جزاء الصيد

الحنفية

المبسوط اقرأ →
باب جزاء الصيد

الشافعية

الأم اقرأ →
باب جزاء الصيد
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام … اقرأ →
286 بَابُ جَزَاءِ الصَّيْدِ
مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ : فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ، ( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) وَالنَّعَمُ : الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا كَمَا قَالَ ، إِذَا قَتَلَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا لَهُ مِثْلٌ مِنَ النَّعَمِ فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ مِنَ النَّعَمِ ، وَالنَّعَمُ : الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ فَيَلْزَمُهُ مِثْلُهُ فِي الشَّبَهِ وَالصُّورَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُعْتَبَرَ قِيمَةُ الصَّيْدِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تُعْتَبَرُ قِيمَةُ الصَّيْدِ ، فَيُقَوَّمُ الصَّيْدُ دَرَاهِمَ ، ثُمَّ تُصْرَفُ الدَّرَاهِمُ إِلَى النَّعَمِ لِيَشْتَرِيَ بِهَا مِنَ النَّعَمِ مَا يَجُوزُ أُضْحِيَةً ، وَلَا اعْتِبَارَ بِمِثْلِ الصَّيْدِ مِنَ النَّعَمِ فِي الصُّورَةِ وَالشَّبَهِ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ [ الْمَائِدَةِ 95 ] ، وَاسْتِدْلَالُهُمْ بِهَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ :
أَحَدُهَا : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ فِي الْجَزَاءِ الْمِثْلَ مِنَ النَّعَمِ ، وَالْمِثْلُ فِي الشَّرْعِ إِمَّا أَنْ يَتَنَاوَلَ الْمِثْلَ مِنَ الْجِنْسِ فِي الصُّورَةِ وَالشَّبَهِ ، وَهَذَا قَدْ يَكُونُ مِثْلًا شَرْعًا وَلُغَةً ، وَإِمَّا أَنْ يَتَنَاوَلَ الْقِيمَةَ فَيَكُونَ مِثْلًا شَرْعًا لَا لُغَةً ، أَوْ لَا يَتَنَاوَلُ الْمِثْلَ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ لَا شَرْعًا وَلَا لُغَةً .
وَإِذَا كَانَ الْمِثْلُ يَتَنَاوَلُ أَحَدَ هَذَيْنِ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَا مُرَادَيْنِ وَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ الْمِثْلُ مِنَ الْجِنْسِ مُرَادًا وَهُوَ أَنْ يَجِبَ فِي النَّعَامَةِ نَعَامَةٌ وَمِنَ الْحِمَارِ حِمَارٌ - ثَبَتَ أَنَّ الْمِثْلَ مِنْ طَرِيقِ الْقِيمَةِ مُرَادًا .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى : مِنَ النَّعَمِ يَعْنِي أَنَّهُ يُصْرَفُ قِيمَةُ الصَّيْدِ فِي النَّعَمِ .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي : مِنَ الْاسْتِدْلَالِ بِالْآيَةِ أَنَّهُ قَالَ : يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْمِثْلَ فِي الصُّورَةِ وَالشَّبَهِ لَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى حُكْمِ عَدْلَيْنِ : لِأَنَّهُ يُدْرَكُ بِالْمُشَاهَدَةِ وَالنَّظَرِ الَّذِي يَسْتَوِي فِيهِ الْعَادِلُ ، وَالْفَاسِقُ ، وَالْعَالِمُ ، وَالْجَاهِلُ ، فَثَبَتَ أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ الْقِيمَةُ الَّتِي تَفْتَقِرُ إِلَى تَقْوِيمٍ وَاجْتِهَادٍ وَيُرْجَعُ فِيهَا إِلَى الْعُدُولِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِهَا .
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ : مِنَ الْاسْتِدْلَالِ بِهَا : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ الْمِثْلَ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ ، وَهَذَا 287 الْمِثْلُ فِي الْجَزَاءِ رَاجِعٌ إِلَى جَمِيعِ الصَّيْدِ ، وَالْمِثْلُ فِي جَمِيعِهِ وَاحِدٌ ، فَلَمَّا كَانَ الْمُرَادُ بِالْمِثْلِ - فِيمَا لَيْسَ لَهُ مِنَ النَّعَمِ مِثْلٌ - الْقِيمَةَ دُونَ مَا كَانَ مِثْلًا فِي الشَّبَهِ وَالصُّورَةِ ؛ إِذِ الْمُرَادُ بِالْمِثْلِ فِي جَمِيعِ الصَّيْدِ الْقِيمَةُ دُونَ مَا كَانَ مِثْلًا فِي الشَّبَهِ وَالصُّورَةِ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَذْكُرَ اللَّهُ تَعَالَى مِثْلًا وَاحِدًا لِجَمِيعِ الصَّيْدِ ، فَيَجْعَلَ لِمِثْلِ بَعْضِهِ حُكْمًا وَلِمِثْلِ بَاقِيهِ حُكْمًا !
وَرُبَّمَا جَوَّزُوا هَذَا الِاسْتِدْلَالَ قِيَاسًا فَقَالُوا : لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ مَمْنُوعٌ مِنْ إِتْلَافِهِ بِحُرْمَةِ الْإِحْرَامِ
فَوَجَبَ أَنْ يَجِبَ بِقَتْلِهِ قِيمَتُهُ قِيَاسًا عَلَى مَا لَا مِثْلَ لَهُ مِنَ الْعُصْفُورِ وَغَيْرِهِ .
قَالُوا : وَلِأَنَّهَا عَيْنٌ مَضْمُونَةٌ فَوَجَبَ : إِذْ لَمْ تُضْمَنْ بِالْمِثْلِ مِنْ جِنْسِهَا أَنْ تَكُونَ مَضْمُونَةً بِقِيمَتِهَا كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ .
قَالُوا : وَلِأَنَّ إِيجَابَ مِثْلِهِ فِي الشَّبَهِ وَالصَّوْتِ يُفْضِي إِلَى أَنْ يَجِبَ فِي مُتْلَفٍ وَاحِدٍ بَدَلَانِ مُخْتَلِفَانِ فَيَلْزَمَ مَنْ قَتَلَ صَيْدًا مَمْلُوكًا قِيمَتُهُ لِمَالِكِهِ ، وَهِيَ مِثْلٌ وَجَزَاؤُهُ بِالْمِثْلِ فِي الشَّبَهِ وَالصُّورَةِ ، وَهِيَ مِثْلٌ فَيَخْتَلِفَ الْمِثْلَانِ فِي الْعَيْنِ الْوَاحِدَةِ : وَهَذَا فِي الْأُصُولِ مُمْتَنِعٌ : وَالدَّلَالَةُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى : فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ .
وَالِاسْتِدْلَالُ بِهَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ :
أَحَدُهَا : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ الْمِثْلَ ، وَإِطْلَاقُ الْمِثْلِ يَتَنَاوَلُ الْمِثْلَ فِي الصُّورَةِ وَالْجِنْسِ حَتَّى يَجِبَ فِي النَّعَامَةِ نَعَامَةٌ ، وَفِي الْغَزَالِ غَزَالٌ ، فَلَمَّا قَيَّدَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ بِالْمِثْلِ مِنَ النَّعَمِ انْصَرَفَ الْمِثْلُ عَنِ الْجِنْسِ إِلَى الْمِثْلِ مِنَ النَّعَمِ بَقِيَ الْمِثْلُ فِي الشَّبَهِ وَالصُّورَةِ عَلَى مَا كَانَ يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ الْآيَةِ .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي : مِنَ الْاسْتِدْلَالِ بِهَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الْمِثْلَ مِنَ النَّعَمِ وَالْقِيمَةَ إِنْ كَانَتْ مِثْلًا فَهِيَ مِنَ الدَّرَاهِمِ : فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُعْدَلَ عَمَّا نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ مِنَ النَّعَمِ إِلَى مَا لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ مِنَ الدَّرَاهِمِ ، وَلَمْ يَقُلْ : " فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ الدَّرَاهِمِ " تَصَرَّفَ فِي النَّعَمِ فَيَصِحُّ لَهُمُ الْمَذْهَبُ .
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ : مِنَ الْاسْتِدْلَالِ بِهَا : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ وَذَلِكَ كِنَايَةٌ تَرْجِعُ إِلَى مَا تَقَدَّمَ ، وَلَيْسَ يَخْلُو أَنْ تَرْجِعَ إِلَى جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ أَوْ إِلَى أَقْرَبِ الْمَذْكُورِ مِنْهُ .
فَإِنْ رَجَعَتْ إِلَى جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ كَانَتْ رَاجِعَةً إِلَى الْمِثْلِ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ ، وَإِنْ رَجَعَتْ إِلَى أَقْرَبِ الْمَذْكُورِ كَانَتْ رَاجِعَةً إِلَى النَّعَمِ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ : الْكِنَايَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ لَيْسَتْ رَاجِعَةً إِلَى جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ وَلَا إِلَى أَقْرَبِ الْمَذْكُورِ 288 مِنْهُ ، وَإِنَّمَا تَرْجِعُ إِلَى أَبْعَدِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ الْمِثْلُ دُونَ النَّعَمِ : لِأَنَّ عِنْدَهُ أَنَّ ذَوَيْ عَدْلٍ إِنَّمَا يَحْكُمَانِ بِالْقِيمَةِ دُونَ النَّعَمِ .
وَعِنْدَنَا أَنَّهُمَا يَحْكُمَانِ بِالْمِثْلِ مِنَ النَّعَمِ ، وَمَا قُلْنَاهُ أَوْلَى بِالظَّاهِرِ وَأَحَقُّ بِالتِّبْيَانِ .
وَمِنَ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ ۝ حَدِيثُ جَابِرٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الضَّبُعِ : أَصِيدٌ هُوَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قِيلَ : أَيُؤْكَلُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قِيلَ : فِيهِ كَبْشٌ إِذَا أَصَابَهُ الْمُحْرِمُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَقِيلَ : وَسَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : نَعَمْ ، فَصَارَ كَأَنَّهُ رَوَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " ۝ الضَّبُعُ صَيْدٌ يُؤْكَلُ ، وَفِيهِ كَبْشٌ إِذَا أَصَابَهُ الْمُحْرِمُ ، وَفِي هَذَا الْخَبَرِ اسْتِدْلَالٌ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّ النبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْجَبَ مِنَ الضَّبُعِ كَبْشًا ، وَأَبُو حَنِيفَةَ يُوجِبُ الْقِيمَةَ وَلَا يُوجِبُ الْكَبْشَ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ جَعَلَ الْكَبْشَ بَدَلًا مُقَدَّرًا ، وَالْقِيمَةُ لَا تَتَقَدَّرُ وَإِنَّمَا تَكُونُ اجْتِهَادًا .
وَالثَّالِثُ : أَنَّهُ قَدَّرَهُ بِكَبْشٍ ، جَعَلَهُ كُلَّ مُوجِبِهِ : وَذَلِكَ يَمْنَعُ مِنَ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ وَالنُّقْصَانِ مِنْهُ .
وَالرَّابِعُ : أَنَّهُ نَصَّ عَلَى الْكَبْشِ فِي جَزَاءِ الضَّبُعِ وَخَصَّهُ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْحَيَوَانِ ، فَعُلِمَ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ فِي جَزَاءِ الضَّبُعِ ، وَأَنَّ الْقِيمَةَ لَا تَجِبُ إِذْ وَجَبَتِ الْقِيمَةُ لَجَازَ صَرْفُهَا فِي الْكَبْشِ وَغَيْرِهِ ، وَكَمَا كَانَ لِلْكَبْشِ اخْتِصَاصٌ بِهِ .
وَمِنَ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ؛ وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَعُثْمَانَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَمُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ حَكَمُوا فِي قَضَايَا مُخْتَلِفَةٍ فِي بُلْدَانٍ شَتَّى ، وَأَوْقَاتٍ مُتَبَايِنَةٍ فِي الضَّبُعِ بِكَبْشٍ ، وَفِي النَّعَامَةِ بِبَدَنَةٍ ، فَلَمَّا اتَفَقَتْ أَحْكَامُهُمْ فِي الْبُلْدَانِ الْمُخْتَلِفَةِ وَالْأَوْقَاتِ الْمُتَبَايِنَةِ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ مِثْلُهُ مِنَ النَّعَمِ دُونَ قِيمَتِهِ : لِأَمْرَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْقِيمَةَ قَدْ تَزِيدُ فِي بَلَدٍ ، وَتَنْقُصُ فِي غَيْرِهِ ، وَتَزِيدُ فِي وَقْتٍ وَتَنْقُصُ فِي غَيْرِهِ .
وَالثَّانِيَةُ أَنَّهُمْ قَدْ حَكَمُوا فِيهِ بِأَكْثَرِ مِنْ قِيمَتِهِ : لِأَنَّهُمْ حَكَمُوا فِي النَّعَامَةِ بِبَدَنَةٍ وَلَا تُسَاوِي بَدَنَةً ، وَحَكَمُوا فِي الضَّبُعِ بِكَبْشٍ وَهُوَ لَا يُسَاوِي كَبْشًا فَإِنْ قِيلَ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَافَقَ قِيمَةُ الضَّبُعِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَبْشًا ، وَقِيمَةُ النَّعَامَةِ بَدَنَةً .
289 قِيلَ عَنْ هَذَا جَوَابَانِ :
أَحَدُهُمَا : لَوْ جَازَ أَنْ يُوَافِقَ ذَلِكَ فِي وَقْتٍ لَجَازَ أَنْ يُخَالِفَهُ فِي غَيْرِهِ ، وَقَدِ اتَّفَقَ حُكْمُهُمْ فِي كُلِّ وَقْتٍ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُمْ قَدْ أَوْجَبُوا فِي الْأَرْنَبِ عِنَاقًا وَفِي الْيَرْبُوعِ جَفْرَةً ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُصْرَفَ قِيمَةُ الصَّيْدِ فِي عِنَاقٍ وَلَا جَفْرَةٍ وَإِنَّمَا تُصْرَفُ فِيمَا يَجُوزُ أُضْحِيَةً ( وْجَبَ أَنْ يَتَنَوَّعَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى إِلَى نَوْعَيْنِ : نَوْعٌ يُضْمَنُ بِالْمِثْلِ ، وَنَوْعٌ يُضْمَنُ بِالْقِيمَةِ ) .
فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمْ حَكَمُوا بِالْمِثْلِ ، وَلَمْ يَحْكُمُوا بِالْقِيمَةِ .
وَمِنَ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى أَنَّهُ تَكْفِيرُ قَتْلٍ بِحَيَوَانٍ فَوَجَبَ أَلَّا تُعْتَبَرَ فِيهِ قِيمَةُ الْمَقْتُولِ مِنَ الْحَيَوَانِ قِيَاسًا عَلَى كَفَّارَةِ قَتْلِ الْآدَمِيِّينَ : وَلِأَنَّهُ تَكْفِيرٌ بِحَيَوَانٍ وَجَبَ بِحُرْمَةِ الْإِحْرَامِ ، فَوَجَبَ أَلَّا تُعْتَبَرَ فِيهِ الْقِيمَةُ كَكَفَّارَةِ الْأَذَى وَغَيْرِهَا مِنْ سَائِرِ الدِّمَاءِ : وَلِأَنَّ الْحُقُوقَ الْمَضْمُونَةَ بِالْإِتْلَافِ حَقَّانِ : حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى ، وَحَقٌّ لِآدَمِيٍّ . فَلَمَّا كَانَ حَقُّ الْآدَمِيِّ يَتَنَوَّعُ نَوْعَيْنِ : نَوْعٌ يُضْمَنُ بِالْمِثْلِ ، وَنَوْعٌ يُضْمَنُ بِالْقِيمَةِ ، وَجَبَ أَنْ يَتَنَوَّعَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى نَوْعَيْنِ : نَوْعٌ يُضْمَنُ بِالْمِثْلِ ، وَنَوْعٌ يُضْمَنُ بِالْقِيمَةِ .
وَتَحْرِيرُ ذَلِكَ قِيَاسًا أَنَّهُ أَحَدُ جِنْسَيْ مَا يُضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ فَوَجَبَ أَنْ يَتَنَوَّعَ ضَمَانُهُ نَوْعَيْنِ :
مِثْلًا وَقِيمَةً كَحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ .
الْجَوَابُ : أَمَّا اسْتِدْلَالُهُمُ الْأَوَّلُ مِنَ الْآيَةِ وَهُوَ قَوْلُهُمْ : إِنَّ الْمِثْلَ إِمَّا أَنَّهُ يَكُونُ فِي الصُّورَةِ وَالْجِنْسِ ، أَوْ فِي الْقِيمَةِ .
فَالْجَوَابُ عَنْهُ : أَنَّ الْمِثْلَ إِذَا وَرَدَ مُطْلَقًا حُمِلَ عَلَى أَحَدِ هَذَيْنِ ، فَأَمَّا إِذَا وَرَدَ مُقَيَّدًا فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى تَقْيِيدِهِ ، وَقَدْ قَيَّدَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ بِالْمِثْلِ مِنَ النَّعَمِ فَوَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ .
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمُ الثَّانِي مِنَ الْآيَةِ وَهُوَ قَوْلُهُمْ : إِنَّ الْمِثْلَ فِي الصُّورَةِ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى اجْتِهَادٍ وَعَدْلَيْنِ : لِأَنَّهُ يُدْرَكُ بِالْمُشَاهَدَةِ ، وَإِنَّمَا تَفْتَقِرُ إِلَى ذَلِكَ الْقِيمَةُ .
فَالْجَوَابُ : أَنَّ الِاجْتِهَادَ فِي الْمِثْلِ فِي النَّعَمِ أَخْفَى مِنَ الْاجْتِهَادِ فِي الْقِيمَةِ : لِأَنَّ الْقِيمَةَ قَدْ يَعْرِفُهَا سُوقَةُ النَّاسِ وَعَوَامُّهُمْ ، وَالْمِثْلُ إِنَّمَا يَعْرِفُهُ خَوَاصُّهُمْ وَعُلَمَاؤُهُمْ ؟ فَكَانَ بِاجْتِهَادِ عَدْلَيْنِ أَوْلَى .
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمُ الثَّالِثُ مِنَ الْآيَةِ وَهُوَ قَوْلُهُمْ : إِنَّ الْجَزَاءَ بِالْمِثْلِ رَاجِعٌ إِلَى جَمِيعِ الصَّيْدِ ، فَلَمَّا أُرِيدَ بِبَعْضِهِ الْقِيمَةُ دُونَ الْمِثْلِ وَهُوَ مَا لَا مِثْلَ لَهُ ، فَكَذَلِكَ مَا لَهُ مِثْلٌ .
290 فَالْجَوَابُ : أَنَّ الْآيَةَ إِنَّمَا تَنَاوَلَتْ مِنَ الصَّيْدِ مَا لَهُ مِثْلٌ مِنَ النَّعَمِ دُونَ مَا لَا مِثْلَ لَهُ ، وَإِنَّمَا وَجَبَتِ الْقِيمَةُ فِيمَا لَا مِثْلَ لَهُ بِالِاسْتِدْلَالِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُنَّةِ وَالْآثَارِ ، نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِ " الْأُمِّ " ، فَلَمْ يَسْلَمِ الِاسْتِدْلَالُ ، فَإِنْ حَرَّرُوهُ قِيَاسًا عَلَى الْعُصْفُورِ ، فَالْمَعْنَى فِي الْعُصْفُورِ أَنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ مِنَ النَّعَمِ : فَلِذَلِكَ وَجَبَتْ فِيهِ الْقِيمَةُ ، فَأَمَّا مَا لَهُ مِثْلٌ مِنَ النَّعَمِ فَالْوَاجِبُ فِيهِ الْمِثْلُ مِنَ النَّعَمِ دُونَ الْقِيمَةِ ، كَمَا أَنَّ أَمْوَالَ الْآدَمِيِّينَ تَجِبُ بِإِتْلَافِ مَا لَهُ مِثْلُ مِثْلِهِ دُونَ قِيمَتِهِ ، وَبِإِتْلَافِ مَا لَا مِثْلَ لَهُ الْقِيمَةُ .
وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى أَمْوَالِ الْآدَمِيِّينَ فَبَاطِلٌ بِقَتْلِ الْحَدِّ خَطَأً : لِأَنَّهُ لَا يُضْمَنُ بِالْمِثْلِ ؛ لِسُقُوطِ الْقَوَدِ وَلَا بِالْقَيِّمَةِ ؛ لِوُجُوبِ الدِّيَةِ ، وَلَيْسَتِ الدِّيَةُ قِيمَةً لِكَوْنِهَا إِبِلًا ثُمَّ لَمْ يَسْلَمْ مِنْ هَذَا الْقَدْحِ وَلَمْ يَصِحَّ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرُوا : لِأَنَّ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى يُضْمَنُ بِالْمَالِ وَغَيْرِ الْمَالِ وَهُوَ الصِّيَامُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ حَقُّ الْآدَمِيِّينَ فَاخْتَلَفَا .
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إِنَّ إِيجَابَ بَدَلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فِي مُتْلَفٍ وَاحِدٍ مُمْتَنِعٌ فِي الْأُصُولِ .
فَالْجَوَابُ : أَنَّ ذَلِكَ يَمْتَنِعُ فِي الْأُصُولِ إِذَا كَانَتْ جِهَةُ ضَمَانِهَا وَاحِدَةً ، فَأَمَّا مَعَ اخْتِلَافِ جِهَةِ ضَمَانِهَا فَلَا يَمْتَنِعُ اخْتِلَافُ الْبَدَلِ فِيهِمَا ؛ كَالْقَتْلِ يُضْمَنُ بِبَدَلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ : الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ ، عَلَى أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَمْتَنِعْ وُجُوبُ بَدَلَيْنِ فِي مُتْلَفٍ وَاحِدٍ ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مُخَالَفَةُ الْأُصُولِ لَمْ يَمْتَنِعْ أَنْ يَخْتَلِفَ الْبَدَلَانِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ مُخَالَفَةُ الْأُصُولِ .

الحنابلة

كشاف القناع عن متن الإقناع اقرأ →
باب جزاء الصيد
شرح منتهى الإرادات اقرأ →
بَابُ جَزَاءِ الصَّيْدِ تَفْصِيلًا وَهُوَ ( مَا يُسْتَحَقُّ بَدَلُهُ ) أَيْ الصَّيْدِ عَلَى مُتْلِفِهِ بِفِعْلٍ أَوْ سَبَبٍ ( مِنْ مِثْلِهِ ) أَيْ الصَّيْدِ ( وَمُقَارِبِهِ وَشِبْهِهِ ) وَلَوْ أَدْنَى مُشَابَهَةٍ عَلَى مَا يَأْتِي ، وَمِنْ قِيمَةِ مَا لَا مِثْلَ لَهُ ( وَيَجْتَمِعُ ) عَلَى مُتْلِفِ صَيْدٍ ( ضَمَانُ ) قِيمَتِهِ لِمَالِكٍ ( وَجَزَاءٌ ) لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ ( فِي ) صَيْدٍ ( مَمْلُوكٍ ) لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ مَضْمُونٌ بِالْكَفَّارَةِ فَجَازَ اجْتِمَاعُهُمَا فِيهِ كَالْعَبْدِ ( وَهُوَ ) أَيْ الصَّيْدُ ( ضَرْبَانِ مَا ) أَيْ ضَرْبٌ ( لَهُ مِثْلٌ ) أَيْ شَبِيهٌ ( مِنْ النَّعَمِ ) خِلْقَةً لَا قِيمَةً ( فَيَجِبُ فِيهِ ) ذَلِكَ الْمِثْلُ ( نَصًّا ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ } وَجَعَلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الضَّبُعِ كَبْشًا
( وَهُوَ ) أَيْ الصَّيْدُ الَّذِي لَهُ مِثْلٌ مِنْ النَّعَمِ ( نَوْعَانِ أَحَدُهُمَا : مَا قَضَتْ فِيهِ الصَّحَابَةُ ) فَيَجِبُ فِيهِ مَا قَضَتْ بِهِ نَصًّا لِأَنَّهُمْ أَعْرَفُ ، وَقَوْلُهُمْ أَقْرَبُ لِلصَّوَابِ .
وَفِي الْخَبَرِ { ۝ اقْتَدُوا بِاَلَّذِينَ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ } وَفِيهِ { ۝ أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ } وقَوْله تَعَالَى : { يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ } لَا يَقْتَضِي تَكْرَارَ الْحُكْمِ كَقَوْلِهِ : لَا تَضْرِبْ زَيْدًا وَمَنْ ضَرَبَهُ فَعَلَيْهِ دِينَارٌ ، لَا يَتَكَرَّرُ الدِّينَارُ بِضَرْبٍ وَاحِدٍ ( وَمِنْهُ ) أَيْ مَا قَضَتْ فِيهِ الصَّحَابَةُ ( فِي النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ ) 561 رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَزَيْدٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَمُعَاوِيَةَ لِأَنَّهَا تُشْبِهُهَا ( وَفِي حِمَارِ الْوَحْشِ ) بَقَرَةٌ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ .
( وَ ) فِي ( بَقَرِهِ ) أَيْ الْوَحْشِ بَقَرَةٌ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ( وَ ) فِي ( أُيَّلٍ ) بِوَزْنِ قُنَّبٍ وَخُلَّبٍ وَسُيَّدٍ وَهُوَ ذَكَرُ الْأَوْعَالِ قَالَهُ فِي الْإِنْصَافِ : بَقَرَةٌ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ ( وَ ) فِي ( ثيتل ) بِوَزْنِ جَعْفَرٍ ،
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : الْوَعِلُ الْمَسُّ بَقَرَةٌ ( وَ ) فِي ( وَعِلٍ ) بِفَتْحِ الْوَاوِ مَعَ الْعَيْنِ وَكَسْرِهَا وَسُكُونِهَا تَيْسُ الْجَبَلِ قَالَهُ فِي الْقَامُوسِ .
وَفِي الصِّحَاحِ : هُوَ الْأَرْوَى ( بَقَرَةٌ ) يُرْوَى عَنْ ابْنِ عُمَرَ فِي الْأَرْوَى : بَقَرَةٌ ( وَفِي الضَّبُعِ كَبْشٌ ) قَالَ الْإِمَامُ : حَكَمَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَبْشٍ انْتَهَى . وَقَضَى بِهِ عُمَرُ وَابْنُ عَبَّاسٍ ( وَفِي غَزَالٍ شَاةٌ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ وَرَوَى جَابِرٌ مَرْفُوعًا { ۝ فِي الظَّبْيِ شَاةٌ } قَالَهُ فِي شَرْحِهِ .
وَفِي الْمُبْدِعِ : قَضَى بِهِ عُمَرُ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ( وَفِي وَبْرٍ ) بِسُكُونِ الْبَاءِ : جَدْيٌ وَهُوَ دُوَيْبَّةٍ كَحْلَاءَ دُونَ السِّنَّوْرِ لَا ذَنَبَ لَهَا ( وَ ) فِي ( ضَبٍّ : جَدْيٌ ) قَضَى بِهِ عُمَرُ وَأَرْبَدُ ، وَالْوَبْرُ كَالضَّبِّ وَالْجَدْيُ الذَّكَرُ مِنْ أَوْلَادِ الْمَعْزِ لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ
( وَفِي يَرْبُوعٍ : جَفْرَةٌ لَهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ ) رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَجَابِرٍ ( وَفِي أَرْنَبٍ عَنَاقٌ ) أَيْ أُنْثَى مِنْ أَوْلَادِ الْمَعْزِ أَصْغَرُ مِنْ الْجَفْرَةِ يُرْوَى عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَضَى بِذَلِكَ ( وَفِي حَمَامٍ ) أَيْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُ ( وَهُوَ ) أَيْ الْحَمَامُ ( كُلُّ مَا عَبَّ الْمَاءَ ) أَيْ مَا وَقَعَ مِنْقَارُهُ فِيهِ وَكَرَعَ كَمَا تَكْرَعُ الشَّاةُ وَلَا يَأْخُذُ قَطْرَةً قَطْرَةً كَالدَّجَاجِ وَالْعَصَافِيرِ ( وَهَدَرَ ) أَيْ صَوَّتَ فَدَخَلَ فِيهِ فَوَاخِتُ وَوَرَاشِينُ وَقَطًا وَقُمْرِيٌّ وَدُبْسِيٌّ : طَائِرٌ لَوْنُهُ بَيْنَ السَّوَادِ وَالْحُمْرَةِ يُقَرْقِرُ ، وَنَحْوِهَا ( شَاةٌ ) نَصًّا قَضَى بِهِ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَنَافِعُ بْنُ عَبْدِ الْحَارِثِ فِي حَمَامِ الْحَرَمِ وَقِيسَ عَلَيْهِ حَمَامُ الْإِحْرَامِ .
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَضَى بِهِ فِي حَمَامِ الْإِحْرَامِ ( النَّوْعُ الثَّانِي : مَا لَمْ تَقْضِ فِيهِ الصَّحَابَةُ ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَلَهُ مِثْلٌ مِنْ النَّعَمِ ( وَيُرْجَعُ فِيهِ إلَى قَوْلِ عَدْلَيْنِ ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ } ( خَبِيرَيْنِ ) لِيَحْصُلَ الْمَقْصُودُ بِهِمَا فَيَحْكُمَانِ فِيهِ بِأَشْبَهِ الْأَشْيَاءِ بِهِ مِنْ حَيْثُ الْخِلْقَةُ لَا الْقِيمَةُ كَقَضَاءِ الصَّحَابَةِ وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُمَا أَوْ أَحَدِهِمَا فَقِيهًا لِظَاهِرِ الْآيَةِ
( وَيَجُوزُ كَوْنُ الْقَاتِلِ ) لِصَيْدٍ مَحْكُومٍ فِيهِ بِمِثْلٍ ( أَحَدُهُمَا ) أَيْ الْعَدْلَيْنِ ( أَوْ هُمَا ) فَيَحْكُمَانِ عَلَى أَنْفُسِهِمَا بِالْمِثْلِ لِعُمُومِ الْآيَةِ وَلِقَوْلِ عُمَرَ " اُحْكُمْ يَا أَرْبَدُ فِيهِ " أَيْ الضَّبِّ الَّذِي وَطِئَهُ أَرْبَدُ فَغَرَزَ ظَهْرَهُ رَوَاهُ 562 الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ .
قَالَ أَبُو الْوَفَاءِ عَلِيُّ بْنُ عَقِيلٍ ) إنَّمَا يَحْكُمُ الْقَاتِلُ لِلصَّيْدِ إذَا قَتَلَهُ ( خَطَأً أَوْ ) قَتَلَهُ ( لِحَاجَةِ ) أَكْلِهِ ( أَوْ ) قَتَلَهُ ( جَاهِلًا تَحْرِيمَهُ ) لِعَدَمِ إثْمِهِ إذَنْ قَالَ ( الْمُنَقِّحُ : وَهُوَ ) أَيْ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ ( قَوِيٌّ وَلَعَلَّهُ ) أَيْ قَوْلَ ابْنِ عَقِيلٍ ( مُرَادُهُمْ ) أَيْ الْأَصْحَابِ ( لِأَنَّ قَتْلَ الْعَمْدِ يُنَافِي الْعَدَالَةَ ) إنْ لَمْ يَتُبْ وَهِيَ شَرْطُ الْحُكْمِ
( وَيُضْمَنُ صَغِيرٌ ) بِمِثْلِهِ ( وَكَبِيرٌ ) بِمِثْلِهِ ( وَصَحِيحٌ ) بِمِثْلِهِ ( وَمَعِيبٌ بِمِثْلِهِ ( وَمَاخِضٌ ) أَيْ حَامِلٌ مِنْ صَيْدٍ ( بِمِثْلِهِ ) مِنْ النَّعَمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ } وَمِثْلُ الصَّغِيرِ صَغِيرٌ وَمِثْلُ الْمَعِيبِ مَعِيبٌ وَلِأَنَّ مَا ضُمِنَ بِالْيَدِ وَالْجِنَايَةِ يَخْتَلِفُ ضَمَانُهُ بِالصِّغَرِ وَالْعَيْبِ وَغَيْرِهِمَا كَالْبَهِيمَةِ وقَوْله تَعَالَى : { فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ } مُقَيَّدٌ بِالْمِثْلِ وَقَدْ أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى إيجَابِ مَا لَا يَصْلُحُ هَدْيًا ، كَالْجَفْرَةِ وَالْعَنَاقِ وَالْجَدْيِ وَإِنْ فُدِيَ الصَّغِيرُ أَوْ الْمَعِيبُ بِكَبِيرٍ صَحِيحٍ كَانَ أَفْضَلَ ( وَيَجُوزُ فِدَاءُ ) صَيْدٍ ( أَعْوَرَ مِنْ عَيْنٍ ) يُمْنَى أَوْ يُسْرَى .
( وَ ) فِدَاءُ صَيْدٍ ( أَعْرَجَ مِنْ قَائِمَةٍ ) يُمْنَى أَوْ يُسْرَى ( بِ ) مِثْلِهِ مِنْ النَّعَمِ ( أَعْوَرُ ) عَنْ الْأَعْوَرِ مِنْ أُخْرَى ، كَفِدَاءِ أَعْوَرِ يَمِينٍ بِأَعْوَرِ يَسَارٍ وَعَكْسِهِ .
( وَ ) أَعْرَجَ مِنْ قَائِمَةٍ بِمِثْلِهِ ( أَعْرَجَ مِنْ ) قَائِمَةٍ ( أُخْرَى ) كَأَعْرَجِ يَمِينٍ بِأَعْرَجِ يَسَارٍ وَعَكْسِهِ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ يَسِيرٌ ، وَنَوْعُ الْعَيْبِ وَاحِدٌ وَالْمُخْتَلِفُ مَحِلُّهُ
( وَ ) يَجُوزُ فِدَاءُ ( ذَكَرٍ بِأُنْثَى ) بَلْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ فِدَائِهِ بِذَكَرٍ ، كَمَا فِي الْإِقْنَاعِ لِأَنَّ لَحْمَهَا أَطْيَبُ وَأَرْطَبُ .
( وَ ) يَجُوزُ ( عَكْسُهُ ) أَيْ فِدَاءُ أُنْثَى بِذَكَرٍ لِأَنَّ لَحْمَهُ أَوْفَرُ وَ ( لَا ) يَجُوزُ فِدَاءُ ( أَعْوَرَ بِأَعْرَجَ وَنَحْوِ ذَلِكَ ) مِمَّا اخْتَلَفَ نَوْعُ عَيْبِهِ لِعَدَمِ الْمُمَاثَلَةِ ( الضَّرْبُ الثَّانِي ) مِنْ الصَّيْدِ ( مَا لَا مِثْلَ لَهُ ) مِنْ النَّعَمِ ( وَهُوَ بَاقِي الطَّيْرِ ، وَ ) يَجِبُ ( فِيهِ وَلَوْ أَكْبَرَ مِنْ الْحَمَامِ ) كَإِوَزٍّ ( قِيمَتُهُ مَكَانَهُ ) أَيْ الْإِتْلَافِ ، كَإِتْلَافِ مَالِ آدَمِيٍّ
الإنصاف اقرأ →
باب جزاء الصيد
المبدع في شرح المقنع اقرأ →
بَابُ جَزَاءِ الصَّيْدِ .
( جَزَاءُ ) بِالْمَدِّ وَالْهَمْزِ : مَصْدَرُ جَزَيْتُهُ جَزَاءً بِمَا صَنَعَ ، ثُمَّ أُوقِعَ مَوْقِعَ الْمَفْعُولِ . تَقُولُ : الْكَبْشُ جَزَاءُ الضَّبُعِ . قَالَ أَبُو عُثْمَانَ فِي أَفْعَالِهِ : جَزَى الشَّيْءَ عَنْكَ ، وَأَجْزَى ، إِذَا قَامَ مَقَامَكَ ، وَقَدْ يُهْمَزُ .
( وَالصَّيْدُ ) يُذْكَرُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصَّيْدِ .
" قَضَتْ فِيهِ الصَّحَابَةُ "
الصَّحَابَةُ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : صَحِبَهُ يَصْحَبُهُ صُحْبَةً بِالضَّمِّ ، وَصَحَابَةً بِالْفَتْحِ ، وَجَمْعُ الصَّاحِبِ صَحْبٌ ، كَرَاكِبٍ وَرَكْبٌ ، وَصُحْبَةٌ بِالضَّمِّ مِثْلُ فَارِهٍ وَفُرْهَةٍ ، وَصِحَابٍ كَجَائِعٍ وَجِيَاعٍ ، وَصُحْبَانٌ مِثْلُ شَابٍّ وَشُبَّانٍ ، وَالْأَصْحَابُ جَمْعُ صَحْبٍ ، وَالصَّحَابَةُ بِالْفَتْحِ : الْأَصْحَابُ ، وَجَمْعُ الْأَصْحَابِ : أَصَاحِيبُ ، وَاخْتُلِفَ فِي الصَّحَابِيِّ مَنْ هُوَ ، فَنَقَلَ الْخَطِيبُ بِإِسْنَادِهِ ، عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ قَالَ : أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلُّ مَنْ صَحِبَهُ سَنَةً أَوْ شَهْرًا أَوْ يَوْمًا أَوْ سَاعَةً أَوْ رَآهُ فَهُوَ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَدِيثِ . نَقَلَهُ عَنْهُمُ الْبُخَارِيُّ 179 وَغَيْرُهُ ، وَحُكِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ : لَا يُعَدُّ الصَّحَابِيُّ صَحَابِيًّا إِلَّا مَنْ أَقَامَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ ، أَوْ غَزَا مَعَهُ غَزْوَةً أَوْ غَزْوَتَيْنِ ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ .
المبدع في شرح المقنع اقرأ →
باب جزاء الصيد