حدثنا سعيد بن نصر ° ، قال : حدثنا قاسم ° ، قال : حدثنا محمد ° ، قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ° ، قال : حدثنا وكيع ° ، قال : حدثنا علي بن المبارك ° , عن يحيى بن أبي كثير ° عن عامر العقيلي ° , عن أبيه ° , عن أبي هريرة ° ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أول ثلاثة يدخلون الجنة : الشهيد , ورجل عفيف ضعيف ذو عيال , وعبد أحسن عبادة ربه وأدى حق مواليه , وأول ثلاثة يدخلون النار : أمير تسلط , وذو ثروة من مال لا يؤدي حقه , وفقير فجور "
. وفي هذا الباب أيضا : عن أبي الزناد , عن الأعرج , عن أبي هريرة , أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر , كلاهما يدخل الجنة , يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل , ثم يتوب الله على القاتل , فيقاتل فيستشهد " . قال أبو عمر : معنى هذا الحديث عند العلماء أن قاتل الأول كان كافرا , وتوبته المذكورة في هذا الحديث إسلامه , قال الله عز وجل : قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ سورة الأنفال آية 38 . وفيه دليل أن كل من قتل في سبيل الله , فهو في الجنة , إن شاء الله , وكل من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا , وكلمة الذين كفروا السفلى , فهو في الجنة . وأما قوله : " يضحك الله إليه " , أي : يتلقاه الله عز وجل بالرحمة , والرضوان , والعفو , والغفران . ولفظ الضحك ههنا مجازا , لأن الضحك لا يكون من الله عز وجل على ما هو من البشر , لأنه ليس كمثله شيء ولا تشبهه الأشياء . وذكر عن أبي الزناد , عن الأعرج , عن أبي هريرة , أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " والذي نفسي بيده , لا يكلم أحد في سبيل الله , والله أعلم بمن يكلم في سبيله , إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دما , اللون لون دم , والريح ريح المسك " . قال أبو عمر : في هذا الحديث فضل الغزو والثبوت عند لقاء العدو . وقوله : لا يكلم أحد , معناه : لا يجرح , والكلوم : الجراح عند العرب . وقوله : يثعب دما , فمعناه : يتفجر دما . وقوله : في سبيل الله , فمعناه الجهاد وملاقاة أهل الحرب من الكفار . على هذا خرج الحديث , ويدخل فيه بالمعنى كل من جرح في سبيل بر وحق مما أباحه الله ، كقتال أهل البغي والخوارج , وغيرهم , واللصوص , والمحاربين , أو آمر بمعروف أو ناه عن منكر . ألا ترى قوله عليه السلام : " من قتل دون ماله فهو شهيد " . وأما قوله عليه السلام : " والله أعلم بمن يكلم في سبيله " , فإنه يدل على أنه ليس كل من خرج في الغزو تكون هذه حاله , حتى تصح له نية , ويعلم الله تعالى من قلبه أنه يريد وجهه ومرضاته , ولم يخرج رياء ، ولا مباهاة ، ولا سمعة , ولا فخرا , ولا ابتغاء دنيا يقصدها . وفي هذا الحديث دليل على أن الشهيد يبعث على حاله التي قبض عليها وهيئته , بدليل هذا الحديث . ومثله حديث ابن عباس في المحرم الذي وقصته ناقته , فقال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تخمروا وجهه , ولا رأسه , ولا تقربوه طيبا , فإنه يبعث يوم القيامة يلبي " . وقد زعم بعض أهل العلم قوله صلى الله عليه وسلم : " يبعث الميت في ثيابه التي قبض فيها " , أي : يعاد خلق ثيابه له , كما يعاد خلقه . وقال غيره : إنما ذلك قول خرج على المجاز , فكنى بالثياب عن الأعمال , والثياب كما يقال : طاهر الثوب , ونقي الجيب . قال أبو عمر : وحمل هذا الحديث على المجاز مروي من حديث ابن عباس , وغيره , عن النبي صلى الله عليه وسلم , أنه قال : " يحشر الناس عراة غرلا , وأول من يكسى إبراهيم " . فعلى هذا يحتمل أن يبعث على ما مات عليه من كفر , وإيمان , وشك , وإخلاص , ونحو ذلك . والحقيقة في كل ما يحتملها اللفظ من الكتاب والسنة أولى من المجاز , لأن الذي يعيده خلقا سويا يعيد ثيابه إن شاء . وإن كان قد روي بالوجه الآخر خبر ذكره أبو داود في باب من يغزو ويلتمس الدنيا , بإسناده عن عبد الله بن عمرو , أنه قال : يا رسول الله , أخبرني عن الجهاد والغزو ؟ فقال : " يا عبد الله بن عمرو , إن قاتلت صابرا محتسبا بعثك الله صابرا محتسبا , وإن قاتلت مكاثرا , بعثك الله مرائيا مكاثرا , يا عبد الله بن عمرو على أي حال قاتلت أو قتلت , بعثك الله تيك الحال " . وقد استدل قوم من الفقهاء الذين يذهبون إلى أن لا عمل على الشهيد المقتول في المعركة وغيرها بهذا الحديث , وجائز أن يحتج به من خص قتل الكفار في المعركة . وذكر مالك عن زيد بن أسلم , أن عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه , كان يقول : اللهم لا تجعل قتلي بيد رجل صلى لك سجدة واحدة يحاجني بها عندك يوم القيامة . قال أبو عمر : في سماع ابن القاسم : سئل مالك عن قول عمر هذا ، قال : يريد بذلك أنه ليس لغير الإسلام حجة عند الله تعالى . قال أبو عمر : معنى قول مالك الذي فسر به قول عمر ، رضي الله عنه ، عندي , والله أعلم , أن عمر أراد أن لا يكون قتله بيد مؤمن لا يخلد في نار جهنم , لأن المؤمن تكون له حجة بتوحيده , وصلاته وسجوده , يخرج بذلك من النار قاتله بعد أن يناله منها مقدار ذنبه , فأراد أن يكون قاتله مخلدا في النار , وهذا لا يكون إلا فيمن لم يكن يسجد لله سجدة , ولم يعمل من الخير والإيمان مثقال ذرة . وقد يحتمل أن يكون قوله : يحاجني بها عندك يوم القيامة , أن يقتله من تأول في قتله تأويلا سابقا في ظاهر القرآن أو السنة , وإن كان فيه عند الله مبطلا أو مخطئا , فيخفف عنه بذلك . وأما الكافر فلا يقام له يوم القيامة وزنا , ولا تسمع منه حجة , لأن حجته داحضة , ولا تأويل إلا لمؤمن موحد , والله أعلم . وذكر عن يحيى بن سعيد , عن سعيد بن أبي سعيد المقبري , عن عبد الله بن أبي قتادة , عن أبيه , أنه قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم , قال : يا رسول الله , إن قتلت في سبيل الله صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر , أيكفر الله عني خطاياي ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " نعم " , فلما أدبر الرجل ناداه رسول الله صلى الله عليه وسلم , أو أمر به فنودي له , فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كيف قلت ؟ " , فأعاد عليه قوله , فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " نعم , إلا الدين ، كذلك قال لي جبريل " . هكذا روى الحديث يحيى عن مالك , عن يحيى بن سعيد , عن سعيد بن أبي سعيد , وتابعه على ذلك جمهور الرواة للموطأ . ورواه معن بن عيسى , والقعنبي , عن مالك , عن سعيد بن أبي سعيد , لم يذكرا يحيى بن سعيد , فالله أعلم . وقد رواه ابن أبي ذئب , والليث بن سعد , عن سعيد بن أبي سعيد , عن عبد الله بن أبي قتادة , عن أبيه , عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله . وقد ذكرناهما في التمهيد . ورواية يحيى بن سعيد لهذا الحديث , عن يحيى بن سعيد موجودة , كما قال مالك .