّقُ الْأَجْزَاءَ كَالْحَجَرِ وَالْعَصَا وَالْيَدِ ) وَقَالَا : إِذَا ضَرَبَهُ بِحَجَرٍ عَظِيمٍ أَوْ خَشَبَةٍ عَظِيمَةٍ فَهُوَ عَمْدٌ ، وَشِبْهُ الْعَمْدِ عِنْدَهُمَا أَنْ يَتَعَمَّدَ الضَّرْبَ بِمَا لَا 503 يَقْتُلُ غَالِبًا كَالسَّوْطِ وَالْعَصَا الصَّغِيرَةِ ; لِأَنَّ مَعْنَى الْعَمْدِيَّةِ قَاصِرَةٌ فِيهِمَا لِمَا أَنَّهُ لَا يَقْتُلُ عَادَةً ، وَيُقْصَدُ بِهِ غَيْرُ الْقَتْلِ كَالتَّأْدِيبِ وَنَحْوِهِ فَكَانَ شِبْهَ الْعَمْدِ ، أَمَّا الَّذِي لَا يَلْبَثُ وَلَا يَتَقَاصَرُ عَنْ عَمَلِ السَّيْفِ فِي إِزْهَاقِ الرُّوحِ فَيَكُونُ عَمْدًا . وَرُوِيَ أَنَّ يَهُودِيًّا رَضَخَ رَأْسَ جَارِيَةٍ بِالْحَجَرِ ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِالْقِصَاصِ . وَلِأَبِي حَنِيفَةَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " أَلَا إِنَّ قَتِيلَ خَطَأِ الْعَمْدِ قَتِيلُ السَّوْطِ وَالْعَصَا ، وَفِيهِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ " مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ عَصَا وَعَصَا . وَرَوَى النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ : " كُلُّ شَيْءٍ خَطَأٌ إِلَّا السَّيْفَ ، وَفِي كُلِّ خَطَأٍ أَرْشٌ " ، وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ : شِبْهُ الْعَمْدِ : الْحَذْفَةُ بِالْعَصَا وَالْقَذْفَةُ بِالْحَجَرِ ، فَالنَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - سَمَّاهُ خَطَأَ الْعَمْدِ ; لِأَنَّهُ عَمْدٌ مِنْ جِهَةِ الْفِعْلِ خَطَأٌ مِنْ جِهَةِ الْحُكْمِ ; لِأَنَّ آلَتَهُ لَيْسَتْ آلَةَ الْعَمْدِ ، وَلِأَنَّ مَعْنَى الْعَمْدِيَّةِ فِيهِ قَاصِرٌ لِكَوْنِهِ آلَةً غَيْرَ مَوْضُوعَةٍ لِلْقَتْلِ وَلَا مُسْتَعْمَلَةٍ فِيهِ ، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ قَتْلُهُ بِهَا عَلَى غِرَّةٍ مِنْهُ فَيُمْكِنُهُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ ، بِخِلَافِ السَّيْفِ وَأَخَوَاتِهِ فَإِنَّهَا تُسْتَعْمَلُ عَلَى غِرَّةٍ مِنَ الْمَقْتُولِ فَكَانَ شِبْهَ الْعَمْدِ كَالْعَصَا وَالسَّوْطِ الصَّغِيرَيْنِ ، وَلِأَنَّ الْقَتْلَ إِفْسَادُ الْآدَمِيِّ صُورَةً وَمَعْنًى ، أَمَّا صُورَةٌ فَبِنَقْضِ التَّرْكِيبِ ، وَأَمَّا مَعْنًى فَإِفْسَادُ الْمَنَافِعِ ، وَقَدْ وُجِدَ الْقَتْلُ هَهُنَا مَعْنًى لَا صُورَةً ، فَلَوْ وَجَبَ الْقِصَاصُ وَأَنَّهُ يَجِبُ بِالسَّيْفِ عَمَلًا بِالْحَدِيثِ يَكُونُ قَتْلًا صُورَةً وَمَعْنًى فَلَا تُوجَدُ الْمُمَاثَلَةُ الْوَاجِبَةُ بِالنُّصُوصِ ، وَأَمَّا الْيَهُودِيُّ فَالنَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَتَلَهُ سِيَاسَةً ، فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ اعْتَادَ ذَلِكَ ، وَعِنْدَنَا مَتَى تَكَرَّرَ مِنْهُ ذَلِكَ فَلِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُ سِيَاسَةً .
قَالَ : ( وَمُوجَبُهُ الْإِثْمُ ) لِأَنَّهُ قَتَلَ عَنْ قَصْدٍ .
( وَالْكَفَّارَةُ ) لِشِبْهِهِ بِالْخَطَأِ ، وَفِيهَا مَعْنَى الْعِبَادَةِ فَيَحْتَاطُ فِي إِيجَابِهَا .
( وَالدِّيَةُ مُغَلَّظَةٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ ) ; لِأَنَّ كُلَّ دِيَةٍ تَجِبُ بِالْقَتْلِ مِنْ غَيْرِ صُلْحٍ وَلَا عَفْوٍ لِبَعْضٍ فَإِنَّهَا 504 تَجِبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ عَلَى مَا يَأْتِي فِي الدِّيَاتِ ، وَسَنُبَيِّنُ كَيْفِيَّةَ وُجُوبِهَا وَالتَّغْلِيظَ وَقَدْرَهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
قَالَ : ( وَهُوَ عَمْدٌ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ ) ; لِأَنَّ إِتْلَافَ النَّفْسِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْآلَةِ ، وَمَا دُونَهَا لَا يَخْتَصُّ بِآلَةٍ دُونَ آلَةٍ ، فَبَقِيَ الْمُعْتَبَرُ تَعَمُّدَ الضَّرْبِ وَقَدْ وُجِدَ فَكَانَ عَمْدًا .
قَالَ : ( وَالْخَطَأُ أَنْ يَرْمِيَ شَخْصًا يَظُنُّهُ صَيْدًا أَوْ حَرْبِيًّا فَإِذَا هُوَ مُسْلِمٌ ) وَهُوَ خَطَأٌ فِي الْقَصْدِ .
( أَوْ يَرْمِي غَرَضًا فَيُصِيبُ آدَمِيًّا ) وَهُوَ خَطَأٌ فِي الْفِعْلِ .
( وَمُوجَبُهُ الْكَفَّارَةُ وَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ ) لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - : ( وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ ) .
( وَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ) قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ " الْحَدِيثَ ، وَقِيلَ الْمَنْفِيُّ إِثْمُ الْقَتْلِ ، وَإِنَّمَا يَأْثَمُ مِنْ حَيْثُ تَرَكَ الِاحْتِرَازَ وَالتَّثَبُّتَ حَالَةَ الرَّمْيِ ، وَلِهَذَا وَجَبَتِ الْكَفَّارَةُ .
قَالَ : ( وَمَا أُجْرِيَ مُجْرَى الْخَطَأِ : مِثْلُ النَّائِمِ يَنْقَلِبُ عَلَى إِنْسَانٍ فَيَقْتُلُهُ فَهُوَ كَالْخَطَأِ ) فِي الْحُكْمِ لِأَنَّ النَّائِمَ لَا قَصْدَ لَهُ فَلَا يُوصَفُ فِعْلُهُ بِالْعَمْدِ وَلَا بِالْخَطَأِ ، إِلَّا أَنَّهُ فِي حُكْمِ الْخَطَأِ لِحُصُولِ الْمَوْتِ بِفِعْلِهِ كَالْخَاطِئِ .
قَالَ : ( وَالْقَتْلُ بِسَبَبٍ كَحَافِرِ الْبِئْرِ وَوَاضِعِ الْحَجَرِ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ وَفِنَائِهِ فَيَعْطَبُ بِهِ إِنْسَانٌ ، وَمُوجَبُهُ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ لَا غَيْرَ ) ; لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِيمَا وَضَعَهُ وَحَفَرَهُ فَجُعِلَ دَافِعًا مُوَقِّعًا فَتَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ ، وَلَا يَأْثَمُ فِيهِ لِعَدَمِ الْقَصْدِ ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْ حَقِيقَةً ، وَإِنَّمَا أَلْحَقْنَاهُ بِالْقَاتِلِ فِي حَقِّ الضَّمَانِ فَبَقِيَ مَا وَرَاءَهُ عَلَى الْأَصْلِ ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْوَاقِعُ حُرًّا أَوْ عَبْدًا أَوْ دَابَّةً فَضَمَانُهُ عَلَيْهِ ، بِذَلِكَ قَضَى شُرَيْحٌ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ مِنْهُمْ ، وَلَوْ سَقَاهُ سُمًّا فَقَتَلَهُ فَهُوَ مُسَبِّبٌ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهُ مُبَاشَرَةً وَلَا هُوَ مَوْضُوعٌ لِلْقَتْلِ ، وَلِهَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الطَّبَائِعِ ، وَإِنْ 505 دَفَعَهُ إِلَيْهِ فَشَرِبَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى عَاقِلَتِهِ ; لِأَنَّ الشَّارِبَ هُوَ الَّذِي قَتَلَ نَفْسَهُ ، فَصَارَ كَمَا إِذَا تَعَمَّدَ الْوُقُوعَ فِي الْبِئْرِ .
قَالَ : ( وَكُلُّ ذَلِكَ يُوجِبُ حِرْمَانَ الْإِرْثِ إِلَّا الْقَتْلَ بِسَبَبٍ ) قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " لًا مِيرَاثَ لِقَاتِلٍ " ، وَالْمُسَبِّبُ لَيْسَ بِقَاتِلٍ وَلَا مُتَّهَمٍ ; لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّ مُوَرِّثَهُ يَقَعُ فِي الْبِئْرِ وَهُوَ مُتَّهَمٌ فِي الْخَطَأِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ قَصَدَ ذَلِكَ فِي الْبَاطِنِ .
قَالَ : ( وَلَوْ مَاتَ فِي الْبِئْرِ غَمًّا أَوْ جُوعًا فَهُوَ هَدَرٌ ) وَقَالَ مُحَمَّدٌ : يَضْمَنُ الْحَافِرُ فِيهِمَا . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : يَضْمَنُ فِي الْغَمِّ دُونَ الْجُوعِ ; لِأَنَّ الْغَمَّ بِسَبَبِ الْبِئْرِ وَالْوُقُوعِ فِيهَا ، أَمَّا الْجُوعُ بِسَبَبِ فَقْدِ الطَّعَامِ وَلَا مَدْخَلِ لِلْبِئْرِ فِي ذَلِكَ . وَلِمُحَمَّدٍ أَنَّ الْجُوعَ أَيْضًا بِسَبَبِ الْوُقُوعِ إِذْ لَوْلَاهُ لَكَانَ الطَّعَامُ قَرِيبًا مِنْهُ . وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ بِالْوُقُوعِ فَلَا يَضْمَنُ ، وَإِنَّمَا مَاتَ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ وَهُوَ الْجُوعُ وَالْغَمُّ ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُضَافٍ إِلَى الْحَافِرِ فَلَا يَكُونُ مُسَبِّبًا .
قَالَ : ( وَالْكَفَّارَةُ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ) لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - : ( فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ) وَلَا يُجْزِئُ فِيهَا الطَّعَامُ لِأَنَّ الْكَفَّارَاتِ لَا تُعْلَمُ إِلَّا نَصًّا وَلَا نَصَّ فِيهِ .
قَالَ : ( فَالْعَمْدُ أَنْ يَتَعَمَّدَ الضَّرْبَ بِمَا يُفَرِّقُ الْأَجْزَاءَ كَالسَّيْفِ وَاللِّيطَةِ وَالْمَرْوَةِ وَالنَّارِ ) ; لِأَنَّ الْعَمْدَ فِعْلُ الْقَلْبِ لِأَنَّهُ الْقَصْدُ ، وَذَلِكَ لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ إِلَّا بِدَلِيلِهِ وَهُوَ مُبَاشَرَةُ الْآلَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْقَتْلِ عَادَةً ، وَأَنَّهُ مَوْجُودٌ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ فَكَانَ عَمْدًا ، وَلَوْ قَتَلَهُ بِحَدِيدٍ أَوْ صُفْرٍ غَيْرِ مُحَدَّدٍ كَالْعَمُودِ وَالسَّنْجَةِ وَنَحْوِهِمَا فِيهِ رِوَايَتَانِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ هُوَ عَمْدٌ نَظَرًا إِلَى أَنَّهُ أَصْلُ الْآلَةِ ، وَفِي رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ لَيْسَ بِعَمْدٍ لِأَنَّهُ لَا يُفَرِّقُ الْأَجْزَاءَ ، وَلَوْ طَعَنَهُ بِرُمْحٍ لَا سِنَانَ لَهُ فَجَرَحَهُ فَهُوَ عَمْدٌ لِأَنَّهُ إِذَا فَرَّقَ الْأَجْزَاءَ فَهُوَ كَالسَّيْفِ . وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَنْ ضَرَبَ رَجُلًا بِإِبْرَةٍ وَمَا يُشْبِهُهُ عَمْدًا فَمَاتَ لَا قَوْدَ فِيهِ ، وَفِي الْمِسَلَّةِ وَنَحْوِهَا الْقَوَدُ لِأَنَّ الْإِبْرَةَ لَا يُقْصَدُ بِهَا الْقَتْلُ عَادَةً وَيُقْصَدُ بِالْمِسَلَّةِ ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى إِنْ غَرَزَ بِالْإِبْرَةِ فِي الْمَقْتَلِ قَتَلَ وَإِلَّا فَلَا .
قَالَ : ( وَحُكْمُهُ الْمَأْثَمُ وَالْقَوَدُ ) ، أَمَّا الْمَأْثَمُ فَبِالْإِجْمَاعِ ، وَلِقَوْلِهِ - تَعَالَى - : ( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ ) ، وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ 501 وَالسَّلَامُ : " الْآدَمِيُّ بُنْيَانُ الرَّبِّ مَلْعُونٌ مَنْ هَدَمَهُ " وَالنُّصُوصُ فِيهِ كَثِيرَةٌ ، وَأَمَّا الْقَوَدُ فَلِقَوْلِهِ - تَعَالَى - : ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ) ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْعَمْدُ لِأَنَّهُ لَا قِصَاصَ فِي غَيْرِهِ ، وَقَوْلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " الْعَمْدُ قَوَدٌ " أَيْ حُكْمُهُ وَمُوجَبُهُ .
قَالَ : ( إِلَّا أَنْ يَعْفُوَ الْأَوْلِيَاءُ ) لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ .
قَالَ : ( أَوْ وُجُوبُ الْمَالِ عِنْدَ الْمُصَالَحَةِ بِرِضَى الْقَاتِلِ فِي مَالِهِ ) لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ ، فَإِذَا صَالَحَ عَنْهُ بِعِوَضٍ وَرِضَى غَرِيمِهِ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا جَازَ كَمَا فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ ، وَيَجِبُ فِي مَالِ الْقَاتِلِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " لَا تُعْقَلُ الْعَاقِلَةُ عَمْدًا وَلَا صُلْحًا " ، وَهَذَا عَمْدٌ وَصُلْحٌ فَلَا تَتَحَمَّلُهُ الْعَاقِلَةُ فَيَجِبُ فِي مَالِهِ عَلَى مَا شَرَطَا مِنَ التَّأْجِيلِ وَالتَّعْجِيلِ وَالتَّنْجِيمِ ، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ " ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرَا شَيْئًا فَهُوَ حَالٌّ كَسَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ) وَالْمُرَادُ بِهِ الصُّلْحُ ، وَهَذَا لِأَنَّ مُوجِبَ الْعَمْدِ الْقَوَدُ عَيْنًا فَلَا يَجِبُ الْمَالُ إِلَّا بِالصُّلْحِ بِرِضَا الْقَاتِلِ ، بَيَانُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ) ، فَلَوْ وَجَبَ الْمَالُ أَوْ أَحَدُهُمَا لَا يَكُونُ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ ، وَشَرِيعَةُ مَنْ تَقَدَّمَنَا تُلْزِمُنَا إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ النَّسْخُ ، وَجَمِيعُ أَحَادِيثِ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ أَخْبَارُ آحَادٍ لَا يُنْسَخُ بِهَا الْكِتَابُ ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ ) وَهُوَ الْمُمَاثَلَةُ لُغَةً ، وَالْمُمَاثَلَةُ بَيْنَ النَّفْسِ وَالنَّفْسِ لَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَالِ ، أَوْ نَقُولُ ذَكَرَ الْقِصَاصَ وَلَمْ يَذْكُرِ الدِّيَةَ ، فَلَوْ ثَبَتَ التَّخْيِيرُ أَوِ الدِّيَةُ لَثَبَتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَأَنَّهُ زِيَادَةٌ عَلَى الْكِتَابِ ، وَالزِّيَادَةُ نَسْخٌ وَالْكِتَابُ لَا 502 يُنْسَخُ بِهِ . وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " الْعَمْدُ قَوَدٌ " ، وَقَالَ : " كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ " وَقَدْ مَرَّ التَّمَسُّكُ بِهِ .
قَالَ : ( أَوْ صُلْحُ بَعْضِهِمْ أَوْ عَفْوُهُ ، فَتَجِبُ بَقِيَّةُ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ ) لِأَنَّهُ حَقٌّ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْوَرَثَةِ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَرَّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضَّبَابِيِّ مِنْ عَقْلِهِ ، وَإِذَا كَانَ مُشْتَرِكًا بَيْنَهُمْ فَلِكُلٍّ مِنْهُمُ الْعَفْوُ عَنْ نَصِيبِهِ ، وَالصُّلْحُ عَنْهُ كَغَيْرِهِ مِنَ الْحُقُوقِ ، فَإِذَا صَالَحَ الْبَعْضُ أَوْ عَفَا تَعَذَّرَ الْقِصَاصُ لِأَنَّهُ لَا يَتَجَزَّأُ وَقَدْ سَقَطَ الْبَعْضُ فَيَسْقُطُ الْبَاقِي ضَرُورَةً ، وَإِذَا سَقَطَ انْقَلَبَ نَصِيبُ الْبَاقِي مَالًا لِئَلَّا يَسْقُطَ لَا إِلَى عِوَضٍ ، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ لِأَنَّ الشَّرْعَ مَا أَوْجَبَهُ عَلَيْهِ كَمَا مَرَّ وَلَا الْتَزَمَهُ فَيَجِبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ لِأَنَّهُ وَجَبَ بِغَيْرِ قَصْدٍ مِنَ الْقَاتِلِ فَصَارَ كَالْخَطَأِ ، وَلَيْسَ لِلْعَافِي مِنْهُ شَيْءٌ لِسُقُوطِ حَقِّهِ بِعَفْوِهِ .
قَالَ ( أَوْ عِنْدَ تَعَذُّرِ اسْتِيفَائِهِ لِشُبْهَةٍ كَقَتْلِ الْأَبِ ابْنَهُ فَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ ) وَهَذَا لِأَنَّ الْأَبَ لَا يُقْتَلُ بِابْنِهِ ، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " لَا يُقَادُ وَالِدٌ بِوَلَدِهِ " ، وَلِأَنَّهُ جُزْؤُهُ ، فَأُورِثَ شُبْهَةً فِي الْقِصَاصِ فَسَقَطَ ، وَإِذَا سَقَطَ الْقِصَاصُ تَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ لِأَنَّهُ عَمْدٌ ، وَتَجِبُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ لِمَا يَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
قَالَ : ( وَلَا كَفَّارَةَ فِي الْعَمْدِ ) لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - لَمْ يُوجِبْهَا فِيهِ حَيْثُ لَمْ يَذْكُرْهَا وَلَوْ وَجَبَتْ لَذَكَرَهَا كَمَا ذَكَرَهَا فِي الْخَطَأِ وَلِأَنَّهُ كَبِيرَةٌ ، وَفِي الْكَفَّارَةِ مَعْنَى الْعِبَادَةِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهَا وَلَا يُقَاسُ عَلَى الْخَطَأِ فَإِنَّ جِنَايَةَ الْعَمْدِ أَعْظَمُ ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ رَفْعِهَا لِلْأَدْنَى رَفْعُهَا لِلْأَعْلَى .
قَالَ : ( وَشِبْهُ الْعَمْدِ : أَنْ يَتَعَمَّدَ الضَّرْبَ بِمَا لَا يُفَرِّقُ الْأَجْزَاءَ كَالْحَجَرِ وَالْعَصَا وَالْيَدِ ) وَقَالَا : إِذَا ضَرَبَهُ بِحَجَرٍ عَظِيمٍ أَوْ خَشَبَةٍ عَظِيمَةٍ فَهُوَ عَمْدٌ ، وَشِبْهُ الْعَمْدِ عِنْدَهُمَا أَنْ يَتَعَمَّدَ الضَّرْبَ بِمَا لَا 503 يَقْتُلُ غَالِبًا كَالسَّوْطِ وَالْعَصَا الصَّغِيرَةِ ; لِأَنَّ مَعْنَى الْعَمْدِيَّةِ قَاصِرَةٌ فِيهِمَا لِمَا أَنَّهُ لَا يَقْتُلُ عَادَةً ، وَيُقْصَدُ بِهِ غَيْرُ الْقَتْلِ كَالتَّأْدِيبِ وَنَحْوِهِ فَكَانَ شِبْهَ الْعَمْدِ ، أَمَّا الَّذِي لَا يَلْبَثُ وَلَا يَتَقَاصَرُ عَنْ عَمَلِ السَّيْفِ فِي إِزْهَاقِ الرُّوحِ فَيَكُونُ عَمْدًا . وَرُوِيَ أَنَّ يَهُودِيًّا رَضَخَ رَأْسَ جَارِيَةٍ بِالْحَجَرِ ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِالْقِصَاصِ . وَلِأَبِي حَنِيفَةَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " أَلَا إِنَّ قَتِيلَ خَطَأِ الْعَمْدِ قَتِيلُ السَّوْطِ وَالْعَصَا ، وَفِيهِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ " مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ عَصَا وَعَصَا . وَرَوَى النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ : " كُلُّ شَيْءٍ خَطَأٌ إِلَّا السَّيْفَ ، وَفِي كُلِّ خَطَأٍ أَرْشٌ " ، وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ : شِبْهُ الْعَمْدِ : الْحَذْفَةُ بِالْعَصَا وَالْقَذْفَةُ بِالْحَجَرِ ، فَالنَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - سَمَّاهُ خَطَأَ الْعَمْدِ ; لِأَنَّهُ عَمْدٌ مِنْ جِهَةِ الْفِعْلِ خَطَأٌ مِنْ جِهَةِ الْحُكْمِ ; لِأَنَّ آلَتَهُ لَيْسَتْ آلَةَ الْعَمْدِ ، وَلِأَنَّ مَعْنَى الْعَمْدِيَّةِ فِيهِ قَاصِرٌ لِكَوْنِهِ آلَةً غَيْرَ مَوْضُوعَةٍ لِلْقَتْلِ وَلَا مُسْتَعْمَلَةٍ فِيهِ ، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ قَتْلُهُ بِهَا عَلَى غِرَّةٍ مِنْهُ فَيُمْكِنُهُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ ، بِخِلَافِ السَّيْفِ وَأَخَوَاتِهِ فَإِنَّهَا تُسْتَعْمَلُ عَلَى غِرَّةٍ مِنَ الْمَقْتُولِ فَكَانَ شِبْهَ الْعَمْدِ كَالْعَصَا وَالسَّوْطِ الصَّغِيرَيْنِ ، وَلِأَنَّ الْقَتْلَ إِفْسَادُ الْآدَمِيِّ صُورَةً وَمَعْنًى ، أَمَّا صُورَةٌ فَبِنَقْضِ التَّرْكِيبِ ، وَأَمَّا مَعْنًى فَإِفْسَادُ الْمَنَافِعِ ، وَقَدْ وُجِدَ الْقَتْلُ هَهُنَا مَعْنًى لَا صُورَةً ، فَلَوْ وَجَبَ الْقِصَاصُ وَأَنَّهُ يَجِبُ بِالسَّيْفِ عَمَلًا بِالْحَدِيثِ يَكُونُ قَتْلًا صُورَةً وَمَعْنًى فَلَا تُوجَدُ الْمُمَاثَلَةُ الْوَاجِبَةُ بِالنُّصُوصِ ، وَأَمَّا الْيَهُودِيُّ فَالنَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَتَلَهُ سِيَاسَةً ، فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ اعْتَادَ ذَلِكَ ، وَعِنْدَنَا مَتَى تَكَرَّرَ مِنْهُ ذَلِكَ فَلِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُ سِيَاسَةً .
قَالَ : ( وَمُوجَبُهُ الْإِثْمُ ) لِأَنَّهُ قَتَلَ عَنْ قَصْدٍ .
( وَالْكَفَّارَةُ ) لِشِبْهِهِ بِالْخَطَأِ ، وَفِيهَا مَعْنَى الْعِبَادَةِ فَيَحْتَاطُ فِي إِيجَابِهَا .
( وَالدِّيَةُ مُغَلَّظَةٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ ) ; لِأَنَّ كُلَّ دِيَةٍ تَجِبُ بِالْقَتْلِ مِنْ غَيْرِ صُلْحٍ وَلَا عَفْوٍ لِبَعْضٍ فَإِنَّهَا 504 تَجِبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ عَلَى مَا يَأْتِي فِي الدِّيَاتِ ، وَسَنُبَيِّنُ كَيْفِيَّةَ وُجُوبِهَا وَالتَّغْلِيظَ وَقَدْرَهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
قَالَ : ( وَهُوَ عَمْدٌ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ ) ; لِأَنَّ إِتْلَافَ النَّفْسِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْآلَةِ ، وَمَا دُونَهَا لَا يَخْتَصُّ بِآلَةٍ دُونَ آلَةٍ ، فَبَقِيَ الْمُعْتَبَرُ تَعَمُّدَ الضَّرْبِ وَقَدْ وُجِدَ فَكَانَ عَمْدًا .
قَالَ : ( وَالْخَطَأُ أَنْ يَرْمِيَ شَخْصًا يَظُنُّهُ صَيْدًا أَوْ حَرْبِيًّا فَإِذَا هُوَ مُسْلِمٌ ) وَهُوَ خَطَأٌ فِي الْقَصْدِ .
( أَوْ يَرْمِي غَرَضًا فَيُصِيبُ آدَمِيًّا ) وَهُوَ خَطَأٌ فِي الْفِعْلِ .
( وَمُوجَبُهُ الْكَفَّارَةُ وَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ ) لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - : ( وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ ) .
( وَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ) قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ " الْحَدِيثَ ، وَقِيلَ الْمَنْفِيُّ إِثْمُ الْقَتْلِ ، وَإِنَّمَا يَأْثَمُ مِنْ حَيْثُ تَرَكَ الِاحْتِرَازَ وَالتَّثَبُّتَ حَالَةَ الرَّمْيِ ، وَلِهَذَا وَجَبَتِ الْكَفَّارَةُ .
قَالَ : ( وَمَا أُجْرِيَ مُجْرَى الْخَطَأِ : مِثْلُ النَّائِمِ يَنْقَلِبُ عَلَى إِنْسَانٍ فَيَقْتُلُهُ فَهُوَ كَالْخَطَأِ ) فِي الْحُكْمِ لِأَنَّ النَّائِمَ لَا قَصْدَ لَهُ فَلَا يُوصَفُ فِعْلُهُ بِالْعَمْدِ وَلَا بِالْخَطَأِ ، إِلَّا أَنَّهُ فِي حُكْمِ الْخَطَأِ لِحُصُولِ الْمَوْتِ بِفِعْلِهِ كَالْخَاطِئِ .
قَالَ : ( وَالْقَتْلُ بِسَبَبٍ كَحَافِرِ الْبِئْرِ وَوَاضِعِ الْحَجَرِ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ وَفِنَائِهِ فَيَعْطَبُ بِهِ إِنْسَانٌ ، وَمُوجَبُهُ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ لَا غَيْرَ ) ; لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِيمَا وَضَعَهُ وَحَفَرَهُ فَجُعِلَ دَافِعًا مُوَقِّعًا فَتَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ ، وَلَا يَأْثَمُ فِيهِ لِعَدَمِ الْقَصْدِ ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْ حَقِيقَةً ، وَإِنَّمَا أَلْحَقْنَاهُ بِالْقَاتِلِ فِي حَقِّ الضَّمَانِ فَبَقِيَ مَا وَرَاءَهُ عَلَى الْأَصْلِ ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْوَاقِعُ حُرًّا أَوْ عَبْدًا أَوْ دَابَّةً فَضَمَانُهُ عَلَيْهِ ، بِذَلِكَ قَضَى شُرَيْحٌ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ مِنْهُمْ ، وَلَوْ سَقَاهُ سُمًّا فَقَتَلَهُ فَهُوَ مُسَبِّبٌ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهُ مُبَاشَرَةً وَلَا هُوَ مَوْضُوعٌ لِلْقَتْلِ ، وَلِهَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الطَّبَائِعِ ، وَإِنْ 505 دَفَعَهُ إِلَيْهِ فَشَرِبَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى عَاقِلَتِهِ ; لِأَنَّ الشَّارِبَ هُوَ الَّذِي قَتَلَ نَفْسَهُ ، فَصَارَ كَمَا إِذَا تَعَمَّدَ الْوُقُوعَ فِي الْبِئْرِ .
قَالَ : ( وَكُلُّ ذَلِكَ يُوجِبُ حِرْمَانَ الْإِرْثِ إِلَّا الْقَتْلَ بِسَبَبٍ ) قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " لًا مِيرَاثَ لِقَاتِلٍ " ، وَالْمُسَبِّبُ لَيْسَ بِقَاتِلٍ وَلَا مُتَّهَمٍ ; لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّ مُوَرِّثَهُ يَقَعُ فِي الْبِئْرِ وَهُوَ مُتَّهَمٌ فِي الْخَطَأِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ قَصَدَ ذَلِكَ فِي الْبَاطِنِ .
قَالَ : ( وَلَوْ مَاتَ فِي الْبِئْرِ غَمًّا أَوْ جُوعًا فَهُوَ هَدَرٌ ) وَقَالَ مُحَمَّدٌ : يَضْمَنُ الْحَافِرُ فِيهِمَا . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : يَضْمَنُ فِي الْغَمِّ دُونَ الْجُوعِ ; لِأَنَّ الْغَمَّ بِسَبَبِ الْبِئْرِ وَالْوُقُوعِ فِيهَا ، أَمَّا الْجُوعُ بِسَبَبِ فَقْدِ الطَّعَامِ وَلَا مَدْخَلِ لِلْبِئْرِ فِي ذَلِكَ . وَلِمُحَمَّدٍ أَنَّ الْجُوعَ أَيْضًا بِسَبَبِ الْوُقُوعِ إِذْ لَوْلَاهُ لَكَانَ الطَّعَامُ قَرِيبًا مِنْهُ . وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ بِالْوُقُوعِ فَلَا يَضْمَنُ ، وَإِنَّمَا مَاتَ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ وَهُوَ الْجُوعُ وَالْغَمُّ ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُضَافٍ إِلَى الْحَافِرِ فَلَا يَكُونُ مُسَبِّبًا .
قَالَ : ( وَالْكَفَّارَةُ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ) لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - : ( فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ) وَلَا يُجْزِئُ فِيهَا الطَّعَامُ لِأَنَّ الْكَفَّارَاتِ لَا تُعْلَمُ إِلَّا نَصًّا وَلَا نَصَّ فِيهِ .
المالكية
المدونة
اقرأ →
575 كِتَابُ الْجِنَايَاتِ
فِي الْعَبْدِ يَقْتُلُ رَجُلًا لَهُ وَلِيَّانِ فَيَعْفُو أَحَدُهُمَا عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ جَمِيعُ الْعَبْدِ .
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ : أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ عَبْدًا قَتَلَ رَجُلًا لَهُ وَلِيَّانِ ، فَعَفَا أَحَدُهُمَا عَنْ الْعَبْدِ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ جَمِيعَهُ ، فَرَضِيَ بِذَلِكَ سَيِّدُ الْعَبْدِ وَدَفَعَهُ إلَيْهِ ، أَيَجُوزُ لَهُ جَمِيعُ الْعَبْدِ أَمْ لَا ؟ قَالَ : لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَأَرَى ، إنْ دَفَعَ سَيِّدُهُ نِصْفَ الدِّيَةِ إلَى أَخِيهِ جَازَ لَهُ مَا صَنَعَ ، وَإِنْ أَبَى كَانَ الَّذِي عَفَا بِالْخِيَارِ ، إنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ بَيْنَهُمَا كَانَ ذَلِكَ لَهُ ، وَإِنْ أَبَى رَدَّهُ . فَإِنْ أَحَبَّا أَنْ يَقْتُلَا الْعَبْدَ قَتَلَا ، وَإِنْ أَحَبَّا أَنْ يَعْفُوَا عَفَوَا ، فَإِنْ عَفَوَا كَانَ السَّيِّدُ بِالْخِيَارِ ، إنْ شَاءَ أَنْ يَفْتَدِيَهُ بِالدِّيَةِ فَعَلَ ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُسْلِمَهُ إلَيْهِمَا أَسْلَمَهُ . وَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ : وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَيْضًا : إنَّ الْوَلِيَّ لَمْ يَدْخُلْ عَلَى أَخِيهِ فِي نِصْفِ الْعَبْدِ فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا لِشَرِكَتِهِمَا فِي الدَّمِ .
فِي الْعَبْدِ يَقْتُلُ رَجُلًا لَهُ وَلِيَّانِ فَيَعْفُو أَحَدُهُمَا عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ جَمِيعُ الْعَبْدِ .
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ : أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ عَبْدًا قَتَلَ رَجُلًا لَهُ وَلِيَّانِ ، فَعَفَا أَحَدُهُمَا عَنْ الْعَبْدِ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ جَمِيعَهُ ، فَرَضِيَ بِذَلِكَ سَيِّدُ الْعَبْدِ وَدَفَعَهُ إلَيْهِ ، أَيَجُوزُ لَهُ جَمِيعُ الْعَبْدِ أَمْ لَا ؟ قَالَ : لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَأَرَى ، إنْ دَفَعَ سَيِّدُهُ نِصْفَ الدِّيَةِ إلَى أَخِيهِ جَازَ لَهُ مَا صَنَعَ ، وَإِنْ أَبَى كَانَ الَّذِي عَفَا بِالْخِيَارِ ، إنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ بَيْنَهُمَا كَانَ ذَلِكَ لَهُ ، وَإِنْ أَبَى رَدَّهُ . فَإِنْ أَحَبَّا أَنْ يَقْتُلَا الْعَبْدَ قَتَلَا ، وَإِنْ أَحَبَّا أَنْ يَعْفُوَا عَفَوَا ، فَإِنْ عَفَوَا كَانَ السَّيِّدُ بِالْخِيَارِ ، إنْ شَاءَ أَنْ يَفْتَدِيَهُ بِالدِّيَةِ فَعَلَ ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُسْلِمَهُ إلَيْهِمَا أَسْلَمَهُ . وَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ : وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَيْضًا : إنَّ الْوَلِيَّ لَمْ يَدْخُلْ عَلَى أَخِيهِ فِي نِصْفِ الْعَبْدِ فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا لِشَرِكَتِهِمَا فِي الدَّمِ .
الذخيرة
اقرأ →
كتاب الجنايات
الشافعية
روضة الطالبين وعمدة المفتين
اقرأ →
كتاب الجنايات
الحنابلة
كشاف القناع عن متن الإقناع
اقرأ →
( كِتَابُ الْجِنَايَاتِ وَهِيَ جَمْعُ جِنَايَةٍ وَهِيَ ) لُغَةً التَّعَدِّي عَلَى بَدَنٍ أَوْ مَالٍ ، وَشَرْعًا ( التَّعَدِّي عَلَى الْأَبْدَانِ بِمَا يُوجِبُ قِصَاصًا أَوْ غَيْرَهُ ) أَيْ مَالًا أَوْ كَفَّارَةً وَسَمَّوْا الْجِنَايَةَ عَلَى الْأَمْوَالِ غَصْبًا وَنَهْبًا وَسَرِقَةً وَخِيَانَةً وَإِتْلَافًا ( قَتْلُ الْآدَمِيِّ بِغَيْرِ حَقٍّ ) بِأَنْ لَا يَكُونَ مُرْتَدًّا ، أَوْ زَانِيًا مُحْصَنًا ، أَوْ قَاتِلًا لِمُكَافِئِهِ ، أَوْ حَرْبِيًّا ( ذَنْبٌ كَبِيرٌ وَفَاعِلُهُ فَاسِقٌ ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى 504 { وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا } الْآيَةَ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ : الثَّيِّبُ الزَّانِي ، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ( وَأَمْرُهُ ) أَيْ الْقَاتِلِ ( إلَى اللَّهِ إنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى { إنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } ( وَتَوْبَتُهُ مَقْبُولَةٌ ) لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ .
وَخَالَفَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا } الْآيَةَ وَهِيَ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ لَمْ يَنْسَخْهُمَا شَيْءٌ وَحُجَّةُ الْأَكْثَرِ أَنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ فَهُوَ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ وَالْآيَةُ الْأُولَى مَحْمُولَةٌ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ مُسْتَحِلًّا وَلَمْ يَتُبْ أَوْ عَلَى أَنَّ هَذَا جَزَاؤُهُ إنْ جَازَاهُ ، وَلَهُ الْعَفْوُ إنْ شَاءَ لَا يُقَالُ لَفْظُ الْآيَةِ لَفْظُ الْخَبَرِ ، وَالْأَخْبَارُ لَا يَدْخُلُهَا النَّسْخُ لِأَنَّا نَقُولُ يَدْخُلُهَا التَّخْصِيصُ وَالتَّأْوِيلُ ( وَلَا يَسْقُطُ حَقُّ الْمَقْتُولِ فِي الْآخِرَةِ بِمُجَرَّدِ التَّوْبَةِ ) كَسَائِرِ حُقُوقِهِ .
( قَالَ الشَّيْخُ : فَعَلَى هَذَا يَأْخُذُ الْمَقْتُولُ مِنْ حَسَنَاتِ الْقَاتِلِ بِقَدْرِ مَظْلِمَتِهِ ) بِكَسْرِ اللَّامِ وَفَتْحِهَا .
( فَإِنْ اُقْتُصَّ ) لِلْمَقْتُولِ مِنْ الْقَاتِلِ أَوْ عَفَا عَنْهُ أَيْ عَفَا وَلِيُّهُ عَنْ الْقِصَاصِ ( فَهَلْ يُطَالِبُهُ الْمَقْتُولُ فِي الْآخِرَةِ عَلَى وَجْهَيْنِ ) أَحَدُهُمَا يُطَالِبُهُ وَيُؤَيِّدُهُ مَا .
( قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي حَدِيثِ صَاحِبِ النِّسْعَةِ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ مَشْهُورٌ ) فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : إنَّمَا تُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِكَ وَإِثْمِ صَاحِبِكِ } ( فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ قَتْلَ الْقِصَاصِ لَا يُكَفِّرُ ذَنْبَ الْقَاتِلِ بِالْكُلِّيَّةِ ، وَإِنْ كَفَّرَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ فَهُوَ ) أَيْ قَتْلُ الْقِصَاصِ ( كَفَّارَةٌ لَهُ ) أَيْ لِحَقِّ اللَّهِ ( وَيَبْقَى حَقُّ الْمَقْتُولِ ) فَلَهُ الطَّلَبُ بِهِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ فِي بَابِ النُّونِ مَعَ السِّينِ : النِّسْعَةُ بِالْكَسْرِ سَيْرٌ مَضْفُورٌ يُجْعَلُ زِمَامًا لِلْبَعِيرِ وَغَيْرِهِ ، وَقَدْ يُنْسَجُ عَرِيضَةً تُجْعَلُ عَلَى صَدْرِ الْبَعِيرِ ( وَيَأْتِي فِي بَابِ الْمُرْتَدِّ لَهُ تَتِمَّةٌ ) وَتَوْضِيحٌ .
وَخَالَفَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا } الْآيَةَ وَهِيَ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ لَمْ يَنْسَخْهُمَا شَيْءٌ وَحُجَّةُ الْأَكْثَرِ أَنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ فَهُوَ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ وَالْآيَةُ الْأُولَى مَحْمُولَةٌ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ مُسْتَحِلًّا وَلَمْ يَتُبْ أَوْ عَلَى أَنَّ هَذَا جَزَاؤُهُ إنْ جَازَاهُ ، وَلَهُ الْعَفْوُ إنْ شَاءَ لَا يُقَالُ لَفْظُ الْآيَةِ لَفْظُ الْخَبَرِ ، وَالْأَخْبَارُ لَا يَدْخُلُهَا النَّسْخُ لِأَنَّا نَقُولُ يَدْخُلُهَا التَّخْصِيصُ وَالتَّأْوِيلُ ( وَلَا يَسْقُطُ حَقُّ الْمَقْتُولِ فِي الْآخِرَةِ بِمُجَرَّدِ التَّوْبَةِ ) كَسَائِرِ حُقُوقِهِ .
( قَالَ الشَّيْخُ : فَعَلَى هَذَا يَأْخُذُ الْمَقْتُولُ مِنْ حَسَنَاتِ الْقَاتِلِ بِقَدْرِ مَظْلِمَتِهِ ) بِكَسْرِ اللَّامِ وَفَتْحِهَا .
( فَإِنْ اُقْتُصَّ ) لِلْمَقْتُولِ مِنْ الْقَاتِلِ أَوْ عَفَا عَنْهُ أَيْ عَفَا وَلِيُّهُ عَنْ الْقِصَاصِ ( فَهَلْ يُطَالِبُهُ الْمَقْتُولُ فِي الْآخِرَةِ عَلَى وَجْهَيْنِ ) أَحَدُهُمَا يُطَالِبُهُ وَيُؤَيِّدُهُ مَا .
( قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي حَدِيثِ صَاحِبِ النِّسْعَةِ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ مَشْهُورٌ ) فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : إنَّمَا تُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِكَ وَإِثْمِ صَاحِبِكِ } ( فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ قَتْلَ الْقِصَاصِ لَا يُكَفِّرُ ذَنْبَ الْقَاتِلِ بِالْكُلِّيَّةِ ، وَإِنْ كَفَّرَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ فَهُوَ ) أَيْ قَتْلُ الْقِصَاصِ ( كَفَّارَةٌ لَهُ ) أَيْ لِحَقِّ اللَّهِ ( وَيَبْقَى حَقُّ الْمَقْتُولِ ) فَلَهُ الطَّلَبُ بِهِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ فِي بَابِ النُّونِ مَعَ السِّينِ : النِّسْعَةُ بِالْكَسْرِ سَيْرٌ مَضْفُورٌ يُجْعَلُ زِمَامًا لِلْبَعِيرِ وَغَيْرِهِ ، وَقَدْ يُنْسَجُ عَرِيضَةً تُجْعَلُ عَلَى صَدْرِ الْبَعِيرِ ( وَيَأْتِي فِي بَابِ الْمُرْتَدِّ لَهُ تَتِمَّةٌ ) وَتَوْضِيحٌ .
شرح منتهى الإرادات
اقرأ →
كتاب الجنايات
الإنصاف
اقرأ →
كتاب الجنايات
الفروع
اقرأ →
622 كِتَابُ الْجِنَايَاتِ وَهِيَ : عَمْدٌ يَخْتَصُّ الْقَوَدُ بِهِ ، وَشِبْهُ عَمْدٍ ، وَخَطَأٌ . فَالْعَمْدُ أَنْ يَقْصِدَ مَنْ يَعْلَمُهُ آدَمِيًّا مَعْصُومًا بِمَا يَقْتُلُهُ غَالِبًا ، مِثْلَ أَنْ يَضْرِبَهُ بِحَجَرٍ كَبِيرٍ أَوْ سَنْدَانَ أَوْ لَتٍّ وَهُوَ مَعْرُوفٌ مِنْ السِّلَاحِ أَوْ كُوذَيْنِ وَهُوَ مَا يَدُقُّ بِهِ الدَّقَّاقُ الثِّيَابَ أَوْ خَشَبَةٌ كَبِيرَةٌ ، وَكُلُّ شَيْءٍ فَوْقَ عَمُودِ الْفُسْطَاطِ لَا كَهُوَ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَهُوَ الْخَشَبَةُ الَّتِي يَقُومُ عَلَيْهَا بَيْتُ الشَّعْرِ ، وَنَقَلَ ابْنُ مُشَيْشٍ : يَجِبُ الْقَوَدُ إذَا ضَرَبَهُ بِمِثْلِ عَمُودِ الْفُسْطَاطِ وَكُوذَيْنِ الْقَصَّارِ وَالصَّخْرَةِ وَبِمَا يَقْتُلُ مِثْلُهُ احْتَجُّوا بِهِ فِي الْقَتْلِ بِالْمُثْقَلِ ، وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَالَ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ وَغَيْرِهَا : نَاقِضُ الْعَهْدِ يُقْتَلُ بِالسَّيْفِ لَا بِالْحَجَرِ ، إجْمَاعًا .
أَوْ يُكَرَّرُ ضَرْبُهُ بِصَغِيرٍ ، نَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ ، أَوْ مَرَّةً بِهِ فِي مَقْتَلٍ ، وَفِيهِمَا وَجْهٌ فِي الْوَاضِحِ ، وَفِي الْأُولَى فِي الِانْتِصَارِ : هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ .
أَوْ يُكَرَّرُ ضَرْبُهُ بِصَغِيرٍ ، نَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ ، أَوْ مَرَّةً بِهِ فِي مَقْتَلٍ ، وَفِيهِمَا وَجْهٌ فِي الْوَاضِحِ ، وَفِي الْأُولَى فِي الِانْتِصَارِ : هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ .
المبدع في شرح المقنع
اقرأ →
كتاب الجنايات
المبدع في شرح المقنع
اقرأ →
كتاب الجنايات
المقارن
بداية المجتهد ونهاية المقتصد
اقرأ →
كتاب الجنايات