← الاستذكار
الاستذكار
#539 مقبول 20161 ☰ باب الشهداء في سبيل الله
A− A+

أخبرنا عبد الله بن محمد ° ، قال : حدثنا محمد بن بكر ° ، قال : حدثنا أبو داود ° ، قال : حدثنا أبو المتوكل العسقلاني ° ، قال : حدثنا عبد الرزاق ° ، قال : أخبرنا معمر ° , عن الزهري ° , عن أبي سلمة ° , عن جابر ° , قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصلي على أحد مات وعليه دين , فأتي بميت , فقال : " أعليه دين ؟ " قالوا : نعم ديناران . فقال : " صلوا على صاحبكم " . قال أبو قتادة الأنصاري : هما علي يا رسول الله . فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم , فلما فتح الله على رسوله , قال : " أنا أولى بكل مؤمن من نفسه , فمن ترك دينا فعلي قضاؤه "

. قال أبو عمر : قوله : " من توفي من المسلمين وعليه دين فعلي قضاؤه " , يحتمل أن يكون أراد : إذا لم يترك مالا يؤدى منه , وظاهر الحديث يوجب عمومه كل دين مات عنه المسلم , ولم يؤده في حياته . والمعنى في ذلك , والله أعلم , أن الميت المسلم كان وجبت له حقوق في بيت المال من الفيء وغيره , لم تصل إليه , فتوجب على الإمام أن يؤدي ذلك الدين عنه , كما لو كان للميت دين على غيره ، من المسلمين أو الذميين ، جاز أن يؤخذ دينه الذي له , فيؤدي منه ما عليه من الدين , ويخلص ماله لورثته , فإن لم يفعل الغريم ذلك أو السلطان , رفع القصاص بينهم في الآخرة , ولم يحبس عن الجنة بدين له مثله على غيره في بيت المال ، أو على غريم جحد ولم يثبت الدين عليه في القضاء , أو أن غريمه لم يعلم به , أو لم يصل إليه , أو دين أقر به لوارث في مرضه , فلم يجز القاضي إقراره , وكان صادقا فيه محقا , فهذا كله , وما كان مثله لا يحبس به صاحب الدين عن الجنة , إذا كان ممن يستحقها بثواب الله على عمله , إلا أن يكون ما عليه من الدين أكثر مما له في بيت المال أن على الغريم , ولم تف بذلك حسناته , فالقصاص منه . ومعلوم أن حق المسلم في بيت المال , وإن لم يتعين عنده مال من ماله يعلمه الذي أحصى كل شيء عددا , وأحاط بكل شيء علما , يأخذه له ممن ظلمه فيه ، يوم لا دينار فيه ولا درهم , إلا الحسنات والسيئات , ومحال أن يحبس عن الجنة ما بقي ما عليه من الدين عند سلطان أو غيره ممن لم يقدر على الانتصاب في الدنيا منه , وقول السلطان : دين هذا علي , وماله لورثته , كقول غريم لو كان له , فقال : ما على هذا البيت من الدين فعلي أداؤه مما له علي , وما يخلفه لورثته , وهذا لا مشكل على أحد , إن شاء الله . وفي هذا الحديث أن جبريل كان ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم بما يتلى من القرآن وبغيره من الحكمة والعلم والسنة , وقد بينا ذلك في غير هذا الموضع , والحمد لله . قال أبو عمر : وفي هذا الباب : مالك عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله , أنه بلغه , أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لشهداء أحد : " هؤلاء أشهد عليهم " , فقال أبو بكر الصديق : ألسنا يا رسول الله بإخوانهم أسلمنا كما أسلموا , وجاهدنا كما جاهدوا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بلى , ولكن لا أدري ما تحدثون بعدي " , فبكى أبو بكر , ثم بكى ، ثم قال : أئنا لكائنون بعدك . قال أبو عمر : هذا حديث منقطع , لم يختلف عن مالك في انقطاعه . وقد روي معناه مسندا متصلا من وجوه من حديث عقبة بن عامر , وحديث جابر , وحديث أنس , وغيره . منها : حديث الليث بن سعد , عن يزيد بن أبي حبيب , عن أبي الخير , عن عقبة بن عامر , أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوما , فصلى على أهل أحد صلاته على الميت , ثم انصرف إلى المنبر فقال : " أنا فرط لكم , وأنا شهيد عليكم , وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن , وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض , أو مفاتيح الأرض , وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي , ولكني أخاف عليكم أن تنافسوا فيها " . ذكره البخاري , قال : حدثنا عمرو بن خالد ، قال : حدثنا الليث , فذكره . قوله لشهداء أحد : " هؤلاء أشهد عليهم " , يقول : أنا شهيد لهم , وقد تكون بمعنى لهم في لسان العرب , ويكون لهم بما عليهم أيضا , يقول : أنا شهيد لهم بأنهم صدقوا بما عاهدوا الله عليه من الإيمان , والجهاد في سبيله , وطاعته , وطاعة رسوله حتى ماتوا على ذلك , ومن كانت هذه حالته , فقد وعده الله الجنة , والله لا يخلف الميعاد . فهذه شهادة لهم قاطعة بالجنة , ويعضد هذا قول الله تعالى في الشهداء أنهم : أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ سورة آل عمران آية 169 . وفي شهداء أحد نزلت هذه الآية , والشهادة لهم بالجنة , ما لا خلاف , ولا شيء في معانيه , لأنهم ماتوا ذابين عن دين الله , وعن رسوله بهذه الحالة هي النهاية في الفصل مع السلامة من التبديل والتغيير , وموبقات الذنوب التي أكثر أسبابها الإفراط في حب الدنيا والمنافسة فيها . ولشهداء أحد ، عندنا : كل من مات بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم شهيدا في غزوة غزاها , أو سرية بعثها . وكذلك من مات على فراشه في عصارة إيمانه , كعثمان بن مظعون , وغيره ممن لم يتلبس من الدنيا بما يدنسه . وأما قوله في حديث مالك : " بلى , ولكن لا أدري ما تحدثون بعدي " , فإن الخطاب توجه إلى أبي بكر الصديق ومن كان معه , والمراد به أصحابه , وكل من آمن به من الكائنين بعده , إلا أن أهل بدر والحديبية من شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة , فقال : " لن يلج النار أحد شهد بدرا , والحديبية " , كما شهد للشهداء الذين استشهدوا بين يديه صلى الله عليه وسلم , وقال : " أنا شهيد لهؤلاء " . وقد ذهب قوم من جلة العلماء إلى القطع أن من مات في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشهداء , مثل : حمزة , وجعفر , ومصعب بن عمير , وسعد بن معاذ , ومن جرى مجراهم ممن موتهم قبله , وصلى عليهم , وشهد بالجنة لهم , أفضل ممن بقي بعده من أصحابه الذين قال فيهم : " ألا لا أدري ما تحدثون بعدي " , وخاف عليهم من الفتنة , والميل إلى الدنيا , ما قد وقع فيه بعضهم . وقالوا : معنى قول من قال : أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر , وعمر , وعثمان , وعلي , أو فلان وفلان , يعني من بقي بعده صلى الله عليه وسلم . وقال جماعة من أهل العلم : أفضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : أبو بكر , وعمر , وعثمان , وعلي , وسائر أهل بدر , والحديبية , لم يستثنوا من مات في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن بقي بعده . قال أبو عمر : والذي عندي في هذا الباب مما يصح في التأمل والنظر وصحيح الاعتبار والأثر ، مما شهد له الكتاب والسنة , والأصول المجتمع عليها , أن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار , ممن شهد العقبة , ثم شهد بدرا والحديبية , أفضل من كل من لم يدرك تلك المشاهد ولم يشهدها , لأن هؤلاء من شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفضل , وقال : " لن يدخل النار من شهد بدرا والحديبية " . وقال صلى الله عليه وسلم : " ما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر , فقال اعملوا ما شئتم , فقد غفرت لكم " . وحسبك بقول الله عز وجل : لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا سورة الحديد آية 10 , وقد مضى القول فيمن مات شهيدا في حياته , ومن مات ورسول الله صلى الله عليه وسلم راض عنه . وأما الباقون بعده , فهذه الجملة من القول عامة فيهم مع ثناء الله عز وجل عليهم , بأنهم أشداء على الكفار رحماء بينهم , وأنهم رضوا عنه ورضي عنهم , وحسبك بهذا . وأما التعيين فيهم وتفضيل بعضهم على بعض , فهذا لا يصح في نظر ولا اعتبار ، ولا يحيط بذلك إلا الواحد القهار ، المطلع على النيات , الحافظ للأعمال , إلا من جاء فيه أثر صحيح بأنه في الجنة جاز أن يقال فيه ذلك , اتباعا للأثر , لا أنه أفضل من الذين شاركوه في مثل فضله ذلك , ومن فضله رسول الله صلى الله عليه وسلم بخصلة , وشهد له بها ، جاز أن يفضل بها في نفسه , لا على غيره . وقد شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لجماعة من أصحابه بفضائل وخصائل من الخير كثيرة أثنى بها عليهم , ووصف كل واحد منهم بخصلة منها أفرده بها , ولم يشرك معه غيره فيها . ولم يأت عنه صلى الله عليه وسلم من وجه صحيح ، تجب الحجة بمثله ، أنه قال : فلان أفضل من فلان , إذا كانا جميعا من أهل السوابق والفضائل , وذلك من أدبه , ومحاسن أخلاقه صلى الله عليه وسلم , لئلا يومئ للمفضول بغيبة , ويحطه في نفسه فيخرجه ويخزيه , ولم يكن ذلك أيضا من دينه , لأنه لم يعلم من غيب أمورهم وحقائق شأنهم إلا ما أطلعه الله عليه من ذلك , وكان لا يتقدم بين يدي ربه , ولو كان ذلك من دينه لأفشاه إن علمه , ومن أخذ عليه الميثاق في تعليمه وتبليغه , فلما لم يفعل علمنا أن قول القائل : فلان أفضل من فلان , باطل , وليس بدين ولا شريعة . وقد أجمع علماء المسلمين أن الله تعالى لا يسأل عباده يوم الحساب : من أفضل عبادي ؟ ولا هل فلان أفضل من فلان ؟ ولا ذلك مما يسأل عنه أحد في القبر , ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم , قد مدح خصالا , وحمد أوصافا , من اهتدى إليها جاز الفضائل , وبقدر ما فيه منها كان فضله في ظاهر أمره على من لم ينلها , ومن قصر عنها لم يبلغ من الفضل منزلة من ناله . هذا طريق التفضيل في الظاهر عند السلف من الصحابة , والتابعين لهم بإحسان . قال أبو عمر : ألا ترى الحكام إنما يقضون في التعديل والتجريح عند الشهادات بما يظهر ويغلب ، ولا يقطعون على غيب فيما به من ذلك يقضون , ولم يكلفوا إلا العلم الظاهر , والباطن إلى الله عز وجل . وفي قول الله عز وجل : تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ سورة البقرة آية 134 ، وقوله تعالى : قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى {51} قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي سورة طه آية 51-52 , ما يعاضد ما ذكرنا , وبالله توفيقنا . وروى سحنون عن ابن القاسم , في كتاب الديات من المدونة , قال : سمعت مالكا , وسئل عن علي وعثمان , فقال : ما أدركت أحدا اقتدي به في دين يفضل أحدهما على صاحبه .

الآيات القرآنية · الآيات القرآنية المستشهد بها
السند · الإسناد بالترتيب
◈ تتبّع طرق هذه الرواية — الحلقة المشتركة ↗
الحكم على السند · الحكم على الإسناد
إسناد حسن
شجرة الإسناد